المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقالات الدكتور سلمان العودة ..


أحمد
14-03-2010, 11:24 AM
http://photos-a.ak.fbcdn.net/hphotos-ak-snc3/hs139.snc3/18638_259879558257_259872638257_3189034_3978333_n. jpg

سأنشر هنا مقالات الدكتور سلمان العودة ..

واختياري للشيخ حفظه الله بسبب إعجابي بما يكتب حفظه الله وسدده ..

أرجو أن تكون نافعة لكل من يمر هنا ..


:flower:

ummaha
14-03-2010, 11:30 AM
جزاك الله خيرا اخي احمد .. موضوع سيكون الاهم بالنسبة لي

بميزانك اخي .. فتح الله عليك .. اوصي بانتقاء الاكثر اختصارا ثم تتدرج بنا اخي

لان الشيخ مفكر و نريد تركيزا لفهمه :)

أحمد
14-03-2010, 11:37 AM
http://www.islamtoday.net/media_bank/image/2009/7/12/1_2009712_5946.jpg

الحياة ليست تاريخاً


الكاتب: فضيلة الشيخ/ سلمان بن فهد العودة
السبت 27 ربيع الأول 1431الموافق 13 مارس 2010

جلس صديقي (الذي هو أنا) ساعة يكتب فيها مقالاً كهذا الذي تقرؤه بين يديك ، وسُرّ حينما وجد المئات قرؤوا المقال ، والعشرات أفادوا منه، والآحاد علقوا عليه، ما بين مستحسن وناقد ومكمل ، وحتى مستهجن ، فهو يرى أن الخصم ينفعك كما الصديق !
وجلس صديقي الآخر (في داخلي) ساعة وراء آلة التصوير, يتحدث إلى مشاهديه ومستمعيه ، وخرج منتشياً يشعر بأنه فُتح عليه ، وكان أكثر نشوة وهو يقرأ رسائل الإعجاب والتفاعل !
أما نفسي الحقيقية في العمق ؛ فعرفتها يوم عدت البارحة إلى فراشي، بعد جلسة طويلة مع فئام من الأحبة، تلاقوا على غير ميعاد في جلسة لقاء حافل بطيب الكلام وصادق الإحساس ، وشديد الاحترام ، تبادل فيه الجلساء معاني : الودّ والملاطفة وإدخال السرور ؛ ومنح الأهمية للآخرين ، ومعالجة آلامهم ومتاعبهم الحياتية والنفسية، بطريقة غير مباشرة, أصدقاءً في الأرواح والقلوب ، تلاقت أجسادهم لأول مرة؛ رجعت بعدها أشعر بأنني عشت تلك الليلة من حياتي كما يجب وكما أحب، بروحي وعقلي وجسدي، عيشة مكثّفة، أدركت أن الكثير من أوقات الناس تمضي في مثل هذه المناشط المحببة إلى نفوسهم ، تلك الأوقات التي لا يكتبها التاريخ؛ فأدركت حقاً أن الحياة ليست هي التاريخ .
التاريخ يدوّن السياسة والأحداث الكبار والمواقف الفاصلة والخطوط الرئيسة .
أما هذه التفصيلات الجميلة البديعة البسيطة التي تضيف الألوان الزيتية البديعة للوحة؛ فلا مكان لها في تاريخ الأرض ، وربما يكون لها مكان في تاريخ السماء !
(لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا)(الكهف: من الآية49) . (وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ )[الأنعام : 59].
في التاريخ حقائق وأوهام ، وظنون غير محققة ، وفيما عدا الخطوط الكلية التي يتفق عليها عامة المؤرخين ، ينفرد كل كاتب بروايته ورؤيته وتحليله ووجهة نظره ، وكثيراً ما يصطبغ ذلك بمذهبه وثقافته وانتمائه الطائفي ومعتقده ، فلا يخلص للحقيقة ، أو لا يستطيع أن يخلص لها .
اليوم أصبحت الدراما الروائية وما قبلها من الحكايا المكتوبة بعناية وعمق تكتب الحياة بشكل أفضل ، وها أنت تقرأ وترى التفاصيل الحياتية، وتدرك المشاعر والأحاسيس والانطباعات والخطرات والظنون وتقف قبالة الحدث وجهاً لوجه حتى كأنك تشعر به فتتلمسه ، أو تحسّ به .. وربما تشم رائحته!.
ها أنت تقرأ السياق الإنساني بعفويته وتكلّفه ، وخيره وشره ، وحلوه ومرّه ، وحسنه وقبيحه .
ها أنت تقرأ حياة الكبار ثانياً هذه المرة، أما أولاً فتقرأ حياة السذج والبسطاء والفلاحين والجياع والباعة والخدم والنساء ..
تقرأ التقلّبات والتحوّلات ، وتعرف كيف حدثت ، وكيف تطورت ، ومن أين بدأت وإلى أين انتهت .
حين يكتب التاريخ عن رجاله المشاهير من السّاسة والعلماء والمؤثرين ، يكتب عن الصورة الظاهرة ، والمواقف المنقولة ، والأحداث الشهيرة ، لكن ينسى أنهم بحكم كونهم بشراً لهم وجه آخر لا يقلّ أهمية ، مع نفوسهم إذا خَلَوا بها ، مع أزواجهم ، وصبيانهم ، وفي قعر بيوتهم ، وبعيداً عن الثياب الرسمية ، هناك ثياب " البِذلة " التي تبدو النفس فيها على طبيعتها بلا رتوش ولا أصباغ ولا ترتيبات .
وثياب البذلة هي ثياب المهنة التي يترك الإنسان فيها التزين والتهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة , وهي حالة البستان التي قال عنها الشافعي : "الوقار في النُّزْهة سُخْفٌ" "أو ليس من المروءة الوقار في البستان" حين تقوم الطبيعة يقعد التكلف، وتقف العفوية يوم أن يسقط التصنع.
الصورة التي صار الإعلام يحاول إظهارها في الغرب من خلال ما يسمى بـ " تلفزيون الواقع " والذي حاكته الكثير من البرامج العربية؛ فأفلحت في استقطاب الملايين من المشاهدين ، وكسب الملايين من الدولارات ، ولكنها لم تفلح في التوظيف الإيجابي والبناء الإنساني والاستحضار الهادف ..
بدأ يراجع المقولات الموروثة :
التاريخ يعيد نفسه .. هل عرفنا التاريخ جيداً ، حتى ندري أيعيد نفسه فعلاً ؟
تاريخ ما أهمله التاريخ ، وهذا اسم كتاب ألّفه الكاتب الفرنسي: لويس دوكورانسي .
وهل يمكن استدراك ما فات المؤرخين ؟ وهل هو وارد في الحسبان ؟ هل نعد مجريات الحياة الجميلة العفوية تاريخاً يستحق التدوين ؟
لقد بدأ تدوين الغير مدون والغير معروف .. والأعمال المجهولة، واللحظات الدقيقة المغفلة.
فهل التدوين مقصور على الحروب والدماء والتشريد والمطامع والمكايدات السياسية ؟!
لقد كان الأديب الشيخ الطنطاوي يشكو في بعض مؤلفاته ؛ بأن الكثير من أحداث التاريخ الإسلامي كتب بلغة سياسية, تذكر فيه الأحداث السياسية والفتوحات وأخبار الخلفاء, ولا يدون فيه أخبار العلوم والمعارف والثقافات وخبرات الشعوب وأخبار الناس.
هذه السعة والبحبوحة والتنوّع الهائل في الناس والطبيعة والصور والمعاني والمشاعر والأحاسيس والأشكال والعواطف والعلاقات والإدراكات التي تملأ الجوانح؛ يعجز اللسان عن البوح بها ، كما يعجز القلم عن تدوينها، وهي تمثّل قدراً واسعاً من حياة الناس الإيجابيين ، وتمثّل نوعاً من أرقى أنواع العيش الكريم ، وتجربة تتكرر يومياً أو أسبوعياً أو بين الحين والآخر للعديد من الناس .. هل كُتب عليها أن تُنسى في ساعتها ولا يذكرها حتى ربما الذين عاشوها واستمتعوا بها ..
هل كُتب علينا ألا نذكر تلك الأحداث الضخمة التي تمثل انفجاراً مدوياً في حياتنا البشرية ..
نعم ؛ إنها أوسع من أن يسطرها قلم ، أو يدوّنها تاريخ ، اللهم إلا قلم الملائكة الكرام الكاتبين ( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ ) [الإنفطار/10، 11] .
ويتساءل المفسرون والفقهاء عن كتابتهم اللغو الذي لا يضر ولا ينفع ، وليس عليه ثواب ولا عقاب ..
وهل يكتب الملائكة الخطرات والهم والنية ؟
ورد في صحيح مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا هَمَّ عَبْدِى بِسَيِّئَةٍ فَلاَ تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةً وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةً فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا عَشْرًا ».
قال ابن حجر :" وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَلَكَ يَطَّلِعُ عَلَى مَا فِي قَلْبِ الْآدَمِيِّ إِمَّا بِإِطْلَاعِ اللَّهِ إِيَّاهُ أَوْ بِأَنْ يَخْلُقَ لَهُ عِلْمًا يُدْرِكُ بِهِ ذَلِكَ"
وقال النووي:" فأما الهمّ الذي لا يكتب فهي الخواطر التي لا توطن النفس عليها ، ولا يصحبها عقد ولا نية وعزم "
في عيون الأخبار لابن قتيبة ورسائل الجاحظ: أن الحجاج مع عتوه وطغيانه، وتمرده وشدة سلطانه، كان يمازح أزواجه ويرقص صبيانه. وقال له قائل: أيمازح الأمير أهله؟ قال: " والله إن تروني إلا شيطاناً ؟ والله لربما رأيتني وإني لأقبل رجل إحداهن! "

المتفائلة
14-03-2010, 03:03 PM
اختيار جميل ... هناك الكثير من التفاصيل في حياتنا وحياة الآخرين تحمل من المعاني العميقة أضعاف ما تحمله تلك العبارات التي يسطرها المؤلفون في كتبهم ..
شكرا أخ أحمد

أحمد
20-03-2010, 04:11 PM
جزاك الله خيرا اخي احمد .. موضوع سيكون الاهم بالنسبة لي

بميزانك اخي .. فتح الله عليك .. اوصي بانتقاء الاكثر اختصارا ثم تتدرج بنا اخي

لان الشيخ مفكر و نريد تركيزا لفهمه :)
حياك الله أختي أم مها ..

الشيخ سلمان يكتب مقالا أسببوعيا ينشر كل سبت في أكثر من جريدة كما ينشر في موقعه الرسمي ..

كتاباته فيها التفاتات جميلة ودائما ما أجد أفكارا جديدة فيها ..

كوني قريبة .. فالمقال القادم قد اقترب ..

أحمد
20-03-2010, 04:17 PM
اختيار جميل ... هناك الكثير من التفاصيل في حياتنا وحياة الآخرين تحمل من المعاني العميقة أضعاف ما تحمله تلك العبارات التي يسطرها المؤلفون في كتبهم ..
شكرا أخ أحمد
التاريخ لن يتحدث عن أوقات تقضيها الأم مع ابنها ترمقه أينما ذهب بعيون مشفقة وقلب حنون ..

لذلك لا يعرفنا أحد أكثر من خالقنا ورازقنا وحيينا ومميتنا ..

لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ..

إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا ..

شكرا متفائلة على الإضافة الرائعة ..

أحمد
20-03-2010, 04:26 PM
http://islamtoday.net/media_bank/image/2009/7/30/1_2009730_6238.jpg


الأضلاع الستة

الكاتب: فضيلة الشيخ/ سلمان بن فهد العودة
لسبت 04 ربيع الثاني 1431الموافق 20 مارس 2010


تأملت المعصية؛ فوجدتها إنما كانت حراماً وحوباً ؛ لأنها نقطة سوداء محاطة بستة ألوان من الخطر, لا يكاد يسلم صاحبها من أحدها ، وربما أصابته جميعاً .

أولها : المرض ، وحسب تقرير لبرنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز 24-11-2009 ، أن 25 مليون شخص قضوا بفيروس الإيدز في العالم وأن 60 مليوناً أصيبوا به منذ ظهوره..
وربما كان سبب المرض مقارفة واحدة لساعة أو بعض ساعة أو لعشر دقائق, لم يجد صاحبها فيها ما كان يتخيّله من المتعة والسرور ، ويتذكر أنه كره ريحة صاحبته, أو استقذر سنها, أو مقت بعض خَلْقها,

لَو فَكَّرَ العاشِقُ في مُنتَهى ... حُسنِ الَّذي يَسبيهِ لَم يَسبِهِ

ولكن مضى القدر وجف القلم بما هو لاقٍ !
وفي الحديث " لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ ، حَتَّى يُعْلِنُوا ، بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ ، الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا" رواه ابن ماجه وأبو نعيم والحاكم وقال : صحيح الإسناد من حديث ابن عمر رضي الله عنهما

ثانيها : الفضيحة ، وهي قد تكون بالمرض الذي ينبني عن علاقة محرمة مكتملة ، وقد تكون بتوثيق الحادثة ؛ تصويراً أو إشهاراً واستفاضة, يتسامع بها الناس ، وقد تكون بظهور الآثار من السُّكْر أو غيره .

ثالثها : الإدمان ، وقد يبدأ الأمر باستطلاع أو استكشاف أو تجربة أو رغبة غامضة ، ثم يتكرر بسبب الاستسهال ويتطور من فعل سهل إلى ما هو أبعد منه ، وما كان تحصل به اللذة أمس قد لا تحصل به اليوم ، فيحتاج إلى تركيز ومضاعفة واستجماع وسائل المتعة الحرام ، فالكأس الأولى لم تعد كافية ، فتكرر الجرعة ، وهل من مزيد !

وَكَأسٍ شَرِبتُ عَلى لَذَّةٍ ... وَأُخرى تَداوَيتُ مِنها بِها

رابعها : الفقر ، إذ المبتلى بمعصية تغلغلت في عروقه وتمكنت من سويدائه؛ مستعد لبذل الغالي والنفيس في سبيل تحصيلها, وهو لا يفرح بالمال لينفقه في وجوه الخير ، ولا ليوسع به على عياله ، ولا ليستثمر ، بل ليحصل به على المزيد من لذته وشهوته ، وهو لا يحسب للمال حساباً قلّ أو كثر ، لا غرو سيشتري قرصاً بدرهم أو مائة أو ألف ، فالسمّ المتلمظ في عروقه يلح عليه ويلازمه ويطالبه مطالبة الغريم الذي لا يمل ولا يفتر .
وعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ وَلاَ يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلاَّ الدُّعَاءُ وَلاَ يَزِيدُ فِى الْعُمْرِ إِلاَّ الْبِرُّ » رواه أحمد ، والنسائى ، وابن ماجه ، والحاكم وقال : صحيح الإسناد.

خامسها : عذاب الضمير ، وهو التأنيب والتقريع ، أخللت بحق نفسك ووضعتها في غير موضعها ، أفسدت نظام الأسرة وسننت لها سنة سيئة ، اغتيال براءة الأطفال لم يكن خياراً حسناً ، الإخلال بحقوق الآخرين ، امرأة ورطتها ، علاقة شرعية أفسدتها ، مال حرام استحللته , طفل يدلف إلى الحياة عبر المجهول لا يعرف أباه ، كنت سبباً في نشر السوء والفاحشة وتسهيل أمرها وإشاعتها

يحاول أن يباح العشق حتى ... يرى ليلاه وهي بلا حجاب !

عذابات متواصلة ، وآلام متزايدة ، وهموم وغموم ، وخواطر سيئة ، ومخاوف متصلة ، ونوم متقطع ، وبعد هذا أعصاب مشدودة ، ونفسية سيئة ، وقابلية سريعة للاشتعال ، فالضحية الزوجة والأطفال والمحيطون بك ممن يصطلون بنار الغضب السريع ، والتهجم غير المسوغ ، والصراخ المفضي إلى الكراهية , والإحساس بمقت الحياة حين تكون إلى جوارك .
هل يستطيع العاصي أن يملك نفساً هادئة وأعصاباً لينة ، وقدرة على التعايش مع المحيطين دون توتر أو قلق ؟
لا أظن !
إلا أن يكون ممن لا يعرف معنى " المعصية " ممن لم يتصل بعلمه تحريم ، ولم تقرع أذنه النصوص المخوفة والوعيد المجلجل .
وفي البخاري يقول ابن مسعود رضي الله عنه :« إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ » . فَقَالَ بِهِ هَكَذَا قَالَ أَبُو شِهَابٍ : بِيَدِهِ فَوْقَ أَنْفِهِ..

سادسها : عذاب الآخرة ، وأعظمه الحجاب عن الرب ، والحرمان من مرضاته ، ومن رؤية وجهه ، ومن سماع كلامه ، والأنس بقربه ، وهو أعظم النعيم وأساسه (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (يونس:27،26) .
والوعيد وإن كان لأصحاب السيئات الكبرى المتعلقة بالكفر والجحود ، فإن لأصحاب المعاصي العظام نصيباً منه إن لم يتجاوز الله عنهم ، أو يوفقهم للتوبة ..
وما يبدو على الوجوه من الكآبة وسفعات الغضب وملامح الضيق لدى العصاة هو مؤشر على ما وراءه .
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "إن للحسنة لنورا في القلب وضياء في الوجه وقوة في البدن وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق, وإن للسيئة لظلمة في القلب وسواداً في الوجه ووهنًا في البدن وضيقاً في الرزق وبغضة في قلوب الخلق"
على أننا نقرر دوماً أن ليس كل معاناة نفسية سببها المعصية ، فقد يبتلى المرء باكتئاب أو وسواس أو اضطراب أو قلق, وهي أمراض أو أعراض نفسية, شأنها شأن أمراض الجسد, قد تكون لأسباب بشرية عادية ، ويُكفَّر عن صاحبها بها إذا صبر واحتسب .
فاللهم يا مقلب القلوب, ثبت قلوبنا على دينك ، ويا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك ، واغفر لنا ولجميع الخطائين ذنوبهم وحوبهم, وتجاوز عنهم, وأصلح قلوبهم, ووفقهم لطاعتك وتوبتك, ولزوم صراطك المستقيم ، والحمد لله رب العالمين

أحمد
27-03-2010, 02:00 AM
http://islamtoday.net/media_bank/image/2010/3/27/1_2010327_10361.jpg

لعنة الدنيا ..!

الكاتب: فضيلة الشيخ/ سلمان بن فهد العودة
السبت 11 ربيع الثاني 1431الموافق 27 مارس 2010


تزخر أدبياتنا وأمثالنا وأحاديثنا بذم الحياة وتحقيرها والدعوة إلى مجافاتها, فهل هذا شرعي مدعوم بالكتاب والسنة, أم موروث ملتبس يجب فحصه وفرزه ؟

الذي أجده في التنزيل أنها " لَعِبٌ " و " لَهْوٌ " و " زِينَةٌ " .. و " مَتَاع " ..

وهذه الأوصاف تقرأ إيجابياً ، فليس كل لعب أو لهو فهو مذموم ، بل منها ما هو مذموم ، ومنها ما يستجم به لبعض الحق ، ومن اللهو المحمود ملاعبة الزوجين أحدهما الآخر ، ومشامة الولد ، وسياسة الفرس ..

ومن هنا ذهبتُ إلى تضعيف حديث " الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه .."

والحديث رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما

وقال عنه الترمذي حسن غريب , والغريب عنده من أقسام الضعيف والحسن أي في مأخذه أو معناه.

وحكم عليه الدارقطني بقلب إسناده

وهو من رواية عبد الرحمن بن ثابت, والظاهر أن في حفظه ضعفاً وحديثه محتمل ..

وفيه عطاء بن قرة, قال عنه الإمام علي بن المديني : شامي لا أعرفه.

بل ورد هذا الأثر عند ابن أبي شيبة والدارمي موقوفا على كعب الأحبار , وكعب كان من أهل الكتاب ويأخذ عنهم.

وورد أيضا من كلام أبي الدرداء -رضي الله عنه- , وأستبعد أن يلعن صحابي الدنيا بهذه الطريقة.. وأبو الدرداء كان يتسامح في النقل عن أهل الكتاب .

ومثل هذا الحديث تتترس خلفه ثقافة تسللت إلى تراثنا الإسلامي؛ فقعدت بعقولنا وهمتنا , وأحاطتنا بكهنوت جعل الرقي والتطلع للغد واستشراف المستقبل عملاً ضد الآخرة والزهد والإخلاص والعمل لله..

وهو أيضا ينتظم معاني منكرة يتوجب علينا مطاردة مفاهيمها السلبية على الحياة..

الدنيا نفسها معنى محايد فهي مزرعة للآخرة ودار إعمار وبناء ( هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [هود/61].. كما أنها للشر والفساد والفتنة إذا أراد الإنسان ذلك , وتحتمل أن تكون لغير هذا وذاك عند فئام كثيرة من الناس , إذ هي قد خلقها الله وسخرها لعباده وسلطهم عليها وجعلهم خلفاء فيها, فأين يتأتى اللعن في هذا المقام!!

والدنيا فيها قسم عظيم يندرج تحت الإباحة الأصلية, لا محرما ولا مكروها , كالبيع والشراء الذي هو في أصله مباح, ولو تركه الناس لتعطلت مصالح الدين فضلا عن الدنيا,,

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن "سبابا ، ولا فحاشا ، ولا لعانا " كما جاء عن أنس رضي الله عنه في البخاري

وحتى لما قيل له يا رسول الله ادع على المشركين قال : " إني لم أبعث لعانا ، وإنما بعثت رحمة"

والحديث في مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وجاء في أحاديث صحاح النهي عن لعن شيء من الدنيا ، كحديث : عِمْرَان بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ:

بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَامْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى نَاقَةٍ فَضَجِرَتْ فَلَعَنَتْهَا فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:" خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ"

قَالَ عِمْرَانُ : فَكَأَنِّي أَرَاهَا الْآنَ تَمْشِي فِي النَّاسِ مَا يَعْرِضُ لَهَا أَحَدٌ.. رواه مسلم

فكيف يصدق أن يلعن رسول الله الدنيا كلها إلا ما استثني ، وفيها الكثير الطيب المباح ، أو المستحب ، أو ما هو ذريعة لواجب أو مستحب ..

وهذا الحديث بمفرده لا يقوى على الاستقلال بهذا المعنى الخطير الذي يجنح بالدنيا كلها إلى غير ما خلقت له ؛ من مجافاتها والخوف منها , وكأنه أثر من آثار الرهبانية عند الأمم السابقة (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا )[الحديد/27]

فهذا مما يؤكد نكارة هذا الحديث وبعده عن الهدي النبوي

والذم الوارد في الكتاب والسنة للدنيا ليس راجعا إلى زمانها الذي هو الليل والنهار المتعاقبان إلى يوم القيامة, فإن الله تعالى جعلهما خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا,, وليس الذم راجعا إلى مكان الدنيا الذي هو الأرض التي جعلها الله لبني آدم مهاداً ومسكنًا , ولا إلى ما أودع الله فيها من الجبال والبحار والأنهار والمعادن , ولا إلى ما أنبته فيها من الزرع والشجر , ولا إلى ما بث فيها من الحيوانات وغير ذلك , فإن ذلك كله من نعمة الله على عباده بما لهم فيه من المنافع ولهم به من الاعتبار والاستدلال على وحدانية صانعه وقدرته وعظمته ؛ وإنما الذم راجع إلى ما يستحق الذم من أفعال بني آدم الواقعة في الدنيا ؛ لأنه واقع على غير الوجه الذي تُحمد عاقبته , بل يقع على ما تضر عاقبته أو لا ينفع..

إن نقد هذه المرويات متناً وسنداً وفق القواعد العلمية المرعية جدير بأن يعزز النظرة التفاؤلية الإيجابية لدينا ، ويقصي النظرة السلبية المتشائمة ، المتحججة على فشلها وإخفاقها بتدجين أو رفض ما يحلو لها من الآثار .. والحديث موصول بإذن الله.

أحمد
03-04-2010, 05:11 PM
http://islamtoday.net/media_bank/image/2010/2/24/1_2010224_9884.jpg


عسكرة الحياة

الكاتب: فضيلة الشيخ/ سلمان بن فهد العودة
السبت 18 ربيع الثاني 1431الموافق 03 إبريل 2010

وجدت كثيراً من المخلصين يدور في رؤوسهم وأحاديثهم أن مفتاح النهضة والرقي يتلخص في كلمة واحدة ، هي " القوة " ، وأن القوة تتلخص في كلمة واحدة هي " السلاح المادي " ، فهو كلمة السر التي بها هزمنا ، وعلى وقع تحصيلها ننتصر .

وتغلب عدونا علينا هو بهذا النمط الخاص من القوة ، وأمجادنا التاريخية هي من هذا الباب ، ومستقبلنا مرهون بامتلاكها ..

وامتد هذا إلى لغتنا المجازية فصارت كلمة " جيش " و " سلاح " و " قتال " تتردد على ألسنتنا ، فأمضى " سلاح " هو الكلمة ! ونحن " جيش " من المنهزمين ، وقد أصبحت " أقاتل " من أجل هذا الموضوع !

ونسينا أن (القوة الناعمة) أخطر وأبعد أثراً ، وأنها تنخر في عظام الأجيال وتتخلل عقولهم وأخلاقهم وسلوكهم ببطء ، وتأثيرها أكيد ، وبدون مقاومة .

ونسينا (قوة المعرفة) التي أصبحت هي ميزان الثقل اليوم فأثمن سلعة وأعظم ثروة هي (سلعة المعرفة) التي يرجع إليها نحو 50% من ثروات الدول المتقدمة .

إن قوة الإعلام تحدث تأثيراً تراكمياً في العقل والوجدان يتحول إلى سلوك عن قناعة وحب ، وهو أخطر من الدبابة والصاروخ والقنبلة ، حتى لو كانت القنبلة النووية .

قد تنهزم عسكرياً وتنتصر بقيمك وأخلاقك وإصرارك على مبدئك ، وقد تنتصر عسكرياً ولكنك لا تحسن توظيف هذا الانتصار .

وجدت في القرآن الكريم الامتنان على الناس بتحصينهم من آثار السلاح المدمر الذي هو " بأس " الإنسان ضد أخيه (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) (الأنبياء:80) ، فهذا نبي الله داود يعلمه ربه صنعة الدروع السابغات والخوذات وغيرها مما يتحصن به الإنسان ضد السلاح الفتاك (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً)(سـبأ: من الآية11) ، وفي موضع آخر (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ)(النحل: من الآية81) ، وحين يذكر الله الحديد يقول : (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ)(الحديد: من الآية25) وليس في ذلك مدح ، لأنه يوظف غالباً في البغي والظلم والاعتداء .

بينما عقب بقوله (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ)(الحديد: من الآية25) ، فكأن ما قبله ليس فيه منافع للناس ، كما في الآية الأخرى : (تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً)(النحل: من الآية67) ، فالسياق يشي بأن السكر ليس من الرزق الحسن .

حتى سيرة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- اختصرناها في المغازي ، وبعضنا سماها " المغازي " وكأنها كانت قتالاً فحسب ، أو ليس النبي -صلى الله عليه وسلم- مكث في مكة ثلاث عشرة سنة محظوراً عليه وعلى أتباعه المؤمنين حتى الدفاع عن النفس ليتجردوا من حظ النفس والانتصار لها نفسياً وليتمكنوا من تحصيل الشروط الموضوعية والذاتية ، وليستنفدوا الوسائل السلمية الممكنة ، ثم كانت حياة المدينة مليئة بالمناشط الحيوية في البناء والتجارة والمؤاخاة والتعليم والدعوة والمصالحات الواسعة والعلاقات الإنسانية مع المجاورين حتى اضمحلت الوثنية دون قتال ومات النفاق ..

حتى أول مواجهة مع الشرك لم يكن المسلمون يحبونها ولا يتطلعون إليها ولكنها كانت قدراً مقدوراً (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ)(الأنفال: من الآية7) !

فيا سبحان الله !

هذا الانحياز لعسكرة الحياة ، أصبح أسلوباً في التفاعل مع أولادنا وأزواجنا في الأوامر و " الفرمانات " التي لا تقبل المراجعة وفي مدارسنا التي غلب عليها طابع التشديد والتهديد وتلاشت عنها علاقة الحميمية والعلاقة الودية بين الطالب والمبنى الذي يشهد عدواناً مستديماً ، والمعلم الذي قد يجد نفسه منساقاً بحكم تأثير البيئة التعليمية للغة الأمر الصارم والرقابة ويفقده بعض صوابه ، والمدير الذي تعين عليه في نهاية المطاف أن يكون قائد ثكنة .

الأسرة التي لا تلتقي إلا لماماً ، وحتى اللقاء نتيجة أوامر صريحة وصراخ مستمر من الأبوين للتخلي مؤقتاً عن اللابتوب أو الشاشة وقتاً وجيزاً ليرى بعضنا بعضاً .

والسياسة التي ظللتنا بالروح الأبوية المهيمنة وكأن الإنسان غير قادر على معرفة مصالحه إلا بواسطة من يفكر عنه ويكون وصياً عليه ، وهو يدري من أبعاد الأمور وخفاياها ما لا يدري سواه ، وأصبح المرء لا يتنفس إلا وفق أطر محددة ، لقد صارت الحرية " هامشاً " وصار الاستحواذ هو " المتن " ، بينما المنطق أن يكون المتن هو الحرية ، ويكون الهامش هو الضابط والشرط الذي لابد منه لتصبح الحرية قيمة اجتماعية وشرعية صحيحة .

حين نفكر في إصلاح أحوال الأمة عبر التاريخ يتبادر إلى ذهننا القواد العسكريون ، والانتصارات العسكرية وكأنها هي التي صنعت الأمة ، أما القواد العلميون والتربويون والإصلاحيون فكأنه لا وجود لهم في عقولنا ولا تاريخنا حين نفكر بمعالجة الإخفاقات ، ولذا فكل فتى منا مهموم بآلام الأمة يفكر أن يكون " صلاح الدين " ، ولا يفكر أن يكون هو الشافعي أو مالك أو أحمد أو ابن تيمية أو ابن حجر أو النووي أو ابن النفيس أو ابن الهيثم أو المبدع أو العالم المتخصص .. ألسنا نفكر بطريقة انتقائية ونتعامل مع الحياة على أنها معركة عسكرية الذي يفوز فيها يحصل على كل ما يريد ؟

حين نتحدث عن التأثيرات الأجنبية نشير إلى قادة الحروب والمعارك ضدنا أو الحروب والمعارك العالمية وننسى صانعي السيارة وتأثيرهم الهائل في الحياة الفردية والمدنية والعمارة والعلاقات والعبادات ، وننسى صانعي الهاتف وتأثيرهم الضخم في حياة الإنسانية ، وننسى صانعي المطبعة أو التلفاز .. وهلم جرا .

هذا جعل الكثير منا يتخلون عن أدوارهم الإصلاحية بانتظار مفاجأة عسكرية ، وتسبب في انخراط الدول الإسلامية والعربية في حقبة مضت في انقلابات عسكرية زادتها تخلفاً وثبوراً ، وربما العقلاء الذين لا يؤمنون بجدوى المغامرات المرتجلة قاموا إلى العزلة والانكفاء وتمنوا في داخلهم " ظهور العادل المتغلب " .

أما ذلك المجهود السهل المنسجم مع فطرتي وقدرتي والذي لا ألمس أثره المباشر الآن ، ولكن يقال لي : إنه مجهود مؤثر ، وإن السيل من نقطة ، ومعظم النار من مستصغر الشرر ، فالكثيرون يشككون في مصداقيته ويحاولون إقناعي بأنه يذهب أدراج الرياح .

وهكذا أصبحنا أغلبية ساكنة ساكتة غير فاعلة ولا مؤثرة بملء إرادتنا وقناعتنا ، فهل إلى رجوع من سبيل .

أحمد
10-04-2010, 03:40 PM
http://islamtoday.net/media_bank/image/2010/4/8/1_201048_10692.jpg

الكاتب: فضيلة الشيخ/ سلمان بن فهد العودة
السبت 25 ربيع الثاني 1431الموافق 10 إبريل 2010

نقد الذات


كان يسير في مركبته بعكس الاتجاه ويشاهد أرتال السيارات التي إلى جواره ماضية في طريقها .. وحين التقط صوت الجهاز اللاسلكي يقول فيه أحد رجال المرور للآخر : هنا سيارة تسير عكس الاتجاه ، جعل يقلب رأسه ويتأفف قائلاً : ليتها سيارة واحدة ، كل السيارات سائرة عكس الاتجاه !

حين حكيت هذه الطرفة لابنتي عززتها بقصة الرجل الذي اشتكى للطبيب أن زوجته ضعيفة السمع ، فطلب إليه الدكتور أن يخاطبها من بعيد ثم يقترب شيئاً فشيئاً حتى يعرف مقدار الضعف في سمعها .

خاطبها سائلاً عن وجبة العشاء ، ولم يظفر بجواب ، واقترب وخاطبها أخرى ، فثالثة ، وأخيراً وقف على رأسها وسألها عن وجبة العشاء .. ردت :

-خمس مرات أقول لك : دجاج بالفرن !

لم يخطر في باله أن الضعف في أذنه هو !

حين يتصل بك صديق ويحدث تشويش في الخط يتصرف تلقائياً وكأن الخلل في جهازك ، أو المشكلة في الأبراج القريبة منك !

سنكون سعداء حين نشرح معاناتنا لأحد فيبدأ في التعاطف معنا وإلقاء اللوم على الآخرين ، بينما نعد من الخذلان أن يحاول تمرير رسالة هادئة مفادها أننا (ربما) نتحمل بعض المسؤولية !

وأن الحل يبدأ من عندنا وحتى حينما يتلو علينا القرآن (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ)(آل عمران: من الآية165) سنقوم بالإيضاح أن المعنى أن الخلل في الناس الذين يشتركون معنا في الانتساب للإسلام أو للوطن وليس معناه أننا شخصياً شركاء في التبعة والمسؤولية .

يطرب الناس لمتحدث أو كاتب يهاجم الخصوم والأعداء ويشتمهم ويفضح ألاعيبهم وخططهم وهو محق فعلاً ، فمن شأن العداوة أن تفرز مثل هذه الخطط والحيل والألاعيب .

لكننا سنشيح بوجوهنا ونتمعر ونزمُّ شفاهنا حين نجد الصوت يتعالى في نقد ممارساتنا ، أو تحليل شخصياتنا ، أو تفنيد بعض عاداتنا السيئة المستحكمة التي أصبحت جزءاً رئيساً في طرائق تفكيرنا وسلوكنا الفردي ، وتعاملنا الأسري ، ونظامنا الاجتماعي ..

سنسير خطوات يسيرة ، ونتجرع رشفة مرة ونتظاهر بالروح الرياضية ، ونعلن أننا نقبل النقد بصدر رحب ، وأن الذي ينتقدنا خير من الذي يمدحنا .. لننكفئ بعد ذلك .. ونلتف على الموضوع مستنكرين حالة الإفراط في النقد .. وأننا أصبحنا " نجلد " ذواتنا !

مصطلح " جلد الذات " صحيح ، ولكننا نستخدمه أحياناً في غير محله ، نستخدمه لتعثير المشرط الذي يتخلل جراحنا ويضعنا أمام أخطائنا وعيوبنا وجهاً لوجه .

الذي ينتقد الأعداء يتحدث عن قضية مشتركة مجمع عليها فالجميع يصفق له ويثني عليه ، لأنه يتحدث في منطقة آمنة لا خوف فيها ، ولكن ربما أفرط وبالغ حين صوّر إخفاقاتنا وكأنها من صنع أعدائنا ولا يد لنا فيها .

أما الذي يكشف عيوبنا أو يحاول ، ولو لم يحالفه التوفيق ، فهو يضع يده على موطن العلة ، وما كانت سهام الأعداء لتضرنا لولا أننا أتينا من قِبَل أنفسنا ، والله تعالى يقول : (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً)(آل عمران: من الآية120) .

الواقع الذي نعيشه أفراداً وأسراً وجماعات ومجتمعات وحكومات هو الشيء الذي نعبر عنه بـ " التخلف " فلماذا نتلبسه ونتشربه ونتعصب له ونحامي دونه ، ونعتبر أن من يريد فصلنا عنه مؤذياً وجارحاً ومتهجماً ؟

دعني أقل .. ما الذي يجعلنا أحياناً نقول نقداً كهذا .. ونهاجم أمراضنا وعللنا بقوة وشجاعة ثم ننصرف وكأننا لسنا جزءاً من هذا الواقع المنقود .. هل نقدي يعني أنني بمنجاة ومعزل عن هذه الآثام الشائعة ؟

عليّ حين أنتقد أن أدرك أن النقد يتجه إليّ شخصياً مثلما يتجه للآخرين وإلا فسيكون بغير معنى ! إذا كانت محصلته أنني أنتقد لأثبت تفوقي على الآخرين وسلامتي من معاطبهم !

النقد ليس تشفياً ولا تصفية حساب لكنه طريق إلى الفهم والإصلاح والتدارك وحين نكون مخلصين فيه سندرك أن الحق هو أن نبدأ بأنفسنا ولا نجعلها استثناء ، ولا نتعالى عن هذا الواقع وكأننا أوصياء عليه من خارجه (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت:35).

أحمد
10-04-2010, 03:50 PM
النظر إلى نفوسنا يجب أن يكون بعين التقصير لا التحقير ..

كما أن إلقاء اللوم على الآخرين دون تحمل المسؤولية هو من قبيل إبقاء النار مشتعلة ..

أحمد
20-04-2010, 09:47 AM
http://islamtoday.net/media_bank/image/2010/4/15/1_2010415_10988.jpg

أخوك إلى خير

الكاتب: فضيلة الشيخ/ سلمان بن فهد العودة
السبت 03 جمادى الأولى 1431الموافق 17 إبريل 2010


سألني أحد الإخوة في الفيس بوك عن أخيه (17 سنة) الذي قضى في حادث مروري قبل سنة .
بعد الحادث بلحظات, جاء آخر إلى الفتى المصاب, ولقّنه الشهادتين, وطلب منه الشاب ماءً , فشربه , ثم نطق الشهادتين, ودخل بعدها في غيبوبة لمدة أسبوع, ثم أسلم الروح لبارئها .
حسب السؤال, فالفتى كان مراهقاً يصلّي أياماً ، ويؤخّرها أياماً ، ويسمع الغناء ويشاهد الأفلام مثله مثل حالتي وحالة الكثير من الشباب ..
ما أحزنني أن أحد المتشددين ، أو دعنا نقول المتحمسين -حسب السؤال- يذكر أن الشهادة التي نطق بها أخي ليست هي الشهادة التي ورد فضلها في السنة ، ولا تُعدّ آخر ما نطق به ..
ابني الكريم :
أخوك ممن يُرجى له حسن الخاتمة ، فهو فتى في عِزّ المراهقة ، وهو في عداد المصلين ، والصلاة هي أعظم شعيرة بعد الشهادتين ، وتأخير الصلاة يحتمل أن يكون معناه عندك أنه لا يصلي مع الجماعة ، أو يؤخرها لآخر وقتها ، وهذا خطأ وتفريط يقع فيه الكثيرون خاصة من الشباب ، وينبغي تربية النفس على الانضباط في مواعيد الصلاة والمحافظة عليها, مهما كان الظرف الذي يعيش فيه الإنسان ، والله تعالى يقول : (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً)(النساء: من الآية103) ، أي : مكتوبة مفروضة في مواقيت واضحة لا تتقدم ولا تتأخر ، إلا أن يكون ذلك جمعاً بين الصلاتين لمحتاج للجمع .
وعلى فرض أنه يترك بعض الصلوات فهذا ذنب عظيم ، ولكن أخاك شاب في مقتبل عمره ، وفي زمن السفاهة وغرارة الصبا ، والله تعالى أرحم الراحمين .
إن القول بتكفير تارك وقتٍ أو وقتين من الصلوات قول ضعيف جداً ، مخالف لما عليه جماهير العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم ، ويمكن مراجعة ما كتبه ابن تيمية في خصوص هذه المسألة .
ومن المهم أن تعلم أنه حتى من يقولون بالتكفير فهم لا يطلقونه على آحاد الناس ، وإنما يتكلمون به كمبدأ عام ، أما الأفراد والأعيان فلا يحكمون عليهم بالكفر ، بل يحملونهم على ظاهر أمرهم من الإسلام ، ولذا يورّثونهم ويورّثون منهم ، ويسلمون عليهم ، ويدعون لهم ، ويعاملونهم كمعاملة غيرهم من عامة المسلمين .
ولعل هذا من عواقب إطلاق بعض طلبة العلم للكلام دون إتقان وضبط مسائل التكفير .
ابني العزيز : وأخوك من أهل الشهادتين ، وقد صحّت النصوص في البخاري ومسلم ودواوين السنة بأن « مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلاَّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ » .
جاء ذلك من حديث ابن عمر وأبي هريرة وأنس وعمر بن الخطاب ومعاذ وغيرهم .. وفوق ذلك فقد ألهمه الله النطق بالشهادة في آخر عمره ، وكانت هي آخر ما نطق به ، ولا يضرّ بعد ذلك أن يكون بقي حياً في غيبوبة لمدة أسبوع , وقد قال الإمام عبد الله بن المبارك لمن يلقّنه الشهادة:" لقني ولا تُعِدْ علي إلا أن أتكلم بكلام ثان".
وفي الحديث الصحيح : « مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ » رواه أحمد ، وأبو داود ، والحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ، من حديث معاذ رضي الله عنه.
وهذه بشارة حسنة, وخاتمة طيبة وإلهام ربانيّ .
ولو أن كافراً لم يسجد لله سجدة قالها وهو في مثل تلك الحال لكانت نقلاً له من الكفر إلى الإسلام ، ومن الشرك إلى التوحيد ، فكيف بشاب كان عليها عمره وختم بها حياته ؟!
أمّا ذلك الذي شكك في شهادة أخيك؛ فلعله أراد وعظك لما قلته عن نفسك من التقصير في أداء الصلاة في مواقيتها, وحدوث بعض العثرات منك ، لئلا تغترّ أو تتمادى .
ولكنه في ظني لم يُوفّق ، إذ لم يكن مضطراً أن يجعل من أخيك وسيلة إيضاح ، ولا أن يبدو في صورة من يتحجر رحمة الله ، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- للأعرابي: «لقد تَحَجَّرْتَ وَاسِعا » يُريدُ : رحمةَ الله.رواه البخاري، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -
فهو أرحم الراحمين ، ورحمته وسعت كلَّ شيء ، ولقد عرّض نفسه لخطر جسيم يذكّرني بحديثٍ رواه مسلم « أَنَّ رَجُلاً قَالَ وَاللَّهِ لاَ يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلاَنٍ وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ مَنْ ذَا الَّذِى يَتَأَلَّى عَلَىَّ أَنْ لاَ أَغْفِرَ لِفُلاَنٍ فَإِنِّى قَدْ غَفَرْتُ لِفُلاَنٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ ».
إنني أعلّق على ما رويتَه أنت من قوله ، والكلام هنا لا يعني أحداً بعينه ، على أن من الشباب الدعاة من يغلبه الحماس غير المنضبط فيتجاوز حدود الأدب الشرعي والذوق والأخلاق ، فليس ثم ما يدعو إلى أن نفجع الناس بموتاهم أو نقنّطهم أو نصعّب عليهم أمر الهداية والنجاة وقد قال -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّمَا بُعِثْتُم مُيَسِّرينَ ولم تُبْعَثُوا مُعَسِّرين»..رواه البخاري من حديث أبي هريرة, وقال للدعاة: « يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا ، وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا ».وفي رواية : « وسَكِّنُوا ولا تُنَفِّرُوا ». رواه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -
والناس اليوم -وخاصة الشباب- بأمس الحاجة إلى ترغيبهم في الخير وفعله ، وتحذيرهم من الشر بغير هذا الأسلوب ، بل بغرس محبة الله في نفوسهم ، وتشجيعهم على الأعمال الصالحة ، وحفزهم على التكفير عن أخطائهم وزلاتهم وألا يقفوا عندها ولا يستأسروا لها ، وهم يساقون بالتبشير والترغيب أكثر من الوعيد والترهيب .
وقد قال عبد الله بن مسعود : كم من مريد للخير لم يبلغه .

رام نفعاً فضرّ من غير قصدٍ ومن البرّ ما يكون عُقوقَا

فليس كل من يتحمس أو يتصدى للدعوة يحصل على التوفيق ، وليس هو معصوماً أيضاً من الخطأ والزلل ، ولكن العاقل إذا ذُكِّر تَذَكَّر ، وإذا وُعِظَ اتّعظ .
والداعية أحرى الناس بقبول النصح ، ومراجعة النفس ، والقابلية للتصحيح ، لأنه يطالب الناس بذلك ، فأولى أن يكون مدركاً بقيمة التواصي بالحق والتناصح والاستدراك .
ليس ثم مستوى معين يصل إليه الإنسان ليكون عصيّاً على النقد والمراجعة ، إلا أن يكون محفوفاً بالعصمة الإلهية ، وقد قال تعالى : (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:99) ، وإنني أنصح نفسي وزملائي من الدعاة أن نتدرب على مراقبة أنفسنا وما يصدر منا من أقوال وأعمال وكتابات ، بل وما يعتمل في دواخلنا من مشاعر وأحاسيس ونوايا ، فالله تعالى يعلم السر وأخفى ، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .
وليس يحل لنا أن نتترس بالدعوة أو الشرعية ضد النقد الهادف البناء المخلص السالم من التجريح بدعوى أن هذا استهداف للدعوة في شخوصنا !
أما التحقير والملاحقة والاستفزاز فمع أن كل نفس سوية ترفضها وتأباها, إلا أنني أؤكد أن علينا ألا نقلق منها ، فالذي يضرنا أو ينفعنا هو ما نعمله أو نقوله ، أما ما يقوله الآخرون أو يعملونه تجاهنا مما يتجافى مع الحقيقة فهو يضرهم ولا يضر غيرهم ..
هذه حقيقة حياتية يدركها كل من عاش في مثل الأجواء التي نعيشها ، والتي تشهد تداخلاً بين النقد والتجريح ، واندفاعاً لعيب الآخرين في مقابل الاستعصاء على نقد الذات أو الاستماع لوجهات نظر الناس تجاهنا .
غفر الله لأخيك ، ورفع منزلته في الجنة ، وكتب له الشهادة ، وأصلح حالك وأعانك على ذكره وشكره وحسن عبادته ، وسامح الله ذاك المتعجل الذي فجعك بأخيك, ورزقه الحلم والعلم والبصيرة ، وإيانا وجميع المسلمين .

أحمد
20-04-2010, 09:59 AM
سألني أحد الإخوة في الفيس بوك
جميل هذا التواصل مع الشباب في منتدياتهم ..

والشيخ لديه صفحة في الفيس بوك .. يحرر ويرد على المشاركين بين الحين والآخر ..

نتمنى من المشايخ والدعاة أن يحذو حذو الشيخ في هذا الأمر ..

فهو أرحم الراحمين ، ورحمته وسعت كلَّ شيء ، ولقد عرّض نفسه لخطر جسيم يذكّرني بحديثٍ رواه مسلم « أَنَّ رَجُلاً قَالَ وَاللَّهِ لاَ يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلاَنٍ وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ مَنْ ذَا الَّذِى يَتَأَلَّى عَلَىَّ أَنْ لاَ أَغْفِرَ لِفُلاَنٍ فَإِنِّى قَدْ غَفَرْتُ لِفُلاَنٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ ».

نسأل الله أن يرحمنا برحمته .. اللهم يا أرحم الراحمين ارحمنا ..

أحمد
31-10-2010, 04:22 PM
كنت في المدينة !
فضيلة الشيخ/ سلمان بن فهد العودة
السبت*22*ذو القعدة 1431
الموافق*30*أكتوبر*10

كنت الأسبوع الماضي في طيبة الطيّبة ، أتنسّم عبيرها ، وأترشف نميرها ، وأصافح تاريخها العريق ، وأفرح بأهلها الطيبين

بطيبة رسم للرسول ومعهد****** يلوح وقد تعفو الرسوم وتهْمدُ

مشهد طريف شدّني وأعادني إلى الماضي البعيد الذي تختزن ذرات الثرى في هذه المدينة الطيبة ذكرياته الجميلة

كنت في دورة لتفسير (جزء الذاريات) في جامع الشيخ محمد بن يحيى الجهيمي ، وقد لحظت تعطّش الناس للدروس والدورات والمناشط العلمية ، وَتَلفَّتُ من حولي فوجدت شباباً متطلعاً للعلم والجد والأخلاق ، عازفاً عن القيل والقال وإضاعة الأعمال ، يعكفون لأكثر من ثلاث ساعات يومياً على مدارسة كتاب الله ومعرفة أسراره .

ورأيت حضور الفتيات الطيبات لا يقل حماساً ومتابعة ، والأسئلة منهن تتصل فيضيق الوقت عن إجابتها فأجد المتابعة والمعاتبة فهي وسيلة الاتصال والاستزادة لهؤلاء المتفقهات .

ورأيت شيوخاً وَخَطهم المشيب وحضروا بصحبة أبنائهم وأحفادهم يسمعون الذكر ويستطيبون المجلس .

الْتَفَتُّ ذات أمسية فإذا بي أرى أمامي شيخاً على كرسيه وقوراً ، فتمعّنت فإذا به الشيخ المعمّر سليمان الجربوع عمدة أهل القصيم بالمدينة المنورة ، وهو مدرسة في الحياة ، عمره يزيد على أربع وتسعين سنة ، وهو من بقية (العقيلات) الذين ذهبوا إلى الشام للتجارة ، مثلٌ في التسامح وطيب النفس والصبر على الناس ، وإلى اللحظة فهو يداوم في عمله من التاسعة إلى الثانية عشرة يومياً ، ولا تفوته صلاة في الحرم ، فكان عجيباً أن أراه يُغيّر نظامه ويحضر هذه الدورة ، وينصت كأحد الطلاب .

استضافني آخر يوم في منزله العامر ، ودخلت عليه ضاحكاً وأنا أقول :

-ما أتيتك كالعادة مُسَلِّماً أو زائراً لرجل في مقام الوالد ، بل أتيت أتعاهد واحداً من (طلابي) !

رأيت بين يديّ على مدى أسبوع عدداً من الصغار يقارب الخمسين ، ما بين سن التاسعة إلى الخامسة عشرة ، يستديرون حلقة بقربي في الدرس ، ومعهم الأوراق والأقلام فلا أقول شيئاً إلا كتبوه باهتمام ، وإذا سألت أجابوا ، وإذا توقفت أكملوا ، وإذا حانت فرصة قاموا فسلّموا .. وجرت عادتي أنني إذا صافحت مثلهم قصدت إلى كف أحدهم فلثمته بصدق وقلت :

-كيف حالك سيدي ؟!

فصاروا يحاكونني فيها .

وأجدهم خارج المسجد إذا أقبلت ، وألقاهم عند باب السيارة إذا انتهيت ، وفي آخر يوم ركضوا مع السيارة عن يمينها وشمالها بحب وبراءة لا تفسير لها إلا أنني أحبهم فعلاً ، وأحب الأسر التي نمّت فيهم روح الخير والإيمان والأخلاق وحسن الظن ..

أهديتهم كتبي ، وسجلت أسماءهم عليها ، وشعرت بسعادة تغمرني يوم عرفتهم ، فعرفت طباع أهل المدينة الطيبة ..

المدينة التي شرفت بمقدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وسعدت بالذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبل غيرهم ، ممن يحبون من هاجر إليهم أو زارهم ، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا .. مدينة الإيمان والقرآن .

زرت مجلس أمير المدينة المنورة -الرجل الطيب المثقّف المتواضع عبد العزيز بن ماجد- العامر برجال الإدارة ورجال القضاء وأئمة المسجد الحرام ، ورجال الحسبة فرأيت التآلف والانسجام ، والحب والوئام ، والكلام المفيد .

كنت مسروراً بصفاء النفوس ، وطلاقة الوجوه ، ونبل الأخلاق ، والذي شاهدته لدى المسؤول والرجل العادي ، وموظف الفندق ، ورأيت نماذج عديدة لفعل إيجابي لفرد أو مؤسسة ، لو ذهبت أُسجّلها لوجدتني أدوّن أسماء كل من لقيت دون استثناء ، فما لقيت إلا رجالاً يمنحون الحب والكرم والطيبة ، ويستحقون مثل ذلك وأكثر .

إن من عادة الناس أن تتوفر طاقاتهم على نقل الخلافات ، وتتجمهر غالبيتهم حول حادث سيارة عابرٍ في الطريق ، وربما غفلوا عن حياة واسعة ، ومناشط غنية ، وجهود مثمرة ، بسبب أنها هي الأصل الراسخ ، والشيء الطبيعي ، وبذلك يجورون في حكمهم على الأشياء حين يختصرونها في الاستثناءات والجزئيات ، أو يتعاملون بلغة الإعلام الذي لم يُصنع ليتحدث عن الأوضاع العادية الطبيعية ، وإنما ليلقي الضوء على المستجدات والأحوال الطارئة والغريبة .

فالمدينة اليوم برجالها الكبار وجامعتها العريقة التي تستقبل الآلاف من أنحاء العالم وتستحق أن تكون مشروعاً حضارياً ضخماً كما يحاول ذلك مديرها الفذ د. محمد العقلا ، وبشبابها المخلص المتفاني في العلم والعمل التطوعي والخيري ، وبناتها الصالحات المتطلعات للعمل والإنجاز .. خليقةٌ بأن تكون معلماً يبشر بمستقبل هذه البلاد المباركة .

أتيت المسجد النبوي فتعجبت ، المكان مكتظ بالمصلين في كل وقت ، وإذا شئت فشاهد قناة السنة النبوية التي تبث من المسجد على مدار الساعة فلا تجده إلا حافلاً بزواره وعماره من كل جنس ولون وسن ..

الهدوء يغمر المكان على كثرة الناس ، فلا صخب ولا لغط ولا ضجيج .

والنظافة والترتيب هو سيد الموقف حتى في الساحات الهائلة المحيطة بالحرم ..

المداخل ، المواقف ، المغاسل ، المساكن .. المنطقة حول المسجد تعدّ نموذجية ، وهذا يؤكد أن الناس قابلون للتنظيم متى ما كانت الأماكن والتجهيزات من حولهم مساعدة ، مهما كثروا وتنوعت مشاربهم ..

صلّ اللهم وسلّم وبارك على صاحب هذا القبر الشريف ، ورضي الله عن صاحبيه وأزواجه وذريته وآل بيته ..

ماذا لو بُعث -عليه السلام- فرأى بعينه هذه الحشود التي تعد بالملايين تقصد مسجده ، وتؤم البيت الحرام ، وتفديه بالنفس والأهل والمال ؟ وهي ليست سوى قطرة في بحر أتباعه الذي يزيدون على خُمس سكان المعمورة !

بديع الزمان وبدر الظلام *************أمير الأنام وماء الغمام

دعاء الخليل وبرء العليل *******وهادي السبيل لدار السلام

أحبك ربي فصلى عليك* *****عليك الصلاة وأزكى السلام

نبي الهدى يا رسول السلام ***********ويا مرسلاً رحمة للأنام

عليك الصلاة عليك السلام *****وصحبك والتابعين الكرام

ومثلك لا تلد الأمهات** *******ولو عاش كل فتى ألف عام

*جهادك في الأرض أسمى جهاد **نصرت به الحق يوم السداد

وأعليت صرح الهدى والرشاد* ***فأنت الأمين وأنت الإمام

أحمد
06-11-2010, 01:09 PM
الإغلاق
فضيلة الشيخ/ سلمان بن فهد العودة
السبت*29*ذو القعدة 1431
الموافق*06*نوفمبر*11

يظن طالب العلم الذي كتب إليّ أن على الداعية أن يصل بالأمر إلى منتهاه .

ويغيب عنه التفريق بين حال الداعية وحال المعلم , وحال القاضي والحاكم ، فهو ينظر إلى زاوية واحدة , هي أن الحق يجب أن يقال ، أمّا مَا مقدار الحق الذي يُقال ؟ ومتى يُقال ؟ وكيف يُقال ؟ ومن الذي يقوله ؟ فهذا ما لم ينتبه إليه .

الحق كبير وكثير ، ولا يتسنى لأحد أن يقول الحق كله ، ولكن الحكمة تجعل العاقل يأتي بالجوامع من الحق التي يتآلف عليها الناس ، ولذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- ممن أوتي جوامع الكلم ، وهي العبارات الموجزة التي تنتظم معاني كثيرة ، ليس هذا فحسب ، بل الجوامع هي الحِكَم والدرر ومفاصل القول التي ينتهي معها كثير من الخلاف والجدل ، وتأخذ المسائل نصابها وقدرها .

الداعية حين يكتب أو يتحدث يراعي نفسيات المحاطين وقدراتهم واستيعابهم ويسعى لتأليف نفوسهم على الحق والخير ، والفقيه يجتهد في ضبط العبارات والأحكام والشروط والأحوال والتمييز بينها ووضع المراتب وسرد الأدلة .

والمدرس ينحو منحى أكاديمياً لترسيخ معلومات مبدئية في نفوس الطلبة وتعويدهم على البحث والنظر والتفكير .

والقاضي والحاكم بيده مقاليد التنفيذ والإلزام ، بعد البتّ والقطع ، فهو في نهاية المطاف يقضي ويقطع بأن الحق لهذا أو ذاك ، أو يقسمه ، وقد يقع له التردد والشك .

ولذا فالداعية يتحرك في ميدان واسع ولا يلزمه أن (يغلق) المسائل ويوصلها إلى منتهاها ، لأن ما لا يتحقق اليوم قد يتحقق غداً ، وما لم يقل هنا يقال هناك ، وما لم يسمعه هذا سمعه ذاك .

ومن المشكل أن ألاحق الداعية وأطالبه بأن يقول ويقول ويقول؛ بناءً على نظرتي الخاصة لما يجب أن يقال .. بينما نظرته هو مختلفة .

في صحيح مسلم عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِىِّ قَالَ : بَيْنَا أَنَا أُصَلِّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ. فَرَمَانِى الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقُلْتُ وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَىَّ. فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِى لَكِنِّى سَكَتُّ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَبِأَبِى هُوَ وَأُمِّى مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِى وَلاَ ضَرَبَنِى وَلاَ شَتَمَنِى قَالَ « إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَىْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ».

فأنت تلاحظ هنا مقام الدعوة ، والرجل حديث عهد بإسلام ، حتى إنه تكلم في صلاته , وقد زجره بعض الصحابة فنهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي هذا درس عظيم في عدم الاستجابة لرغبات صادقة ,لم تراع الظرف والحال وشأن المدعو فرداً كان أو جماعة أو مجتمعاً .

وحين سأل الرجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالإِسْلاَمِ وَإِنَّ مِنَّا رِجَالاً يَأْتُونَ الْكُهَّانَ. قَالَ « فَلاَ تَأْتِهِمْ » رواه مسلم.

بينما في مقام آخر قال -صلى الله عليه وسلم- قَالَ : « مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً » روه مسلم,, وفي حديث آخر قال :« مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ » رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وقال صحيح على شرطهما..

حين تكون المسألة تحتمل حالاً من التكفير وحالاً من التحريم وحالاً من الكراهية ؛ يقدر الداعية المقام , فليس يلزمه أن يوصل الأمر إلى منتهاه ، وأن يقول هذا كفر -مثلاً- لما قد يترتب عليه من سوء الفهم أو النفور أو سوء التوظيف للعبارات وما تؤول إليه ، ولا يلزم أن ينطق بالتحريم ، فإذا حذر أو نهى وزجر وساق العواقب المترتبة على الفعل وحشد شيئاً مما حضره من النصوص ؛ فقد أدى واجب البيان بحسب الحال .

إن استحضار الإعلان بالتكفير أو التضليل أو القطع في كثير من المسائل يحدث من النفور لدى بعض المتلقين ، ومن سوء الاستخدام لدى آخرين ما يجعل أن المقام الأليق عادة بالداعية هو الحث والتحفيز على الخير , والثناء على أهله , وسرد مثوبته والنهي والتخويف من الشر والتحذير من عواقبه ، وليس يلزم أن يلحم المسائل بالنص على كفر أو فسوق أو تحريم إذا كان المقام يقضي غير ذلك ، أو كانت المسألة غير ظاهرة الحكم وفيها اختلاف بيّن ، وما يعرضه الداعية ليس سوى اجتهاد أو رأيه .

والأحكام لها مقامها ومناسبتها ورجالها المختصون , ولها متلقوها وطلبتها الذين يقفون المسألة عند حدها , ولا يخلطون ولا يسيئون التوظيف , وقد جعل الله لكل شيء قدراً .

أحمد
13-11-2010, 09:14 PM
بعد عشرين عاماً
فضيلة الشيخ/ سلمان بن فهد العودة
السبت*07*ذو الحجة 1431
الموافق*13*نوفمبر*11

العربيّ يكره التخطيط .. هل هذا صحيح ؟

إذاً فهذه المقالة ليست ذات علاقة بالتخطيط ، إنها لعبة فكرية جميلة لا تكلّف الكثير .

ضع في عقلك رقم " عشرين سنة " ، وأضفه إلى أي شيء آخر في عقلك وانظر إلى النتيجة .

كيف ستصبح أنت ؟

كيف سيبدو أولادك ؟

كم سيكون مالك ؟

ما هي الأشياء التي ستبقى لك ، والأخرى التي سترحل ؟

جربت هذه الفكرة فوجدت أثراً عجيباً ..

- وجدت أنني مهموم حتى النخاع بقضايا تافهة وهامشيّة وصغيرة, حكمت أنه لن يبقى منها ذلك الحين حتى ولا ذكراها ولا عنوانها .

- وجدت أن خبراً صغيراً أزعجني ، واتصالاً أثار قلقي ، ومقالاً رسم سحابة من الحزن فوق رأسي ، ورسالة ضاق بها صدري سيبدو نسياً منسياً ، وربما ستكون مصدر طرفة وضحكة مجلجلة آنذاك .

- وجدت أن أعمالاً يومية تستغرق جلّ وقتي , وتفترش نهاري وبعض ليلي ؛ لن تكون حاضرة هناك ، لأنها قصيرة العمر ، كبعض الحشرات !

- وجدت أن آثاراً إيجابية ستظلّ قائمة ، لأنها تراكم الزمن ، كالنشاط في الجسم الذي يتحرك ولا يرضى بالكسل والدعة .

- ستظل آثار الأفعال الإيجابية -ولو كانت صغيرة- منعكسة على النفس .. رضاً وتفاؤلاً وأملاً وحباً للناس وإحساناً للظن بهم , وتوقعاً للخير منهم .

- وستظل آثار الاعتياد على النسيان ، نسيان الأخطاء والأذايا والتنكر والتعويقات التي نلقاها ممن نعايشهم .. ستظل عادة جميلة راسخة بمرور الزمن .. بدلاً من أن نكبر فتضيق أخلاقنا ويتسارع غضبنا وتتنامى " شرهتنا " على من حولنا !

- ستبقى معنا مشاريعنا المخلصة والجادة .. يمنحها الزمن وثائق النجاح مرة بعد أخرى .. ويعطيها الدرجة التي تستحق؛ فبعض أفكارنا ومشاريعنا عمره سنة ، أو عشر ، أو قل عشرين ، .. هل سيكون ثمّ مشروع أو فكرة تتجاوز العمر لتخلّد لأجيال قادمة فنذكر بها ذكراً حسناً ، كما دعا إبراهيم الخليل :

(وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) (الشعراء:84) ؟ ولم لا ؟

وسنكتشف أن الكثير مما بذلنا له وقتنا وجهدنا وسهرنا وتحمسنا له .. كان غير ذي بال .. بدا لي هذا شيئاً شبه مؤكد ، حين استدعيت جيلاً سبقنا وقرأت اهتماماتهم .. ثم قارنتها بما صارت إليه بعد عشرين سنة ، فوجدت تصوراتٍ مبالغاً فيها عن الأخطار والعواقب ، ووجدت أوهاماً ضخمة عن المشاريع التي كانوا يحملونها .. يحمل الواحد مشروعاً يظنه تغييراً لخارطة الأرض والحياة , وفتحاً مبيناً , وعشرون سنة على الأكثر كفيلة بوضعه في حجمه الصحيح بعيداً عن الخيالات والتهيؤات والمبالغات !

كنا نظن أن فتح موقع إلكتروني يتعاطى مع الناس بسرعة وإنجاز, ويغطي الأحداث ؛ سيكون بمثابة إطلاق كوكب سيّار , ثم تبين أن المواقع تكثر وتتنافس وتنفع .. وأيضاً يعطيها الزمن حقها العادل .

وجاء ظن آخر ؛ بأن إطلاق مجلة أو دار نشر أو منتج وسائط إلكترونية ؛ سيغير وجه الفكر ونمط السلوك ، وظهر فيما بعد أن ثمّ مزاحمات ومؤثرات اجتماعية وإعلامية تعمل في الميدان ذاته ، وأن الناس يأخذون ويدعون ، ويتولد لديهم مع الزمن اعتياد وتعايش يقلل من تحقيق الآمال التي يتحدث عنها من يصنعون التأثير .

أما إطلاق قناة فضائية فهو حلم المستحيل ، إنه يعني السيطرة على الفضاء وألا أحد يمكنه أن يوقف مسيرتك !

وحين تصعد إلى الفضاء ؛ ستجد أنك رقم في سلسلة طويلة ، وشريك في قائمة ممتدة من التنوع والثراء والتراوح ما بين الطيب وضده ، والجاد والهازل ، والمؤثر وضعيف التأثير .

يكفي أنك رقم ، لست شيئاً مهملاً أو عديم التأثير .

- الأفكار التي نحملها وندافع عنها ونؤمن بها .. ماذا سيكون مصيرها بعد عشرين عاماً ؟

- ثمّ قضايا ومسلمات لا يزيدها الزمن إلا رسوخاً ؛ لأنها حقائق قطعية ، فالإيمان يرسخ ويزداد بمضي الأيام والليالي وتكاثر الأدلة ، وتكرر الأعمال الصالحة ، وازدياد الحجج ، وتوافر النعم ، واستشعار رحمة الله وحكمته في النفس والأهل والحياة كلها .

وثمّ أفكار ملحّة .. ومواقف قوية .. ستكون في عداد الموتى ، حتى نحن لا نذكرها ، ولا نريد أن نذكرها ؛ لأننا بذكرها نكتشف أننا نقلناها من دائرتها الوقتية الضيقة التي كانت تستحقها إلى دائرة أوسع ، وتعاملنا معها وكأنها قضايا الأبد .. وفاصلنا عليها وظلت ذكرياتنا وعلاقاتنا مرهونة لها ردحاً من الزمن .

- حين تضيف رقم " عشرين " إلى أي فكرة أو قضية أو موقف يقلقك ، أو مشروع ؛ لن تزهد في الأشياء الصغيرة , ولكنك لن تضخمها على حساب الزمن ومتغيراته .

وبهذه الطريقة العفوية ؛ ستتحول إلى خبير عفوي يخطط للعقل كيف يفكر في الأشياء ، وللقلب كيف يتعاطف ، وللسان كيف يعبّر ، وللجسد كيف ينشط ..

هو ليس تخطيطاً ، بل تخطيط للتخطيط .. هندسة للفكر ، تربية للنفس ، اقتباس من التجربة ، تفاعل مع الحياة ، تجديد للرؤية ، انعتاق من سلطة الحاضر والآن ، باتجاه الانفتاح إلى زمن أوسع ، وحياة أفسح ، وكلما تفاءلنا بذلك الزمن وتوقعنا الأفضل كنا أكثر صحة نفسية ، وأدوم عطاء ، وأقرب للصواب .

(أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) (الشرح:1-8) صدق الله العظيم .

q8ikhwan
13-11-2010, 11:20 PM
أحببت أن أقول لكم يا شيخ أحمد أني أتابع الموضوع.

فلا تَبخل علينا :)

أحمد
10-12-2010, 02:37 PM
سررت بمتابعتك إخوان الكويت وسنواصل بإذن الله

أحمد
10-12-2010, 02:39 PM
أنصف
فضيلة الشيخ/ سلمان بن فهد العودة
السبت*14*ذو الحجة 1431
الموافق*20*نوفمبر*11

في صحيح البخاري (كتاب الإيمان - باب إفشاء السلام من الإسلام) عن* عمار بن ياسر قال : ثَلاَثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ ، وَبَذْلُ السَّلاَمِ لِلْعَالَمِ ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ .
-أعترف بأنني كثير التكرار لهذا الأثر الجميل ، لقد شدني التعبير المباشر عن مبدأ الإنصاف الذي جاءت به الشريعة ، وخاصة الإنصاف من النفس .
إن القدرة على الحياد بين المتخاصمين لهي شيء أشبه بالمستحيل ، إلا لمن اختارهم الله ورزقهم كمال العلم والتقوى والعقل .
أما الإنصاف من النفس فأمر وراء ذلك ، أنى يقع لإنسان أن يتجرد من ذاتيته وأنانيته وخصوصية نفسه ليجعل موقفه من نفسه ومن الآخر المختلف معه متساوياً ، وعلى ذات المسافة !
حين تتأمل تجد دعوة إلى الترقي والمجاهدة الأخلاقية للفرد يعز نظيرها .
وأفهم من الأثر معنى آخر ، وهو الإنصاف مع من ينتمي إليهم الإنسان ، من جماعة أو حزب أو قبيلة أو شعب أو مدرسة حركية أو فكرية ، أو مجموعة اقتصادية أو .. أو ..
حين تخطئ أنت تنظر إلى خطئك على أنه استثناء ، وأن لديك صواباً كثيراً ، وتنظر إلى قدْر من حسْن نيتك وسلامة مقصدك في الخطأ ، وتحيطه بما يهوّنه أو يخففه ، وتتبعه بالاستغفار والأعمال الصالحة الظاهرة والخفية بما ترجو معه زوال أثر الذنب أو المعصية أو أن تكون عاقبته خيراً .
أما حين يخطئ الآخرون ، فأنت تعرف الخطأ فقط ، لكن لا تكلف نفسك تصور ما وراءه من دوافع أو مقاصد أو نيات ، وما يصاحبه من أعمال صالحات ، ولا ما يتبعه من توبة واستغفار وندم وانكسار .
وحين يخطئ فرد في جماعتك أو حزبك أو قبيلتك أو مجموعتك الفكرية والحركية ؛ تعرف جيداً أن هذا خطأ فرد لا يتحمل مسؤوليته غيره ، وأن الآخرين عاتبوه وصححوه ، وأن حدوث خطأ من فرد ما معتاد ، وتسوق نصوصاً صحيحة صريحة من مثل قوله تعالى : (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) (النجم:39،38) .
وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : « أَلاَ لاَ يَجْنِى جَانٍ إِلاَّ عَلَى نَفْسِهِ .. » رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي وأحمد وقال الترمذي : حديث حسن صحيح.
وتستميت في تقرير هذا المعنى ، وتعد من يتجافى عنه أو يصم أذنه عن سماع حجتك متحاملاً أو متعصباً أو مغرضاً ، وهو كذلك .
على أنك حين تظفر بخطأ فرد واحد من جماعة أخرى متباعدة عنك ولا تشعر نحوها بالدفء والانتماء يسهل عليك تعميم الخطأ ، واعتباره معبراً عن رأي الجميع ، وأنه رأس جبل الجليد ، أو نتيجة رضا وموافقة ، أو على الأقل هو بسبب تربية وتلقين تلقاها هذا المخطئ في محاضن جماعته أو حزبه أو قبيلته أو مدرسته الفكرية أو شركته التجارية ، فلا مناص لهم من تحمل التبعة كلها أو بعضها .
وستعدّ دفاع المدافعين وتنصل المتنصلين تهرباً من تحمل المسؤولية ، وذراً للرماد في العيون ، فأين الإنصاف إذاً ؟!
إنها مقامات من التجرد والمكاشفة مع الذات لا تحصل إلا بتوفيق من الله ، وطول مجاهدة ، واستعداد دائم لمراقبة النفس ، ومراقبة الأتباع والموافقين وعدم الانجرار وراء حالة الاصطفاف والتخندق التي تعمي عن الحق ، كما قيل :
وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ* *وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساوِيا
ولذا أوصى الله تعالى المؤمنين بقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)(النساء: من الآية135) ، فأمر بالشهادة على النفس والقريب .
وفي موضع آخر قال -سبحانه وتعالى- : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا)(المائدة: من الآية8) ، فأوصى سبحانه ألا يحملنا العداء والبغض -أياً كان سببه حتى لو كان دينياً- على أن نظلم أو نجور ، وهذه وصية القرآن للمؤمنين .
وفي الأثر : « يبصر أحدكم القذاة* في عين أخيه ، وينسى الجذع ، أو الجذل ، في عينه » رواه البخاري فى الأدب المفرد وابن حبان والبيهقي في الشعب.
ومعناه : أن الإنسان لنقصه وحب نفسه يتوفّر على تدقيق النظر في عيب أخيه , فيدركه مع خفائه , ولو كان كأقلّ ما يقع في العين من القذى , فيعمى به عن عيبٍ كبيرٍ ظاهرٍ لا خفاء به في نفسه, ولو كان كجذع النخلة!
-كم منا من سيقف أمام نفسه ويحاكمها ويحاسبها بدلاً من أن يمضي في سبيله مؤمناً بأنه هو الحق ومن عداه الباطل وهو الهدى ومن عداه الضلال ..
اللهم بصّرنا بعيوبنا ومواطن الضعف في نفوسنا .

أحمد
10-12-2010, 02:41 PM
سجلّ الشهادة
فضيلة الشيخ/ سلمان بن فهد العودة
السبت*21*ذو الحجة 1431
الموافق*27*نوفمبر*11

1-* هنادي محمد الجلعود (22 سنة)
2-* سامية محمد الجلعود (17 سنة)
3-* غادة علي المبدل (20 سنة)
4-* نوف محمد الموسى (15 سنة)

هذه الأسماء المباركة أضحت محفورة في أذهاننا ، تذكرنا برحيل كوكبة من خيرة بناتنا في أيام عيد الأضحى .

مساء يوم السبت 14/12/1431هـ كان الموت على موعد مع ثلّة من الفتيات الصالحات ، بعدما فرغن من صيام تسع ذي الحجة ، ومراجعة حفظهن لكتاب الله (سامية وغادة يحفظن القرآن كاملاً ، وهنادي ونوف يحفظن أجزاء من القرآن) .

كن يقطفن فرح العيد المشروع في منتزه خاص مغلق في منطقة الثمامة حينما هاجمتهن المنية على حين غرة في الساعة الخامسة عصراً ، ورحلن إلى الدار الآخرة تاركات قلوباً متفطرة عليهن حزناً وكمداً .

قلوب الوالدين ، والأهل ، والصديقات ، والذكريات الجميلة ، والخلق الرفيع ، والسلوك المستقيم .

ورحيلهن صنع القدوة الحسنة لكل فتاة عرفتهن أو سمعت بهن .

فإذا كان لابد من الموت فليكن بمثل هذه الحال من الاستقامة والصلاح والبر والإيمان .

والحق أن حسن الظن بربنا يجعلنا نرجو لكل من مات على الإسلام والتوحيد خيراً وحسن جزاء ، ولكن أولئك الذين يعملون ويدأبون في الحياة وهم يستحضرون ساعة الرحيل يكونون أكثر عطاءً وإخلاصاً واستقامة .

جربت أن أضع نفسي في موقف الوالد الملتاع بفقد روح صحبها من الصغر وعايشها عبر السنين ، وشاركها صنع الذكريات العذبة في السفر والفرح ، والحل والترحال ، والتفاصيل الدقيقة المؤثرة .. فتسرّب إلى قلبي شيء من لوعة الفقد ومرارة الغياب لفتيات في عمر الزهور ، وتذكرت تعبيرات أبي الحسن التهامي التي كنت أقرؤها لطلابي في الثانوية ، وأطلب منهم كتابة التعبير عنها :

يا كَوكَباً ما كانَ أَقصَرَ عُمرَهُ** ***وَكَذاكَ عُمرُ كَواكِبِ الأَسحارِ

وهلالَ أيَّام مضى لم يستدرْ**** **********بدراً ولم يمهلْ لوقتِ سرارِ

عجلَ الخسوفُ إليه قبلَ تمامهِ*** **********فمحاهُ قبلَ مظنَّةِ الإبدارِ

واستلَّ من أترابهِ ولداتهِ** **************كالمقلةِ استُلَّت من الأشفارِ

وكأنَّ قلبي قبره وكأنَّه***** *****************في طيِّه سرٌّ من الأسرارِ

إنَّ الكواكبَ في عُلوِّ مكانها*** *******لتُرى صغاراً وهي غير صغارِ

وأدركت سراً مختلفاً لبيت كنت أحفظه من قبل :

ووالله لو أستطيع قاسمُتهُ الرَّدى******** فمتنا جميعاً، أو لقاسمني عمري

ولكنها أرواحُنا ملكُ غيرنا***** ******فماليَ في نفسي ولا فيهِ من أمرِ

ينغَّصُ نومي كل يومٍ وليلةٍ** ********خيالٌ له يسري، وذكرٌ له يجري

قلت لنفسي : بدلاً من الاستسلام للذكريات التفصيلية وما تنتجه من* ألم .. لا بأس أن يحدث هذا ، لأنه جبلة وقد قال -صلى الله عليه وسلم- : « إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرْضَى رَبُّنَا ، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ » رواه البخاري ومسلم.

ولكن* إلى جوار هذا علينا أن نعتني بكيفية الوفاء للعزيزات اللاتي فقدناهن ، وحفظ مقام القرابة أو الصداقة بأساليب شتى :

1- الدعوات الصالحات المنبعثة من قلوب صادقة بالمغفرة والرحمة وتحقيق مرتبة الشهادة لهن والفردوس الأعلى من الجنة .

2- الصدقة والوقف لهن ، من الوالدين أو الأصدقاء أو المعارف كبناء مسجد ، أو حفر بئر ، أو إنشاء مدرسة للأيتام .

3- الذكر الطيب ، وفي الصحيحين من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه قال: « أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِى الأَرْضِ » ، ومن أثنى الناس عليه خيراً فهو من أهل الجنة ، ونحن نجد أن مجالس الأشراف والفضلاء من الناس رجالاً ونساءً تلهج بالثناء ، ومواقع الحديث والتعليق على الخبر في الإنترنت تشيد وتدعو وتترحم ..

ولا عتب ولا تثريب على الأهل والصديق في تكرار الثناء العاطر ، والذكر الجميل ، فهو نوع من الوفاء تطيب به النفس ، وليس معه سخط ولا جزع ولا تبرم ، بل هو مصحوب بـ " إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ " ، أو بـ " الحمد لله على كل حال " ، مرجو أن تكون عاقبته : (ابْنُوا لِعَبْدِى بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ) كما في الحديث القدسي في مسند أحمد وعند الترمذي وقال : حديث حسن .

ولا يحزن النفس أن يكون في الخلق شامت أو حاقد أو مريض لا يرعى حرمة ميت ، ولا يحترم إخاءً لحي فهذه سنة الله في عباده ألا يزال فيهم الشرير ورديء الطبع وفاسد الذوق ، ممن لا يفرح بمدحهم ، ولا يحزن لذمهم .

4- التدوين لمواطن الأسوة والقدوة في حياة هؤلاء الراحلات ، ليعتبر بها من يقرؤها ، وكم يجد المرء لدى فتيات صالحات مثلهن ، من حفاظ على صلاة ، أو بر لوالد ، أو صلة لرحم ، أو تلاوة لكتاب الله ، أو مشاركة في عمل خير ، أو دعوة إلى إصلاح ، أو خلق نبيل ، أو رحمة لضعيف أو يتيم ، أو حنو على صغير ، أو دمعة ورقة قلب ، أو وردٍ في صباح ومساء ..

وربما كان لبعضهن كتابة أو مشاركة أو ذكرى حسنة يجمل أن يطّلع عليها الآخرون فيثنون ويترحمون .

بدلاً من أن نلعب دور " الرهينة " للحزن ، علينا أن نؤدي دور " المهندس " .

علينا أن نستخدم المحنة حافزاً تشجيعياً وأداة للتغيير الإيجابي ، فالأحزان الحالية سيكون لها آثار إيجابية على المدى البعيد (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)(البقرة: من الآية216) .

لن نستطيع السيطرة على ما حدث ، فقد حدث فعلاً ، ولكننا نستطيع السيطرة على مشاعرنا تجاه ما حدث ، وهو الشيء الذي نحن مسؤولون عنه .

علينا ألا نسمح لتأنيب الضمير أن يزيد أحزاننا ، حينما نتذكر أو نعتقد أن تقصيراً منا هو السبب في ما حدث أو نتذكر موقفاً بشرياً طبيعياً عاتبنا فيه أو غاضبنا أولئك الذين فقدناهم .

بعد هدوء عاصفة الأحزان يمكن للإنسان أن يحصل على الكثير وأن يحس ببداية جديدة ، فالله تعالى لا يحمّلنا شيئاً نعجز عن احتماله إذا توفرت لدينا النظرة الصحيحة للأمور .

الخوف من الموت يدعونا دوماً لتجاهله إلى أن يضرب في بيوتنا بفقد عزيز أو حصول مأساة .. وفجأة نبدأ بطرح الأسئلة ..

لماذا نحن بالذات ؟

لا . لست وحدك ، وغيرك سبقك ، أو سيأتيه الدور ، دون استثناء ، والفرق هو بين من يصبر ومن يجزع .

إن السمو الروحي والإيماني كفيل بتحويل المصيبة إلى مدرسة للقوة والصبر والإيمان والتغيير الإيجابي .

العقل لا يجيب على أسئلة المحنة ، بل الإيمان هو الذي يجيب عليها .

ليس بوسع أحد منا أن يفعل شيئاً لإعادة شخص عزيز إلى الحياة الدنيا ، لكن بإمكاننا أن نجعلهم حاضرين في حياتنا بالدعوات والذكر الجميل .. وهذا هو الخلود الحق .

البعض يظن أن الإيمان بالغيب والدار الآخرة والخلود الأخروي هو نوع من العجز ، وكأن الإنسان يبحث عن " عكاز " يتوكأ عليه في مصابه ..

والحق أن الإيمان بالغيب هو القوة الهائلة التي لا نظير لها .

وهو الفسحة الرائعة العظيمة التي تضيف لبعد الحياة الدنيا القصيرة -مهما طالت- بعداً يمتد ولا يتوقف ولا ينتهي ، وتصنع الأمل الصادق باللقاء الجميل في جنات الخلود .

أخي إن ذرفت عليّ الدموع** ****وبللت قبري بها في خشوع

فأوقد بذكر الإله الشموع*** *********وميعادنا في ديار الخلود

علينا ألا نتخلى عن برامجنا العادية اليومية استسلاماً للمصاب ، فصداقاتنا وعلاقاتنا ومواعيدنا وأعمالنا الوظيفية أو التجارية .. وحتى متعنا الفطرية كلها ينبغي أن تستمر مع النوازل وألا ننعزل عنها تحت وطأت الأحزان ، أو نظن أن من الوفاء للراحلين أن نتوقف عنها .

إن فكرة " نظام الإعارة " فكرة جميلة أرشدت إليها إحدى الصحابيات زوجها ، بنتك معارة عندك لمدة عشرين سنة وبعدها تنتهي الإعارة وتعود الروح إلى خالقها العظيم الذي هو أرحم بها منك ومنها .

لن تنقطع الروابط العاطفية والحب مع أولئك الذين فقدناهم ولكننا نستطيع التكيف مع الوضع الجديد ..

-حتى الأحلام في المنام سوف تساعدنا بإذن الله .. وقد نراهم ونحدّثهم ونخبرهم أننا كنا نظنهم من الأموات .. وكأن الأمر يقظة فعلاً .

إن إحساسنا بأن المسألة دورية تنتقل من أسرة لأخرى ، يجعلنا أكثر إحساساً بأهمية الوقوف مع أصدقائنا وجيراننا وأحبائنا في أوقات المحنة .

فلنمنحهم الحب والوفاء والأمان .. ولنكن قريبين منهم بأجسادنا وأرواحنا وكلماتنا ..

لقد تحدثت وفي ذهني وإحساسي حرقة على رحيل أولئك الصالحات اللاتي أرجو الله أن يكتب لهن مقام الشهيدات ، ولكنني استحضرت تلك السلسلة المتصلة بدون توقف من النكبات والمصائب والنوازل التي لا تستثني أحداً في مشرق الأرض ومغربها .

فاللهم ارحم أمواتنا وأسكنهن الفردوس الأعلى من الجنة وارزق أحياءنا الصبر والثبات واليقين ، ولكل مصاب عزاؤنا ودعاؤنا وصادق مشاعرنا .. وتذكير بالتماس الحكمة والصبر في كتاب مثل كتاب " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين " لابن القيم ، أو كتاب " برد الأكباد عند فقد الأولاد " لجلال الدين السيوطي ، أو كتاب " قوة الصبر " إم جيه رايان ، أو كتاب " الشدائد تصنع الأقوياء " ماكساين شنال .

والحمد لله على كل حال ، منه المبتدأ وإليه المصير .

أحمد
10-12-2010, 02:42 PM
ساعة في الفيس بوك
فضيلة الشيخ/ سلمان بن فهد العودة
السبت*28*ذو الحجة 1431
الموافق*04*ديسمبر*12

قضيت بالأمس وقتاً طيباً تنفيذاً لموعد مع أصدقائي الشباب في صفحتي في الفيس بوك :

www.islamtoday.net/fb

*

وانصرفت مسروراً بالتفاعل مع المئات من شتى الأقطار والمستويات والأجناس بأقل كلفة ..

قبل عشر سنين كان الاجتماع مع المئات من الأشخاص ، فضلاً عن الآلاف يعني حجز استراحة كبيرة ، وإعداد القهوة والشاي والماء والعصيرات ، ولابد من وجبة طعام دسمة في نهاية المطاف !

وهذا مقبول بحسب قواعد الكرم العربي ، ولكن يوازيه ضياع معظم الوقت في السلام والتحية والسؤال عن الأحوال ، وإن كان الاجتماع محاضرة ، فالحديث يتم عبر طريق واحد ، والبقية يستمعون ..

أما اليوم فالأمر مختلف ، فاستثمار الوقت يبدأ من لحظة وجودك على الموقع ، وكل مشارك له الحق في السؤال ، وهو حين يسأل يعبر عما يريد ويوافق أو يخالف أو يشطح .

في إحدى مرات وجودي ، وفي جوٍ عاطفي مريح انبرى أحد المشاركين ليصب اللعنة عليّ .. وعلى أمهات المؤمنين والخلفاء الراشدين !

فقلت : كفاني فخراً أن أكون مرتبطاً في ذهن هذا الأحمق المغرور بأسماء لامعة مقدسة نورّت تاريخنا .. وعطرت واقعنا ، وعززت الأمل بمستقبلنا ، حشرنا الله في زمرتهم ، وجعلنا من أتباعهم .

جلست جلسة الأمس لساعتين وطوفت في شتى البقاع ، وتناولت العديد من الموضوعات والهموم والقضايا والأسئلة .

فور خروجي من الموقع جاءتني رسالة جوال تعبر عن حزن صاحبها الشديد على تلك الأسئلة وغياب همّ النهضة عن أكثرها .. فكأنما صحوت من نوم .

فعلاً أسئلة تنهال صوب فروع فقهية قُتلت بحثاً ، وأخرى صوب رؤى منامية تفتقر إلى تعبير ، وثالثة تتمحور حول هموم ذاتية ... ورابعة وخامسة ..

رجعت إلى نفسي متصنّعاً لقدر من التوازن ووجدت نفسي تميل إلى استحسان ما حدث .. وقلت :

التعبير عن المشاعر الإيجابية معنى جميل ، وهو جزء من طبيعتنا ، فمن دون عواطف الحب والصفاء والإخاء ستبدو الحياة بيداء قاحلة يقتلنا فيها الظمأ والجوع ولهيب الشمس الحارقة .. فلماذا نتردد في التعبير العفوي الصادق عن أحاسيسنا الإنسانية التي أودعها الله فينا ..

وفي المناسبات كالأعياد والأفراح يكون هذا المعنى أكثر إلحاحاً وأهمية ، فالناس تفرح بالاجتماع والتواصل والحديث والتعبير ، متى كان رشيداً وصادقاً وغير متكلف ، فلنعبر عن حبنا وإعجابنا باعتدال دون جفاء أو مبالغة .

-الهموم الذاتية معنى مصاحب للحياة ، فلا أحد إلا ولديه مشكلة نفسية أو اجتماعية أو عائلية ، تخص ذاته أو عمله أو بلده أو أهله .. وربما كان بحاجة إلى تنفيس أو شكوى ، حتى لو كان لا يتوقع حلاً جذرياً أو مفاجأة فحسبه أن يكتب جزءاً من معاناته ، وأن يجد من يتعاطف معه ، ويبادله المشاعر ، ويمنحه الدعوات ، وبعض التوجيه .

وَلا بُدَّ مِن شَكوى إِلى ذي مُروءَةٍ********* يُواسيكَ أَو يُسليكَ أَو يَتَوَجَّعُ

-أن تجد رجع الصدى لما تقول وتكتب على لسان فتى أو فتاة يقول : علمتني ، أو شجعتني على النجاح ، أو زرعت في الأمل والتفاؤل ، أو غيرتني نحو الأفضل أو ساعدتني على مطاردة الحزن والاكتئاب والقلق في داخلي .. فهذا دعم نفسي مهم ، خاصة والإنسان يجد من يحبطه أو لا يفهمه أو يزدري مجهوده أو يسيء الظن به فهنا تعتدل الكفة ، ويجد المرء نفسه أكثر قدرة على العطاء .

قد تكون هذه الشبكات الاجتماعية شيئاً مختلفاً جزئياً عن جو الدرس أو المحاضرة أو المؤتمر ، فهي ذات بُعد إنساني شخصي تكشف عن مكنون أو سر أو معاناة أو مشكلة ، يظهر فيها الإنسان بوجهه الحقيقي الحياتي بعيداً عن الأقنعة والمجاملات والأعراف الاجتماعية .. وأحياناً منغمساً في همه الذاتي مشغولاً به عن هموم عامة يتعاطاها في مناسبات أخرى .

وهذا معنى يسمح بمعرفة المجتمع على حقيقته من الداخل ، والوقوف على مشكلاته ، فليس صحيحاً أن الناس هم القوانين التي تحكم ، ولا المقالات التي تُكتب ، ولا المواقف التي تُتخذ ، ولا السياسات التي تُرسم .

الإنسان ببساطته وعفويته هو شيء آخر غير ذلك ، وهو محتاج إلى من يفهمه كما هو ، ومن يعرفه بعيوبه وأخطائه ، وفي الوقت ذاته يقول له بصدق :

-أنت إنسان رائع وجميل ومبدع .

والإقبال على هذه الشبكات كـ " الفيس بوك " ، و " تويتر " و " الآي سكيو " وزميلاتها الأخر .. هو تعبير عن احتياج عاطفي واجتماعي شديد ، ونقص جاد في المؤسسات والمراكز التي تحتضن الجيل ، وعن تآكل شديد في العلاقات الأسرية والاجتماعية بين الناس ، مما يحدوهم إلى بناء عالم افتراضي مختلف يشبع رغباتهم .

أنا هنا لا أتحدث عن أصدقائي الذين أحترمهم وأعتقد أنهم جادون في مجملهم ، ومرورهم على هذه الشبكات مبرمج بأوقات محددة .

بل أتحدث عن شباب وفتيات يذهب جلّ وقتهم في الإنترنت ، ما بين المنتديات ، إلى الشبكات ، إلى اليوتيوب ، إلى الألعاب ، إلى الماسنجر ، إلى الشات (المحادثات) ، إلى المحادثات الكتابية والخدمة السريعة التي يحققها (البلاك بيري) ، بما يؤثر على علاقتهم الأسرية وعطائهم العلمي أو الدراسي ، واستقرارهم النفسي ، ويعرضهم للتعرف على أناس جدد يقتحمون عليهم بأساليب خفية ، ويسرقون معلوماتهم الشخصية ، ويحصلون على صورهم وأسرارهم ، ويستغلون حاجتهم للحب والعاطفة ، ويغرونهم ، ثم يبتزونهم ، وقد تنتهي القصة بجريمة معلنة أو جريمة مستورة وجراح تثعب دماً ولا تكاد تندمل أبداً ..

آن الأوان أن يتواصل المسؤول مهما كبر وعلت رتبته ، والعالِم مهما توافر عطاؤه وتعددت فرصه ، والمربي ، والمسكون بمشروع إصلاحي أو اجتماعي أو وطني ، ومدير الشركة ورجل الأعمال مع رواد هذه الشبكات ، وأن يسمعوا خفق قلوبهم عن قرب ، وأن ينصتوا لهم باهتمام ، وأن يبادلوهم التحية والحب ، ويناقشوهم في أرائهم ومقترحاتهم ، ويشرحوا لهم وجهات نظرهم بلغة تنم عن تقدير وثقة ..

آن الأوان أن تجعل مواقع هذه الشبكات سبباً جديداً لتحقيق الآمال والطموحات ، وتحفيز العمل الطوعي والمدني ، وزرع هموم النهضة وتساؤلاتها ، ومناقشة قضايا الوطن والتنمية والأمة ، الحاضر والمستقبل ، بلغة صريحة مباشرة ومؤدبة في الوقت ذاته ، دون مجازفة أو تهيّب .

وليكن هذا النطاق الحر المتمرد على الأطر الاجتماعية أداةً للتدريب على المسؤولية الفردية ، والإحساس الداخلي بالرقابة الإلهية ، وإحياء الضمير الإيماني (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) (القيامة:15،14) .

مرحباً بأصدقائي وأبنائي وبناتي في منزلهم الثاني ، مرحباً بعواطفهم الحيّة ، وأسئلتهم الذكية ، وهمومهم الصغيرة، وقضاياهم الكبيرة ، ونقدهم الهادف ، دلّة القهوة والبخور ينتظركم ، حيّاكم الله على " فنجال وعلوم رجال " .

أحمد
11-12-2010, 02:21 AM
سلموا المفاتيح لأولادكم
فضيلة الشيخ/ سلمان بن فهد العودة
السبت*05*محرم 1432
الموافق*11*ديسمبر*12

الأم غاضبة على البنت المراهقة .. تتحدث بحزن شديد كيف أن هذه المخلوقة التي حملتها تسعة أشهر جزءاً من جسدي ، وأطعمتها من زادي ، وأمددتها بنسغ الحياة من روحي ، وحضنتها سنين عدداً ، فهي امتداد لجسدي وروحي .. أصبحت تتمرد على أوامري ، وتضرب عرض الحائط بكل توجيهاتي ..

لم أستطع أن أجمع بين خيال الطفولة .. صغيرتي ملفوفة في مهدها الأول بين ذراعي .. وسهر ليلي الطويل لأرضعها وأهزها حتى تهدأ وتنام .. وبين امرأة أصبحت في طول قامتي ، صوتها يغلب صوتي ، وهي تنحاز لصديقاتها جلّ وقتها ، ما بين مطعم ، أو تمشية في سوق ، أو استراحة ، ولا يبدو لديها استعداد أن تنضبط في مواعيد دخول أو خروج ، وردها دوماً هو :

-أنا حرة وليس لأحد عليّ سلطان !

حديث الأم مؤلم موجع ، ودافع الأم نبيل ، إنها تخاف على بنتها من تأثيرات تجهلها ، وتدرك أن البنت لا زالت في غرار صباها , ولا زال طريقها إلى تجارب الحياة وخبراتها في بدايته الأولى ، ولذا فهي تتأثر بلين القول ، أو تتساهل في خطوة عادية تجرّ وراءها خطوات .

من ذا يُشكك في رقي هذه الدوافع وسلامتها وأهمية وجودها عند أي أم؛ لتؤدي دورها في التربية والرعاية والاهتمام ؟ وما معنى الأمومة إن لم تكن هذه المعاني حاضرة فيها ؟

وبقدر رسوخ هذا المعنى وعظمته حضر في ذهني معنى آخر .. أن الولد (ذكراً أو أنثى) هو كائن مستقل ؛ يأخذ طريقه للحياة كمخلوق آخر, يكبر ليحصل على المسؤولية والتكليف الشرعي , حتى يصبح محاسباً مسؤولاً عما يعتقد ويقول ويفعل .. حتى لربما صار على النقيض من والديه .

حكى لنا الله في القرآن : قصة نوح النبي وابنه الكافر ، وقصة إبراهيم النبي ووالده الكافر ، وأشار إلى أحوالٍ جرت في عهد النبي الخاتم من تخالف في الدين والمعتقد بين آباء وأبناء ، ولذا قال سبحانه : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (التوبة:23) ، ثم عقّب بقوله : (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة:24) .

وقد يكون التباعد بين الآباء والأولاد دون ذلك ، فيكون الأب مطيعاً والابن عاصياً ، أو بعكس هذا .. فثمّ استقلال تام في نهاية المطاف ، (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)(الأنعام: من الآية164) ، وعَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ:

أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَعَ أَبِي فَقَالَ مَنْ هَذَا مَعَكَ ؟ قَالَ: ابْنِي أَشْهَدُ بِهِ. قَالَ (أَمَا إِنَّكَ لَا تَجْنِي عَلَيْهِ وَلَا يَجْنِي عَلَيْكَ) رواه أحمد ، وأبو داود ، والنسائى ، وقال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

أجد من ملاحظتي للأنماط التربوية أن من الآباء من ينحاز للأصل الأول ، فتغلبه النظرة للأبناء باعتبارهم امتداداً له ، ويستحضر بصفة مستمرة ، وربما ضارة ، أنه فعل لهم وفعل , وكأنه يمنّ عليهم بما عمل ، مع أن الحنان والرعاية فطرة إلهية حتى لدى الحيوان ، وربما عيّر أب ابنه وذكّره بأنه نطفة منه , وهو قد بلغ الستين أو قارب !

ونتيجة لهذا يتجاهل بعض الآباء حاجات الابن في تلك السن المبكرة ، وميله لمن هم في مثل سنه ومستواه, يشاركونه الحديث واللغة والاهتمام والدراسة والميل والعادة .

ويتجاهل آخرون متغيرات الزمن وطوارئه بين ما كانوا عليه أيام الشباب وما عليه أبناؤهم الآن ، ويريدون منهم أن يأكلوا ويشربوا ويلبسوا أو يتصرفوا كما كان آباؤهم يفعلون حين كانوا في مثل سنهم .

ولذا كان علي -رضي الله عنه- يقول : " لا تُكرهوا أبناءكم على أخلاقكم فإنهم خُلقوا لزمان غير زمانكم " .

فثمت متغيرات في شتى النواحي بين الأجيال يجب اعتبارها ، لئلا تكون التربية قسراً وإكراهاً يقتل شخصية أبنائنا ويفقدهم الثقة بأنفسهم ..

إن مصادرة شخصية الولد من شأنها أن تصنع عنده عقوقاً لأنه يريد أن يحقق ذاته ولو غضب والداه ، أو تصنع عنده ضياعاً وضعفاً في الشخصية لأنه قرر أن يستسلم لإرادة والديه مع عدم رضاه داخلياً , مما يجعله مشتتاً مرتبكاً ، وهنا تنشأ وتكبر العُقد النفسية وحالات الاكتئاب والقلق ، ثم النفاق والتصنع والازدواجية .

ومن المربين من ينحاز للأصل الثاني فيمنح الأولاد حرية مطلقة من أول الأمر ولا يسمعهم كلمة " لا " ولا يشعرهم بأنهم جزء من منظومة " الأسرة " يستوجب عليهم الانتماء لها , أن يشاركوها برامجها والتزاماتها ومواعيدها وقيمها الأخلاقية العليا ، وأن يتدربوا على احترام رموزها ورجالاتها ، ومنهم الأبوان خاصة ، ولذا قرن الله حق الأبوين بحقه فقال سبحانه : (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً)(الإسراء: من الآية23) .

وفي قصة جريج الشهيرة وهي في الصحيح أنه قال : أمي وصلاتي ! وفضّل صلاته فدعت عليه أمه واستجيب دعاؤها ..

وقد عنّ لي الجمع بين هذه الآية الكريمة ، وهذا الحديث الشريف في شأن جريج فقلت في قصيدة لأمي (رحمها الله) :

سهاد عيني يسير في محبتكم********** قد طالما هتفت شوقاً لمرآك

وخفق قلبي ما ينفك يحفزني**** إليك ما كان خفق القلب لولاكِ

لو اعترضت صلاتي لم يكن لمماً******* فالله أردف نجواه بنجواكِ

إن الأولاد يعيشون مرحلة خطرة تتحكم في بقية أعمارهم وحياتهم ، وإذا غاب عنهم الإرشاد والتوجيه والتحذير ، وبمعنى أعمّ " التربية " فسيكون من العسير عليهم أن ينجحوا في مضمار الحياة وأن يكونوا فاعلين مؤثرين

ولذا قال سابق البربري :

قد ينفعُ الأدَبُ الأحداثَ في مَهَلٍ**** وليس يَنفَعُ عند الكَبرَة الأدَبُ

إنَّ الغُصُونَ إذا قوَّمتها اعتَدَلَت********* ولن تَلِينَ إذا قَوَّمتَها الخُشُبُ

ولهؤلاء وأولئك أقول :

أعطوا أولادكم المفاتيح !

أعطوهم مفاتيح المسؤولية فلا تصادروا شخصياتهم ، وامنحوهم حق التدريب والعمل والمحاولة والخطأ أمام أعينكم وفي حياتكم حتى تطمئنوا قبل الرحيل إلى أن الأمور ستكون بخير ، دعهم يتولون مناصبهم ووظائفهم التي تقتضي سنة الحياة أن تؤول إليهم حتى لا يختلفوا بعد موتكم اختلافاً يضر بهم وبالتراث والميراث الذي يصير إليهم ، ويضر بالقرابة والجيران والصداقات .. وكم من نار تحولت إلى رماد .. كما قيل:

أرى ناراً قد انقلبت رماداً***** سوى ظل مريض من دخانِ

وكم من رماد تحته جمر ، كما قيل :

أرى تحت الرماد وميض نار** ويوشك أن يكون لها ضرام

فإن النار بالعودين تذكى********** وإن الحرب أولها كلام

إذا لم يطفها عقلاء قوم******* يكون وقودها جثث وهام !

أعطوهم مفاتيح البناء بالاعتماد على النفس والثقة بها ، والصدق والإخلاص ، فلا شيء يربي على الكذب والمراوغة مثل التربية القاسية ..

لا يحملنكم الحب على المبالغة في الخوف ، فمردود هذا على الأولاد هو التحفيز على المغامرة الشديدة إن كانوا أقوياء الشخصية ، أو الاستسلام والانهيار إن كانوا ضعفاء .. وقديماً قالت العرب : " ومن الحب ما قتل " .

أعطوهم مفاتيح النجاح بالتوجيه الهادئ ، والجلسات الحميمية ، والعلاقات السمحة ، والصبر الطويل ، والكلمات الحكيمة التي تظل تجلجل في أسماعهم ما داموا على قيد الحياة يذكرونها ويذكرونكم معها بالخير ويسلمونها لمن بعدهم .

لا تظنوا أن الغضب الدائم والعتب المستمر والهجر الطويل هو الحل .. فما قيمة أن يعملوا لكم أشياء وهم يكرهونها في قرارة نفوسهم ، أو يتركوا لكم أشياء ونفوسهم تتحرق شوقاً إليها ..؟!

سيجدون يوماً أنفسهم أحراراً في الفعل والترك ، فليكن جهدنا الكبير في غرس حب الإيمان والصدق والعمل والأخلاق في قلوبهم ، وكره الفجور والجهل والكسل والفوضى وأهلها ، (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ)(الحجرات: من الآية7) .

أن نغرس في نفوسهم حب الصلاة لا يقل أهمية عن أدائهم للصلاة ذاتها ، وأن نربيهم على كره الكذب والسرقة لا يقل أهمية عن تركهم لها .

ولا تدعوا على أولادكم إلا بخير حتى لو غضبتم .. الدعوات الصالحة الصادقة من الوالدين مظنة الإجابة وأن تفتح لها أبواب السماء فاجعلوا دعواتكم لهم جزءاً من مشروع التربية والتوجيه والأمل الجميل .

(رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً)(الفرقان: من الآية74)

أصداء
17-12-2010, 10:27 PM
د/ سلمــــــــان

كتب فــــــــ تأملت روحي قبل عيني لكل ما خطت أناملك الذهبية


بحق كلمــــــــاتك أحدث فرق نفسي كبير بداخـــــــلي


خصوصاً برنامجك الحياة كلمة ’’ فهو بمثابة صمام كي نتنفس من خلاله كل كلمة صدق حب
تخرج من القلب


مقــــــــالات ولا أروع

فهي تتضمن كافة من يحتاجة الشخص خصوصاً ونحن نعيش صراع نفسي اجتماعي


سلمت الأيادي سيدي / أحمد

لله درك

أحمد
18-12-2010, 03:23 PM
الأخت أصداء

شاكر لك هذا التواجد الألق

أحمد
18-12-2010, 03:23 PM
الإنسان أولاً
فضيلة الشيخ/ سلمان بن فهد العودة
السبت*12*محرم 1432
الموافق*18*ديسمبر*12

ركب إلى جواري في الطائرة ذات مرة شاب غريب ، بدت عليه ملامح الحزن والكآبة والانعزال عن الآخرين ، وكأنه يتوجس خيفة من كل أحد يجالسه أو يحادثه أو يصافحه .. ويتساءل عن نوع الأذى الذي ينوي إلحاقه به !

خطر في بالي أن هذا الشاب هو بيت مغلق بأقفال ، ولكي تلج إلى هذا البيت لأي غرض كان عليك أن تبحث عن المفاتيح .

ربما تريد أن تدخل مع هذا الإنسان أو غيره في مشاركة تجارية ، أو في مشروع تقني ، أو منجز ثقافي ، أو تطمع في دعوته إلى خير ، أو حمايته من شر ، أو تريد أن تنتفع منه بحكم وجود حالة إيجابية لديه يمكن توظيفها .. وهب أنك تريد أن تقدم له خدمة ما يحتاجها ..

أنت هنا أمام ثري ، أو مبدع ، أو قارئ ، أو منحرف ، أو شحاذ ، أو ما شئت ..

هو إنسان قبل أن يكون أياً من ذلك ، ويوم ولد لم يكن له لون ولا شيء معه (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً)(النحل: من الآية78) ، (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ..)(الأنعام: من الآية94) .

وأي محاولة تواصل تتجاوز مبدأ الإنسانية ستمنى بالفشل .

ومن حسن الحظ أنك أنت إنسان أيضاً فلديك الكثير من المعرفة المفصلة والواقعية عن الإنسان وحاجاته وضروراته ومداخله ومشاعره وأحاسيسه .

لم يكن بمعزل عن الحكمة الإلهية العظيمة أن يبعث الله رسله من الناس ، مثلهم يأكلون الطعام ، ويمشون في الأسواق ، ويتزوجون وينجبون ، ويصحون ويمرضون ، وتصيبهم اللأواء .

ولكل إنسان أسوار لا ينبغي تقحمها ولا تجاوزها ، ومداخل تناسبه بيد أنها تحتاج إلى اللطف والبصيرة وحسن التأتي .

وحين قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- : (فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِى يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ ..) رواه مسلم

كان يرسم منهجاً نبوياً رائعاً في التعامل مع الآخرين ، أن تضع نفسك في موضع الإنسان الذي أمامك وأنت تتعامل معه ، ما الذي يروقه ويعجبه منك ؟

أن تثني عليه بخير ، ولا أحد إلا ولديه من الخير ما يمكن أن يثنى به عليه ، وبصدق ، دون خداع أو تزيّد .

أن تعرب له عن محبتك وتقديرك لشخصه الكريم .. وكيف لا تقدّر إنساناً كرمه ربه واصطفاه وأحسن خلقه ، (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء:70) ، (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) (فاطر:32) ، (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين:4) .

انظر في عينيه ، وابتسم له بصفاء ، وصافحه بحرارة ، وتحدث إليه وأنت منبسط هاش باش ، واختر الكلمات الجميلة السحرية

أَضاحك ضَيفي قَبلَ إِنزال رحله** ******وَيُخصَب عِندي وَالمَحَلُّ جَديب

وَما الخَصبُ للأَضياف أَن يَكثُر القِرى***** وَلَكِنَّما وَجه الكَريم خَصيب

قبل أن تعطيه المال ، أو توفر له الاحتياج ، أو تجود عليه بما يطلب ، أعطه وجهك وقلبك واحترامك وتقديرك ، (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً)(البقرة: من الآية263) ، اصنع هذا لزوجك الذي تدوم معه عشرتك طوال الحياة ، واصنعه لولدك الذي خرج منك فأصبح كياناً مستقلاً له شخصيته وتكوينه وحسابه ومسؤوليته الكاملة في الدنيا والآخرة .

واصنعه مع زميلك في العمل أو شريكك أو جارك الذي تلقاه كل يوم أو كل صلاة .

واصنعه مع الخادم أو السائق دون ازدراء لإنسانيته أو تحقير لشخصيته ، واعتقد في داخلك أنه إن كان الله فضلك عليه في الدنيا بمال أو منصب فربما يكون فضله عليك في الآخرة بتقوى أو إيمان أو سريرة من إخلاص أو عمل صالح .

واصنعه مع الغريب الذي تراه لأول مرة ، وربما لا تراه بعدها لتوفر لديه انطباعاً إيجابياً عنك ، وعن الفئة أو الجماعة التي تنتمي إليها ، ولتمنحه قدراً من الرضا والسرور والفرح والاغتباط ، وتبعث إليه برسائل من السعادة سوف يكافؤك الله العظيم بما هو خير منها عاجلاً ، فالمعطي ينتفع أكثر من الآخذ ؛ وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً .

واصنع ذلك بصفة أساسية لأولئك الناس الذين تريد أن توجههم أو تنتقدهم أو تقدم لهم نصحاً يحميهم من ردى أو يحملهم على هدى وأنت عليهم مشفق بار راشد فإياك أن تتعسف أو تتهم أو تجفو في أسلوبك فتحكم على محاولتك بالفشل المحتم حتى قبل أن تشرع فيها ، وكان الإمام أحمد يقول : " قلما أغضبت أحداً قفبل منك " .

فإلى أولئك الذين يتبوؤون مقام التعليم والدعوة والإصلاح والاحتساب نهدي هذه الكلمات النورانية النابعة من عمق التجربة ، والمتوافقة مع هدي الأنبياء ومنهجهم ، ونص القرآن ودعوته ، رزقنا الله الحكمة والبصيرة وكفانا شر نفوسنا الأمارة بالسوء .

أحمد
18-12-2010, 03:32 PM
فالمعطي ينتفع أكثر من الآخذ ؛ وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً .
حكمة رائعة

أحمد
08-01-2011, 08:38 AM
إرادتك هي السبب
فضيلة الشيخ/ سلمان بن فهد العودة
السبت*19*محرم 1432
الموافق*25*ديسمبر*12

قال لي صاحبي ، وقد قرأ رسالة من فتى حديث السن ، يتقد حماساً وغيرة ، يهاجم فيها رأياً لم يرق له ، ويستخدم لغة مكتظة بالمفردات الحادة ، والتعبيرات القوية ..

كيف تعيش حياتك وتهنأ بنومك وأنت تقرأ مثل هذه الرسالة وربما غيرها ؟

ابتسمت وأنا أقول لصاحبي .. ليس ثمّ ما يدعو إلى الجزع من شخص يختلف معك ، ويعبر عن اختلافه بطريقة تناسبه ، وهو يتحمل هو تبعتها .. كما قال أحدهم :

لأسبنك سباً يدخل معك قبرك ؟

قال له : بل يدخل معك أنت !

ربما المشكلة هي في استخدامه لغة دينية ، لأن دافعه فيما يظن هو ديني ، فالغيرة والصفاء والصدق والإخلاص هو ما يحس به تجاه ذاته .

والشك والحيرة أو سوء الظن هو ما يحس به تجاه من يختلف معه ، وهنا عمق المشكلة .

أن يكون يريد تحطيمك وتدميرك على الأقل معنوياً باسم الله !

قلت لصاحبي .. أعظم ما تواجه به مثل هذا الصنع هو الانكسار بين يدي الله ، والسجود والتذلل لوجهه ، مع استحضار قربه وعظمته ، واستذكار علمه بالدوافع والنوايا وخطرات القلوب ، وما تخفي الصدور ، فيما يخصك ، وفيما يخص خصمك .

وعلمه التام بأحوال العباد ومصالحهم ، وما يترتب على الأقوال والأعمال من الآثار والمآلات التي تعبّدنا فيها بالاجتهاد وبذل الوسع ، ثم جعل الآخرة مملكة العدل التي لا سلطان فيها لغيره ، ولا ظلم ، ولا أسرار (لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ)(غافر: من الآية16) ، (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) (الحاقة:18)* ، (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ) (الطارق:10،9) .

هو الله الذي تعبده دون وسيط ، وتتضرع إليه أن يأخذ بيدك إلى الحق والخير والعدل في المضايق والمشتبهات ، وتحاول أن تتجرد من مقاصد الشر والإثم والبغي والأذى ، ونيات السوء وظنون السوء ، وأن تعترف بنقصك وجهلك وظلمك وخطئك وعجلتك ، وتضع بين يديه عجرك وبجرك ، وخيرك وشرك ، وتناديه بأن يحميك من نفسك أولاً ، ثم من شر الآخرين وضرهم وأذاهم ، وإذ قدر ألا أحد من خلقه يسلم من أذى الخلق فالضراعة إليه أن يمنحك القدرة على الاحتمال والصبر والانضباط ، فلا تخطئ في حقهم ، ولا تظلم أو تبغي ، ولا تصر على خطأ بان لك فيه وجه الحق ، ولا تتزحزح عن صواب أنت مؤمن به في دخيلتك ، فالله الذي باسمه يتوعدك هذا الفتى ، هو الله الذي تؤمن به ، وتستغيث وتستنجد ، إياه تعبد ، وله تصلي وتسجد ، وإليه تسعى وتحفد .

يا صديقي .. لا أحد من الخلق يستطيع أن يغضبك أو يحزنك دون إرادتك !

ما تحس به في داخلك من مشاعر سلبية ليس بسبب ما يحدث حولك ، ولا برسالة منتقصة ، أو ازدراء عابر ، أو ظن سوء من بعيد ، أو جفاء من قريب .. كلا .

ما يحدث في داخلك هو بسبب تحليلك أنت للأمور من حولك .

وعندما تغيّر طريقة نظرك للأحداث ستتغير مشاعرك ، وتهدأ انفعالاتك حتى بالنسبة للحدث ذاته .

وَما الخَوفُ إِلّا ما تَخَوَّفَهُ الفَتى**** وَلا الأَمنُ إِلّا ما رَآهُ الفَتى أَمنا

كنت ذات مرة أداري سؤالاً محرجاً أخشى أن يواجهني به أحد فينتزع مني كلاماً لم أرتبه جيداً ، أو يُربكني فأقول ما ليس لي به علم .

ثم تأملت السؤال مرة ومرتين فانقدح في نفسي له جوابات فيها بعض السداد والتوازن ، فصرت أتمنى أن لو أتيح لي من يقول السؤال ذاته الذي كنت أخافه ، أياً كان مقصده في عرض السؤال ؛ لأنه سيمنحني فرصة جميلة لأقول كلاماً مناسباً .

حينما تقع مشادة كلامية بينك وبين آخر ، وتؤدي إلى أن يقول عنك شيئاً يؤذي مشاعرك ويجرح أحاسيسك ، فيمكنك أن تفسّر الأمر بأنه إهانة أو انتقاص أو تحقير لشخصك ، وأن يظل الحزن مخيماً عليك سحابة نهارك ، فإذا أويت إلى فراشك صرت تتقلب على جمر الغضا ، وتتذكر الموقف ، وكأنه شريط تعرضه المرة بعد المرة ، وتحاول نسيانه فلا تقدر !

وحين تغير طريقة التحليل للموقف ، وتتوقع أن هذا الإنسان كان يمر بظروف صعبة وتعب نفسي ، رجل أثقلت كاهله الديون ، مجهد نفسياً لا تزيده الأيام إلا قلقاً وعناء ، زوج غاضب زوجته ، أو فاصلها وخسر أولاده وأسرته ، مستور تلاحقه الشائعات وتقلقه الأقاويل ويتهامس الناس عنه بما لا يجمل ، مريض حار الأطباء في شفائه ، كئيب يعاني هموماً أمثال الجبال ، شاب ضاعت به السبل فلا عمل ولا وظيفة ولا شهادة ولا زواج .. إلخ

إن الحياة ملأى بأنواع المتاعب وضروب المعاناة ، ولا يتسنى لكل إنسان فيها أن يكون هادئاً مطمئناً ساكن النفس مرتاح البال ، يتعاطى القضايا والمواقف بكل أريحية واعتدال وحكمة ..

وربما هو مثلك الآن يتقلب على فراشه ألماً وندماً على ما فرط منه في حقك !

وإذا قلت .. فلم لا يبادر ويعتذر إليّ .. فهذا حسن جميل ، وخير دواء للندم حين تسيء للآخرين هو أن تبتسم لهم وتقدم اعتذاراً ليس فيه شرط ولا مثنوية ولا تردد ولا خجل ..

على أنك لا تدري فربما كان الرجل حزيناً ؛ لأن هذا دأبه معك ومع الآخرين ، وأنها طبيعة نفسٍ حار هو فيها ، ويئس منها أو كاد ..

غيّر رؤيتك وتصوراتك عن المواقف التي تعرض لك وستتغير انفعالاتك إزاءها ، وتذكر أن ربك العليم لا يغير ما بك حتى تغير ما بنفسك ..

سمعت فتى ذات مرة يتضجر من خصومه ويقول :

-اللهم اكفنيهم بما شئت وأنت السميع العليم !

فقلت له : لقد دعوت عليماً رحيماً قديراً سميعاً بصيراً ، وكان أولى بك أن تقول : اللهم اكفني شر نفسي ، وشر كل ذي شر ، أعوذ بك من شر نفسي ، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم .

يا صديقي .. هذه الحجارة التي رماك بها صاحبك يمكن أن تبني بها طريقاً إلى دروس الصبر والنجاح متى كنت يقظاً مستثمراً للفرص ، إيجابياً في مواقفك ونظراتك ، مدركاً أنك لست مركز الكون ، وصاحبك أيضاً ليس هو مركز الكون والسلام .

أحمد
08-01-2011, 08:39 AM
علم نبيل .. ولكن !
فضيلة الشيخ/ سلمان بن فهد العودة
السبت*26*محرم 1432
الموافق*01*يناير*01

كلّما قرأت حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الطب تداعى إلى ذهني سؤال :

-ماذا كان وقع هذا الحديث على المسلمين عبر العصور السالفة ؟

يقول -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البخاري : « مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً » .

وفي رواية : « عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ » .

هذا التصريح النبوي المحكم بأن كل مشكلة لها حل ، أنزله الله ، وبإمكان الناس أن يتعرّفوا عليه ليستخدموه ويطوّروه .

أيُّ تحفيزٍ أعظم من هذا لإنسان تعتوره الآفات والأمراض في نفسه وفي ولده الغالي وزوجه الحبيب وصديقه الأثير ووالده العزيز ؟!

أن يعلم أن فيما حوله وسيلة لرفع المعاناة وكشف الضر بإذن الله ، خالق الداء والدواء ؟!

إنها دعوة للبحث والتنقيب والاكتشاف والانفتاح على خبرات الآخرين من الشرق والغرب ، والإضافة إليها والتعاطي معها بإيجابية باعتبارها تراثاً إنسانياً مشتركاً يسهم في نهاية المطاف في حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال ..

وفي صحيح مسلم ؛ من حديث جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّةِ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -يَقُولُ:« لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ، فَنَظَرْتُ فِي الرُّومِ وَفَارِسَ، فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ، فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا» ، والغيلة، هي أن يأتي الرجل امرأته المرضعة.

والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هنا يقول " فَنَظَرْتُ"!!

التجارب الأممية البشرية النافعة معنى مشترك ؛ يستفيد منه الناس بعضهم من بعض, كما أن الاستفادة من الأخطاء والسلبيات إنما تكون باجتنابها لا باقتفاء أثرها ..

وخليق بأمة عندها مثل هذا الحديث النوراني الذي يدلها على المفتاح ويطلب منها الاجتهاد أن تكون أرقى الأمم ..

إن كليات الطب في عالمنا الإسلامي تدرس الطب باللغة الإنجليزية , وأفضلها حالا وأجودها مستوى وأقلها عدداً هي التي تستطيع أن تواكب مستجدات النظريات الطبية والعلمية , وما أصعب ذلك بالقياس إلى جامعات عريقة ومستشفيات ضخمة في العالم , تجري دراسات هائلة , وتبذل مئات الملايين من الدولارات في سبيل الوصول إلى المعلومات وما الحديث عن* زراعة ما يسمى بالخلايا الجذعية والعصبية إلا شيئاً مذهلاً يدير الرؤوس ؛ من هذه العلوم التي يفترض أن يكون المسلمون أولى بها ؛ لأن قرآنهم أول ما نزل تكلم عنها في الآيات الخمس الأولى التي نزلت بغار حراء (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق:5)

لماذا غفلت حضارتنا الإسلامية عن هذا حتى قال الشافعي -رحمه الله- عن الطب :-"لا أعلم عِلْمًا بعد الحلال والحرام أنبل من الطّبّ، إلّا أنّ أهل الكتاب قد غلبونا عَلَيْهِ.

وقال حَرْمَلَة: كَانَ الشّافعيّ يتلهف على ما ضيع المسلمون من الطّبّ ويقول: ضيعوا ثُلُث العِلْم، ووكّلوه إلى اليهود والنّصارى!"

ولماذا أصبح المسلمون في عصرنا بهذا القدر من البعد عن قضايا الطب والتقنية والعلم ؟

ولماذا لم يلتقطوا هذا الخيط الباعث على الإبداع والعمل الحضاري في كتاب ربهم وسنة نبيهم ، مع قراءتهم للقرآن والحديث في كل المجالات العلمية والعملية من زراعة، وصناعة، وطب وعلوم الإنسان، وعلوم الحياة وغيرها؟

لن نعجز عن قراءة ما سطره الكاتب البرازيلي (جيلبير تو فريري) في كتابه "عالم جديد في الأوساط الاستوائية"وهو يقول:- إن هذا الكتاب سيقيم الدليل، على أهمية إسهام العرب في تكوين الإنسان البرازيلي.

وسنجد في تاريخنا أطباء مهرة ، ومؤلفين حذاقاً اعتمدت عليهم أوربا في علمها ردحاً من الزمن .

لكن سيكون مؤكداً أن حجمهم لا يقاس بحجم المؤرخين أو الشعراء أو الباحثين أو الفقهاء .. أو حتى الأطباء الشعبيين الذين لا يفرق بعضهم بين شكوى وشكوى في عصر تحاول فيه تقنية " النانو " أن تصمم لكل مريض دواء شخصياً يراعي ظروفه الذاتية ومدى وجود السكر أو الكولسترول أو الضغط أو أي معاناة أخرى لديه .

لا شك بأن ثمت خللاً كبيراً وشرخاً واسعاً في الابتعاد عن الهدي الرباني والعلم الإسلامي.

لقد خلق الله الإنسان وجعل له كل ما في الأرض (الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً)(البقرة: من الآية29) ، واستعمره فيها، (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)(هود: من الآية61) ، وجعل هذا الإنسان بعقله وعلمه مسلطاً على هذا الشأن الأرضي بصناعتها وزراعتها ورعايتها وبعثها، وحثّ الإنسان على النظر إلى ملكوت الله وإلى أرضه ليكتشف فيها القوانين الإلهية في قيام الحضارات وانهيارها كأسباب رقيها وتمدنها وجعل ذلك كله باعثاً له للعمل على سقي الحياة وبعثها ورعايتها بالروح والقوة والمادة .

فالعلم الذي يقرب إلى الله هو كل علم صالح نافع يقوم على عمارة الدنيا وسياستها وإقامة الدين بها، أو كما يقول الإمام الماوردي: ما أدى الفرض وعمر الأرض.

لنا أن نقول : إن الوصول بالحضارة الإسلامية إلى قمتها لا يلزم أن يتم خلال حقبة زمنية .. وكم ترك الأول للآخر ؟

-وثمّ جانب من الطب له علاقة بمجموعة من الكشوف والتطورات والمعارف التي جاءت مع الثورات المعرفية الحديثة ..

لا علينا .

فالعلم ليس له جنسية ولا لون ولا مذهب ، بل هو معنى إنساني تراكمي ، تتوارثه الأمم وتتناقله الأجيال ، فيا ليت أننا نقدر على مواكبة كشوف العلم المذهلة أو الاقتباس منها .

قبل أيام قرأت كتاب " مستقبلنا بعد البشري " لفرنسيس فوكوياما .. فكان فرحي أن الكتاب تُرجم بلغة عربية وأصبح في أيدي قرائها.

فمتى نفرح بأن يكون منا من يبدعون ويعكفون ويضحون وليس همهم فقط أن يعملوا مفرقعات إعلامية تشغل الناس لبعض الوقت .

أحمد
08-01-2011, 08:41 AM
مصارحة مع شاب مختلف !
فضيلة الشيخ/ سلمان بن فهد العودة
السبت*04*صفر 1432
الموافق*08*يناير*01

بني الكريم ..

أشكر تواصلك وعتابك ، ففي العتاب حياة بين أقوامِ ، فلقد سرني أنك تسمعني وتقرؤني ، فتتفق أو تختلف معي ، فأنا لا أكتب ولا أتحدث لأملي حقائق مطلقة لا يتطرق إليها الشك ، ولكنها مذاكرات ومفاكرات هي عندي الآن صواب ، وقد يرى سواي فيها ما لا يوافقني عليه

إنني أحاول أن أكون بريئاً من التعصب بكل ألوانه وأشكاله ، وأعالج ضميري الذي لا يراه الناس من كل أثر من تعصب لأحد أو تعصب على أحد ، وأتعاهده ألا يركن إلى قول لمجرد أنه يألفه أو يحب صاحبه .

وأردد كلمة الشيخ السلفي المتصوف أبي سليمان الداراني -رحمه الله- الذي يقول : إن الخاطر يمر على قلبه فلا يقبله إلا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة .

وإني آمل بحبي لك وحدبي عليك أن تحاول ما أحاول وتفتح عينيك على ذاتك وتجهد لاكتشاف مغاراتها ودهاليزها وظلماتها بنور الصدق والإيمان والتجرد من العصبيات ، حتى العصبية للنفس ذاتها ..

لنكن صرحاء ..

حين نتحدث عن " التخلف " أو عن " التعصب " فهل نستطيع أن نستثني أحداً منه من الجماعات والفئات والطوائف وسائر الانتماءات ؟

لنكن صرحاء ..

من هم الذين يستطيعون أن يقولوا : نحن معياريون مثاليون .. أو حتى محاولون للمثالية ، بريئون من العصبية لانتمائنا المذهبي أو الطائفي أو المناطقي أو الفكري ؟

أن يوجد فرد يحاول فنعم ، أما الجمع كله فلا ، وكلنا في الهوا سوا!

بني العزيز :

لم أدخر وسعاً في نقد القريبين مني ، وتفنيد ممارساتهم وتصحيح ما أظنه خطأ في سلوكاتهم ، وأنا بهذا أمارس حباً جارفاً يجعلني أتصورهم في المستقبل على أفضل حال ، وأحب أن يتجردوا من عصبياتهم وأهوائهم ونزعاتهم المنحرفة وأن يفضوا إلى ميدان الحرية الحقيقية ، والتفوق على الذات ، والاستسلام لأمر الله ، والتسامي عن الأنانيات والأهواء .

بني المحب ..

سأصدقك القول ، فمع الزمن صرت أكثر حرصاً على استعمال اللغة الطيبة الهادئة وتجنب ما قد يفضي إلى تحريض أو عداوة أو جفاء ، وأن أتمثل التوجيه الإلهي بالكلمة الطيبة والقول اللين والقول السديد ، والقول المعروف ، والقول الحسن ، وفي ميدان الجدل ألا أنحط إلى ما يتنافى مع ذلك ، بل أحاول التسامي إلى المجادلة بالتي هي أحسن ..

ولكن لن أدخر الجسد الإسلامي من النقد ، والنقد عندي علامة الانتماء ، وبرهان الصفاء ، ودليل المحبة ، خاصة وأنني لا أنتقد فرداً ولا سلوكاً خاصاً ، إنما أنتقد ظواهر عامة ، وسلوكات ذائعة ، وأفكاراً شائعة ، وأنماطاً موروثة ، ومسلمات أكل الدهر عليها وشرب ، وفيها يكمن داؤنا ، فهذا سر تخلفنا وبعدنا عن الله ، وإفلاسنا في الحياة ، وما لم نملك الشجاعة في إخراجها من قلوبنا أولاً ، ثم من مجتمعاتنا فستظل أحلام النهضة مجرد أمانٍ لا رصيد لها!

إذا كان المرء ينتقد جماعته وأهل بلده وأهل مذهبه وجيرانه وموافقيه .. فلم لا ينتقد غيرهم ؟ ولماذا يكون مطلوباً منه الحياد في كل ما يخص الآخرين ؟

كاتب ينتقد ظواهر سعودية بانتظام .. ليس حجراً عليه أن ينتقد ظاهرة مصرية أو عراقية إذا تجرد من العنصرية والإطاحة ..

ومتحدث ينتقد أداء بعض السنة ومخالفاتهم واختلافاتهم فلا يعيبه أن ينتقد ممارسة شيعية أو صوفية إذا أنصف وعدل وراعى الاعتبارات الشرعية والمصلحية ولم ينطلق إلا من رغبة الإصلاح والتصحيح ؟

والعكس من ذلك صحيح أيضاً .

الجسد الإسلامي كله مثخن بالآفات والأدواء والعيوب ، وربما كان صحيحاً أن الذي هو خارج الدائرة لا يكون لنقده المصداقية والتأثير كالذي في داخلها ..

وأعلم جيداً أن عامة المتحدثين والكتبة يسهل عليهم نقد المخالف ووصمه ونبزه ولمزه بكل أريحية ، وهذه ليست عندي شجاعة ، الشجاعة أن ينتقد المرء نفسه وجماعته ، فما ذنبي أيها الحبيب الفاضل إذا كنت أشعر بأنني معك وأنك معي وأن الحبال الواصلة يجب أن تكون أقوى من الأسوار والحواجز التاريخية أو الجغرافية ؟ لن نلغي الحواجز من عقول ونفوس ألفتها وصارت جزءاً من كينونتها وهويتها ، فلنحاول تخطيها بشجاعتنا ووعينا بذواتنا .

إن الكلمة الصادقة الهادئة المنطلقة من الحب والإخلاص الملتزمة بالأدب سيكون لها تأثير على المدى الطويل .. كيف لا .. وهي الشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها .

أحمد
19-01-2011, 11:38 AM
آه ...لقد نسيتها !

الكاتب: فضيلة الشيخ/ سلمان بن فهد العودة السبت 11 صفر 1432الموافق 15 يناير 2011
حمداً لك يا رب, وشكراً على نعمة النسيان !
بالأمس ألقيت محاضرة لموظفي الخطوط السعودية , نظّمها شباب مخلص غيور , ظلّ لأكثر من عشرين سنة يرتب هذه المناشط , ويثابر على ديمومتها وإحيائها , كنت مبتهجاً باستقبالهم وحفاوتهم وإيجابيتهم الرائعة . جمعت في المحاضرة ما لذّ وطاب من كلام الحكمة الربانية والهدي النبوي والتجربة الإنسانية ؛ مما يتعلق بالسفر والعلاقة والعاطفة ، وعرجّت على حقوق الأهل والمنزل والأطفال .. وتنقّلت ما بين آية محكمة وحديث صحيح وحكم فقهي وأبيات شعرية وقصص واقعية .. وليست كثيرة هي الحالات التي أجد مستمعي يضحكون بصوت عالٍ .. لقد حدث هذا هذه المرة ، كانت الأريحية حاضرة ، وانتهينا والسرور والحبور يلفّ الجميع ..
ودّعني الشباب بلطف ، وقسماتهم تنطق بالرضا ، وألسنتهم تعبر عن الشكر لإجابة الدعوة .
عند سيارتي وقف لي شاب دسّ في يديّ أوراقاً ملفوفة, وكأنه يحاذر أن أفتحها بحضرته ..
ركبت السيارة وقلت لصاحبي .. إن صدق حدسي؛ فالأوراق تتعلق بطلب مال ، أو بنقدٍ وملاحظات ، فهي تتراوح بين (النقد) و (النقد) !
فتحتها وطفقت أقرؤها على من معي ..
ثمانية عشر ملحوظة مرقمّة ومسطورة تستوعب الحديث كله , منذ أن بدأت الكلام إلى آخر كلمة قلتها !
وكأنها تفريغ للمحاضرة ولكن بروح سلبية !
منذ الافتتاح إلى الإجابة على آخر سؤال .
لقد كان الشاب حاضراً مصغياً بأذنه ، مجهزاً للأوراق والأقلام ، مبرمجاً عقله على أنه سيسمع الخطأ وسيدونه, وسيضيف إليه عبارات الاستهجان وعلامات الاستفهام والتعجب, مع شيء من الربط الذي يؤكد أنه شخص واعٍ حاذق , لا تطوف عليه الحيل ولا تنطلي عليه الألاعيب !
وفي نهايتها يقول إنه لا زال في الجعبة المزيد , ولكن ضيق الوقت وامتلاء الصفحات الأربع؛ حال دون ذلك !
تعجبت من هذه (الترجمة الفورية) التي تشبه ما يحدث في التراجم الفورية ؛ من انقلاب المعاني وتداخلها وصعوبة الفصل بينها .. وأشفقت على شاب يقضي سنوات عمره في تصيّد الأخطاء وتدوينها , ويستمع إلى الآخرين بهذه الروح السلبية .. وقد يشعر بأنه صاحب رسالة !
لو عرفت الشاب لاختبرته وطالبته أن يستمع إلى المحاضرة مرة أخرى ، ويحاول أن يدون الصوابات والمعاني الصحيحة والجميلة .
من الغد كنت في مكة , ومع جماعة من أصدقائي ؛ فجاءت المناسبة وذكرت لهم القصة وأنا أضحك ملء فمي .. بادرني أحدهم بالسؤال :
ما هي أهم الملاحظات التي دونها ؟
قلت له : آه ، لقد نسيتها جميعاً !
ثم عقبت :
يا لها من نعمة .. ربما لو كنت استحضرها الآن ؛لم تجدني أحافظ على هذه البهجة والمتعة في جلوسي معك وحديثي إليك وممارسة حياتي بعفوية ورضا ..
إنها واحدة من عطايا الله .. إذا سلط عليك شيئاً من الهم أو العناء أن يعينك ويوفقك لتنساه فوراً .
نعم ؛ سوف تنسى تفصيلات لا تحتاج إلى استذكارها ، ولكنك ستحتفظ بالقصة وطرافتها وعبرتها ، ستفلح في تحويل هذا الموقف السلبي إلى تجربة إيجابية سيكون حديثاً ممتعاً في مجلس ، أو مقالاً مقروءاً في جريدة ، أو قصة في برنامج ، سيكون إضافة جميلة لحياتك ومسيرتك ، وتدريباً على الهدوء ، وتأكيداً على التواضع ، وتذكيراً بأهمية العمل والمواصلة والإخلاص ، ودرساً لن تنساه في الصبر والاحتمال ، واختباراً حقيقياً لقدرتك على العفو والتسامح والتفويت ونسيان العثرات ..
هذا الشاب ستلقاه غالباً بعد سنوات ؛ يصافحك ويبتسم إليك, ويطلب منك الحل والمسامحة ، فقد أساء بك الظن يوماً ، أو صدّق فيك مقالة لم يتحقق منها ، وستكون مسروراً لأنك وجدت عاقبة الصبر والإعراض ، وإذا لم يحدث هذا ؛ فمن اللطيف أن يلهمك الله أن الأمر قد حدث بينه وبين نفسه, وإن لم يتصل بك خبره ، وأن الشاب وجد طريقه ومضى في حياته بعدما تزوج وجرّب ، وتغير طاقم أصدقائه ، وتنوعت قراءاته ، وهو يحتفظ بآرائه ولكنه لا يبتلي الناس بها ..
سيرث موقفه شاب جديد (ربما أخوه الأصغر أو حتى ولده) فليكن .. مرحباً بالوجوه الجديدة .. إذا كتب لنا أن نواصل الحضور والمشاركة فستكون هذه المواقف جزءاً من ضريبة العطاء .. وليمنحنا ربنا القوة والمواصلة والطاقة الإيجابية الفعالة حتى لو ابتلينا بمثل هذه المواقف !
النجاح الكبير إذا تمالكت نفسك , واقتبست ولو مفردة واحدة ؛ تعتقد أن مثل هذا الشاب سيضيفها إلى شخصك وإلى قاموسك المعرفي ، فالحق يؤخذ ممن جاء به ، ولا أحد أقل من أن يفيد ، ولا أكبر من أن يستفيد ، رحم الله امرءاً أهدى إلينا عيوبنا ، ولو كانت عشرين عيباً في مجلس لا يزيد عن ستين دقيقة ..

أحمد
22-01-2011, 10:00 PM
انتحار جماعي
فضيلة الشيخ/ سلمان بن فهد العودة
السبت*18*صفر 1432
الموافق*22*يناير*01

وردني سؤال , عن رأي الشريعة في قتل النفس تحت ضغط الفاقة والفقر ؟

والجواب بعد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : أن هذا مما لا سؤال فيه عن " رأي " ، بل حكم الله وحكم رسوله -صلى الله عليه وسلم- المجمع عليه خلفاً وسلفاً أن قتل النفس محرم وكبيرة من كبائر الذنوب ؛ توعد الله عليها بقوله سبحانه : (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً)(النساء: من الآية30،29) ، وفي الحديث المتفق عليه : « عَبْدِى بَادَرَنِى بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ » ، وفي لفظ : « مَنَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِى يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِى بَطْنِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ». رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة.

والظروف العصيبة التي يعيشها الكثير في العالم الإسلامي تفسر ما يحدث ولكنها لا تبرره ولا تجيزه ، على أننا يجب أن ننأى عن الحكم على الأعيان والأفراد ؛ فإن هذا مما استأثر الله به ، وقد دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن قَطَعَ بَرَاجِمَهُ بمَشَاقِص فَشَخَبَتْ يَدَاهُ فَمَاتَ .. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ » رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه..

والحديث وإن تكلم فيه بعض أهل العلم إلا أنه يقرر مسألة واضحة متفقاً عليها , وهي أن المنتحر لا يكفر بمجرد الفعل بل هو من عصاة المؤمنين .

وفي الوقت الذي ندعو حكومات العالم الإسلامي إلى ضرورة المعالجة الفورية لظواهر الظلم والتجاهل ، ومشكلات البطالة والفقر ، والاندماج في مشاريع تنموية جادة ، ومحاربة الطبقية والفساد المالي والإداري والاستئثار بالثروة ؛ حفاظاً على سكينة المجتمعات وأمنها ، وقياماً بما أوجب الله من العدل بين الناس (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)(النساء: من الآية58) ، فإن مما يدرك بالملاحظة والتجربة وقراءة السنن أن الفقر مدعاة لكل شر ، وكان علي -رضي الله عنه- يقول : " لو كان الفقر رجلاً لقتلته " ، وفي الأثر : " كاد الفقر أن يكون كفراً ".

وليس الأمر مقصوراً على الخبز والطعام على أهميته العظمى وضرورته ، بل يتعدى إلى حاجة الناس للاعتراف بهم واحترام شخصياتهم, وحفظ حقوقهم ومصالحهم ، وتمكينهم من التعبير عن مشاعرهم وتطلعاتهم المشروعة , دون تعسف أو إهدار أو استخفاف ما دامت لا تتجاوز ولا تتعدى إلى ظلم أو بغي أو عدوان على الآخرين .

إلا أن تكرار هذه الظاهرة الغريبة من إحراق النفس في العديد من البلاد الإسلامية ؛ هو نذير يدل على ما آلت إليه الأمور من اليأس والإحباط وانسداد الآفاق الحياتية التي تعزز الأمل والتفاؤل ، وكما قيل :

أعلِّلُ النفس بالآمالِ أرقُبُها**** ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأمَلِ

لقد شُغلت كثير من الشعوب عن قضاياها الأممية الكبرى وتطلعاتها الحضارية بمشكلاتها الخاصة المتعلقة بلقمة العيش ، ثم اكتشفت أنه حتى لقمة العيش لم يعد الحصول عليها بالأمر السهل, حتى يبذل الإنسان كرامته ، ومع هذا تضافرت أسباب عديدة إعلامية وتعليمية واجتماعية على إضعاف قيمة الإيمان والصبر , ومواجهة التحديات بثقة وإصرار ومواصلة ، وأضعفت روح التكافل والتعاون في المجتمعات الإسلامية ؛ بما أفضى إلى أوضاع مأساوية لا يعلم عواقبها إلا الله وحده ، قد تعصف بالاجتماع والأمن والاستقرار في أي بلد .

وفي ظل الانفتاح الإعلامي وقيام " جمهورية المهمشين " التي تسمح بالتعبير والاحتجاج عبر أدوات الإعلام الجديد والشبكات الاجتماعية ، والقنوات الفضائية التي صارت تغطي الحدث فوراً وتسمح بالتواصل والتنسيق والتنظيم ، وتستوعب مئات الملايين من الناس ، والفيس بوك مثلاً يضم " 647.5 " مليوناً من البشر غالبهم من الشباب ، بحيث لو كان دولة لكان ثالث دولة في العالم من حيث عدد السكان بعد الصين والهند !

وفي ظل " ثورة الآمال والتطلعات " التي تجعل من حق أي شعبٍ أن يقارن نفسه بالشعوب الأخرى ، ويرى نفسه جديراً بالمستوى ذاته الذي تعيشه من حيث الحريات والرفاه المادي والممارسة السياسية ، بل والمركز الحضاري ..

في ظل هذا وذاك يغدو التجاهل لهذه المتغيرات نوعاً من الانتحار السياسي لأي نظام لا يريد أن يستوعبها ، فهو يدمر ذاته بذاته , ويحكم على مستقبله بمفاجآتٍ غير محسوبة , قد تفضي إلى حروب أهلية في أسوأ الحالات ، وإلى تغييرات جوهرية في أحسن الحالات .

وإذا كان انتحار الفرد حراماً وجريمة نكراء كما صرح بذلك كتاب الله العزيز وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن انتحار المجتمعات والدول لهو أشد حرمة وأعظم جرماً ، وأولى بالشجب والاستنكار .

والتعبير عن الغضب أو عن المطالبة يمكن أن يتذرع بالوسائل الشرعية والوسائل المباحة المسكوت عنها في الشريعة ؛ لكن لا يجوز بحال من الأحوال أن يتساهل في ارتكاب ما حرم الله ، لأن ما عند الله لا ينال بمعصيته ، والحل الحقيقي لكل مشكلات الأمة هو في كلمة " التوبة " .

توبة الأفراد والمؤسسات والحكومات والشعوب من ذنوب السلوك ، وآثار التخلف ، ومعاصي الجهل ، وأوزار الظلم ، وخطايا الفوضى ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً)(التحريم: من الآية8) ، لسنا نتحدث عن صيغة مثالية ، بل عن الحد الأدنى الذي تحفظ به مصالح الدنيا وضرورات الدين ، وتهدأ به النفوس الثائرة ، ويفتح فيه باب الأمل للناس كل الناس ، فلا شيء يدمر الحياة كما يدمرها اليأس .

أرى خللَ الرَّمادِ وميضَ نارٍ**** ويوشكُ أن يكون لها ضِرامُ

لئن لم يطفها عقلاء قوم**** ******يكون وقودها جثث وهام

فإنَّ النَّارَ بالعوديْن تُذكى******** وإنَّ الحربَ يقدمُها الكلامُ

أقول من التعجب ليت شعري*** ****أأيقاظٌ أمية أم نيام ؟!

وللحديث صلة إن شاء الله .. وصلى الله على نبينا محمد وآله .