المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : [..قــــصـــة الـــقـــلـــــــم ..]


الشُعله
21-02-2010, 03:49 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

صباحكم طُهر ..


.
.
.
القلم ، مثله مثل السيف و الرمح و القرطاس، واحد من أقدم الأدوات التي اخترعها الإنسان و للناس فيما يعشقون حقاً مذاهب ، فبعضهم يعشق الكتابة بالقلم الرصاص على ورق أبيض ، و من هؤلاء الكاتب أنيس منصور، و بعضهم الآخر ما زال يهوى الكتابة بالقلم الحبر رغم أنه أصبح بمقاييس العصر موضة قديمة أكل عليها الدهر وشرب، الأمر الذى ينفيه أديبنا الكبير نجيب محفوظ ، و هو أحد عشاق القلم الحبر ، مؤكداً أنه يُفضل أن يرى بعينه (عصير الفكر) قبل ان يشربه الورق !
.
.
.

لو عدنا إلى الوراء، في سالف الدهر والأوان ، لوجدنا أن السومريين وهم سكان بلاد
ما بين النهرين القدامى ، هم أول من اخترع قلم الكتابة في مطلع الألف الرابع قبل
الميلاد، و كان القلم السومري عبارة عن عود من الخشب يُكتب به على ألواح من الطين اللزج، ثم يجري تجفيف هذه الكتابة الطينية بوضع الألواح في الشمس ، و أطلق العلماء على هذه الكتابة اسم (الخط المسماري) رغم أنها كانت مكتوبة بالخشب!

.
.
.

وكان العرب القدامى يستعملون قلم البوص المصنوع من القصب ، قبل ظهور الريشة بأزمان طويلة، و قد اهتم العرب بالقلم اهتماماً كبيراً ، خاصة بعدما أقسم به الله سبحانه و تعالى في سورة القلم { ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ }(القلم الآية 1) و جاء ذكر أداة الكتابة في القرآن الكريم في سورة العلق أيضاً، قال تعالى { اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ }..

.
.
.
و لهذا وضع العرب والمسلمون القلم في مرتبة القداسة ، و قالوا فيه الكثير شعراً
و نثراً!
قال الأصمعي ( القلم عود من العيدان ينوب عن اللسان إذا ما تباعدت الأوطان ،
و افترق الأحبة والخلان ) ..
و كان ابن العميد من كبار هواة اقتناء ريش الكتابة في عصره ، و يُقال إنه كان لديه ريشة مصنوعة بالهند و فيها فصوص من الألماس كانت تساوي (ضيعة) في عصره !
كذلك كان الصاحب بن عباد من محبي اقتناء أدوات الكتابة ، و من مأثور أقواله على لسان الأقلام ( سبحان بادئ القلم و مُشرفه بالقسم )!
أما فيقول هاجياً أحد الشعراء من معاصريه ، كان يتكسب من هجاء الناس :
لك القلم الأعلى الذي بثباته
يصاب من الأمر الكلى و المفاصل
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه
و أرى الجنى أشتات أيدٍ عواسل
فصيح إذا استنطقته و هو راكب
و أعجم إن خاطبته و هو راجل
و من أشهر ما قيل شعراً في الفخر بالقلم قول أبو الطيب المتنبي ، ذلك البيت الشهير الذي أورده موارد الهلاك و كان سبباً في مقتله :
الخيل و الليل و البيداء تعرفني
و السيف و الرمح و القرطاس و القلم
و في مدح القلم يقول الشاعرزهير بن أبي سلمى :
و أخرس ينطق بالمحكمات
و باطنه صامت أجوفُ
بمكة ينطق في خفيه
و بالشام منطقه يُعرفُ

.
.
.

و من الطريف أن بعض الحكام في العصور القديمة كانوا يخصصون الأقلام و يصنفونها حسب غايتها ،
فعندما يريد الحاكم أن يكتب لأعدائه كتاب تهديد و وعيد كان يستعمل قلماً مصنوعاً من غصن شجر الرمان ، أما القلم المصنوع من خشب الورد فهو للكتابة إلى الأصدقاء
و الأحبة !
أما للمعاهدات و الاتفاقات فكان الحكام يكتبون بقلم مصنوع من الذهب الخالص ، المثبت في نهايته قطعة صغيرة من القصب يتوسطها سن رفيع من العظم!


.
.
.
و استمرت الريشة أداة للكتابة زمناً طويلاً حتى ابتكر البريطانيون الريشة المعدنية عام 1830 ، و كان ذلك في مدينة برمنجهام التي عرفت لفترة طويلة فيما بعد كمهد لأدوات الكتابة ، و كان اقتصاد المدينة قائماً على صناعة الورق و الأقلام بأنواعها المختلفة، حتى وصل الأمر إلى صناعته نحو 4 آلاف موديل من ريشة الكتابة في منتصف القرن التاسع عشر !

.
.
.
و شهدت صناعة الأقلام قفزة جديدة عندما أُكتشف( الجرافيت ) في مقاطعة يوركشاير البريطانية ، و عرف العالم لأول مرة ما سُمي باسم ( القلم الرصاص )
رغم أن عنصر الرصاص لا يدخل في تركيبه على الإطلاق، و ربما يكون الإسم مرتبطاً بلون الجرافيت أو الكربون المصنوع منه هذا القلم و المغلف بغلاف خشبي يتم ( بريه ) بآلة حادة ثم باستعمال ( البراية ) و هي كلمة عربية فصيحة 100% مأخوذة من قولهم ( اعط القوس باريها ) و الطريف أن مادة القلم تدخل حالياً في صناعات بالغة التقدم
و منها صناعة الأسلحة النووية!

.
.
.
و كانت القفزة الحقيقية في صناعة الأقلام من نصيب البريطانيين أيضاً ، عندما تم ابتكار القلم الحبر بشكله التقليدي المعروف حاليا، أي القلم الذي به خزان يملأ بالحبر السائل ، و كان ذلك عام 1864 و هو العام الذي يؤرخ به للثورة في عالم الكتابة ، حيث بدأت شركات كبرى تدخل مجال تصنيع الأقلام ومنها شركة ( باركر ) و ( شيفر ) و (وترمان ) و غيرها من كبريات الشركات عابرة القارات ..

.
.
.
و يُقال إن العلاّمة و الكيميائي العربي جابر بن حيان هو صاحب فكرة اختراع القلم الحبر ذي الخزان، و لكن الفكرة لم يكتب لها التحقيق في عصر ابن حيان ، و كانت هناك تجارب بدائية لصناعة مثل هذا القلم في الأندلس ، غير أنها باءت بالفشل لعدم دقة التصنيع حتى وضعها البريطانيون في القرن التاسع عشر موضع التنفيذ دون أن يشير أحدهم ولو مجرد إشارة إلى أنه اختراع عربي قديم !
و في بداية معرفة العالم بالحبر كانت هناك، حتى عهد قريب ، ما يُسمى ( بالنشافة ) لتجفيف الحبر بعد الكتابة ، غير أن تجارب أمريكية أُجريت في الخمسينات من القرن الماضي توصلت إلى اختراع الحبر الذي يجف بمجرد كتابته ،
و في عام 1951 ظهر في أمريكا قلم شهير باسم ( باركر آيه ) فكان التطور التقني الأخير في صناعة أقلام الحبر السائل التي سرعان ما تحولت بدورها إلى متحف التاريخ الحديث ..

.
.
.
فقد ظهر القلم الأكثر انتشاراً على مر العصور، و هو قلم الحبر الجاف الذي ابتكره عالم أمريكي من أصل فرنسي و بدأت شركة ( رينولدز ) تصنيعه على نطاق عالمي واسع في عام 1953، فأحدث على الفور انقلاباً في صناعة أدوات الكتابة ، و تفوق هذا القلم الجاف على أقلام الحبر السائل ، لدرجة أنه ضرب صناعتها المزدهرة في مقتل، و احتل المرتبة الأولى في قائمة مبيعات الأدوات الكتابية، فباعت شركة ( رينولدز ) نحو 7 ملايين قلم جاف من موديل واحد عام 1957 ، وكان هذا رقماً قياسياً في مبيعات الأقلام على مستوى العالم ..
.
.
.

و تكمن عبقرية القلم الجاف في كونه أول أداة للكتابة لا تحتاج إلى مكونات أخرى من خارجها ، فقد كان لزاماً على الكاتب في كل العصور السابقة أن يحتفظ بالقلم والحبر معاً ..
و يعتمد هذا النوع من الأقلام على فكرة ميكانيكية غاية في البساطة ، فرأس سن القلم عبارة عن (بلية ) أو جسم كروي صغير جداً من الحديد الدوار ، و في هذا الجسم أخاديد متناهية الصغر من الممرات الدقيقة ، و عندما يتحرك الرأس ينساب الحبر الجاف في سن القلم، مثل هذه الفكرة البسيطة ربحت من ورائها شركة ( رينولدز ) نحو 120 مليون دولار بأسعار الخمسينات من القرن العشرين !
.
.
.
و لكن اليابانيين استطاعوا أن يقدموا للعالم في السبعينات من القرن الماضي نوعاً مبتكراً من الأقلام ، و هو القلم ( الفلوماستر ) الذي يعتبر التطور الأخير في صناعة الكتابة، فهو آخر ما توصل إليه العقل الإنساني في هذه الصناعة العريقة و الضاربة بجذورها
و كلماتها في أعماق التاريخ ، وإن كان البعض في عصرنا يؤمن بأن صناعة أقلام الكتابة ستدخل ( المتحف ) يوماً وتصبح من مخلفات التاريخ، بعد أن أصبحت الكتابة على الكمبيوتر لا تحتاج إلى الأقلام .. و لا الأوراق!

.
.
.

م|ن

احتـرامي :flower:,

لعدان
22-02-2010, 09:39 PM
مقال رائع شكراً طهر

المتفائلة
23-02-2010, 12:25 AM
شكرا على هذه الإفادة ...

تفاجأت عندما ذهبت لمعرض الخط العربي من استخدام الخطاطين اقلام على هيئة عود القصب ومحبرة ....كان شكلها جميل واقتنيت لي واحدة بدافع الفضول والتجربة ...

وعلى الرغم من تطور التكنولوجي واستبدال الكيبورد بالأقلام الا ان القلم لا زال شامخا ومنافسا قويا ... فما زال الأدباء وأصحاب الأقلام يدينون للقلم بالولاء المطلق :) .

Hope
23-02-2010, 03:42 AM
القلم هو الصديق الوفي .. بل هو الأوفى

صاحَب الإنسان في رحلة تطوره و تقدمه .. فـ تطور و تقدم

هو مرآة تعكسـ [ ــنـا ] .. كما نحن .. في هذه اللحظة أو تلك

يترجم حالتنا النفسية و يرسم ملامحها بدقة ..!

القلم = علم و تعلم

القلم = ثقافة و تقدم

القلم .. لن يخذلنا .. مهما .. خذلناه ..!

-
-

[ طــهــر ]

-
-

هل تكفي " شكراً " كـ رد على ما نقله لنا قلمك من معلومات قيمة .. !


دمتم بخير

الشُعله
25-02-2010, 04:48 PM
مقال رائع شكراً طهر

لعدان


شكرا على مروورك الطيب


احترامي :flower:,,,

الشُعله
25-02-2010, 04:51 PM
شكرا على هذه الإفادة ...

تفاجأت عندما ذهبت لمعرض الخط العربي من استخدام الخطاطين اقلام على هيئة عود القصب ومحبرة ....كان شكلها جميل واقتنيت لي واحدة بدافع الفضول والتجربة ...

وعلى الرغم من تطور التكنولوجي واستبدال الكيبورد بالأقلام الا ان القلم لا زال شامخا ومنافسا قويا ... فما زال الأدباء وأصحاب الأقلام يدينون للقلم بالولاء المطلق :) .



المتفائلة


شكرا على كلامك الطيب

وفعلا لايزال القلم شامخا في عصر التكنولوجيا ...

بالنسبة لي لايمكنني الاستغناء عنه فهو رفيقي الدائم;)

الشُعله
25-02-2010, 04:56 PM
القلم هو الصديق الوفي .. بل هو الأوفى

صاحَب الإنسان في رحلة تطوره و تقدمه .. فـ تطور و تقدم

هو مرآة تعكسـ [ ــنـا ] .. كما نحن .. في هذه اللحظة أو تلك

يترجم حالتنا النفسية و يرسم ملامحها بدقة ..!

القلم = علم و تعلم

القلم = ثقافة و تقدم

القلم .. لن يخذلنا .. مهما .. خذلناه ..!

-
-

[ طــهــر ]

-
-

هل تكفي " شكراً " كـ رد على ما نقله لنا قلمك من معلومات قيمة .. !


دمتم بخير




Hope

صاحبة القلم الجميل والفكر النيّر

شكرا لاضافتك الرائعة دوماً ...

دمتي ياراقية :flower::flower: