المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقالات هيكل


مطر
26-06-2010, 07:42 AM
http://blogs-static.maktoob.com/userFiles/h/o/hommededroit/images/photo.jpg


أمتلك أرشيف كامل لمقالات محمد حسنين هيكل منذ بدايه الخمسينات و حتى التسعينات تؤرخ كل الحوادث التي مرت بها الأمه العربيه.

سأفوم كل يوم بنشر مقال من أرشيف "هيكل" ليس بالترتيب الزمني لكن حسب ماأراه مناسب و ذا فائده. أرجو الانتباه الى تاريخ المقال قبل قراءته.

مطر
26-06-2010, 07:49 AM
13/10/1973

ســـــؤال!
هناك مواقف لا تحتمل الانتظار ومنها ما أريد أن أتحدث عنه الآن أريد أن أقول إن الضغط العربى على الولايات المتحدة الأمريكية يجب أن يصبح الآن، فى هذه الساعات بل وفى هذه اللحظات، محسوساً، مؤكداً ومعلناً.

والدول التى تستطيع أن تمارس ضغطاً على الولايات المتحدة هى دول البترول العربى فهى التى تملك مفاتيح المصالح الأمريكية فى المنطقة، وهى التى تملك أن تمنح وأن تمنع.

والسبب الذى يدعونى إلى القول بأن هذه هى الساعات بل اللحظات التى يتحتم فيها أن يصبح الضغط العربى محسوساً ومؤكداً ومعلناً، يتمثل فى الاعتبارات التالية:

1- أن الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون منهمك فى اجتماعات متصلة مع مجلس الأمن القومى الأمريكى لبحث "دور الولايات المتحدة فى حرب الشرق الأوسط" ونستطيع أن نفهم على الفور من هذا التعبير أن الرئيس الأمريكى وكبار مساعديه يبحثون فى الطريقة التى يستطيعون بها مساعدة إسرائيل.

2- وبالتأكيد فإن الناحية العسكرية هى الناحية الملحة الآن خصوصاً وإن تقديرات "البنتاجون" هيئة أركان حرب الجيش الأمريكى - التى أبلغت إلى بعض دول أوروبا الغربية - تقول إن "خسائر إسرائيل فى الأيام الخمسة الأولى من المعارك" - توقيت إعداد التقرير - وصلت إلى: مائة وعشر طائرات وأربعمائة دبابة، وحوالى ثلاثة آلاف قتيل، وحوالى ألف أسير - بينهم 42 طياراً - عدا خمسة عشر ألف جريح، وبعد ذلك إن لم يكن قبله تأتى الصدمة النفسية التى أحست بها إسرائيل من الرد العربى على الجبهتين، ومن نجاح القوات المصرية فى عبور القناة واجتياح خط بارليف.

ويحدد التقرير مثلاً - كما أبلغ لبعض الدول الغربية - أن إسرائيل خسرت فى الأيام الخمسة الأولى عشرين فى المائة من قوة طائرات الفانتوم لديها!

(وربما كانت التقديرات العربية عن خسائر إسرائيل تقول بأكثر من ذلك ولكن وفى هذا الحديث تركت التقديرات الأمريكية كما هى لأن الصورة التى أتعرض لها من حساباتهم هم وليست حساباتنا نحن).

3- ترتيباً على ذلك فإن الرئيس الأمريكى وكبار مساعديه على وشك اتخاذ قرارات بمساعدة إسرائيل عسكرياً، وقد بدأت بعض المساعدات تصل فعلاً إلى إسرائيل ولكن الجزء الأهم ما زال ينتظر القرار السياسى للرئيس الأمريكى.

- لقد تلقت إسرائيل - فيما نقلت الأنباء - ما بين ثلاثة أو أربعة أسراب من طائرات الفانتوم.

- وكان أسطول شركة العال - شركة الطيران الإسرائيلية - مجنداً بالكامل خلال الأيام الأخيرة لنقل كميات كبيرة من المعدات الأمريكية من ولايتى "فرجينيا" و"أوكلاهوما" إلى إسرائيل، والمعدات التى تنقلها كلها فيما يبدو من التقارير معدات إليكترونية وقذائف وصواريخ.

وهذا خطير ولكن ما يليه قد يكون أخطر!

4- والمشكلة فى وضع الرئيس الأمريكى اليوم بالذات والتحديد أنه فى وضع بالغ الضعف أمام الكونجرس الأمريكى بسبب فضيحة ووترجيت وبسبب فضيحة نائبه سبيرو أجنيه الذى اعترف بما اقترف واستقال فى المحكمة وترك منصب نائب الرئيس خالياً.

وطبقاً للأحكام الدستورية فإن الرئيس الأمريكى سوف يختار نائبه ولكنه سوف يتقدم به إلى الكونجرس [مجلس الشيوخ ومجلس النواب] لكى يوافق عليه.

والرئيس الأمريكى يريد نائباً له من اختياره هو وعلى مزاجه وهواه وإذن فإنه فى وضع ضعيف أمام الكونجرس.

كان ضعيفاً من الأصل بسبب فضيحة ووترجيت وهو الآن أضعف لأن الكونجرس هو وحده الذى يملك التصديق على المرشح الذى يختاره ليكون نائباً للرئيس.

5- إن التأييد لإسرائيل فى الكونجرس بدرجة مائة فى المائة على أقل تقدير!

ولقد يستطيع الرئيس الأمريكى - أحياناً - أن يراعى المصالح الاستراتيجية البعيدة المدى للولايات المتحدة. وقد يستطيع أن يراعى اعتبارات توازن القوى الدولية، وقد يستطيع أن يراعى نواحى أخرى غير ذلك، ولكن الكونجرس لا تحكمه إلا اعتبارات السياسة المحلية فقط.

وهذه نقطة الخطر.

لأن ضغط الكونجرس كله سوف يكون كاسحاً فى اتجاه إسرائيل وفتح أبواب المساعدات بلا حدود أمامها.

مجمل هذه الاعتبارات يدعونا إلى القول بما يلى:

- فى هذه الساعات بل وفى هذه اللحظات يجب أن تتدخل كل الإمكانات العربية لتؤدى دورها فى الضغـط على الولايات المتحدة الأمريكية ويجب أن يكون هذا الضغط كما قلت محسوساً ومؤكداً ومعلناً.

لماذا؟

لقاعدة أساسية من قواعد ممارسة القوة فى السياسة الدولية وهى قاعدة تقول بأننا إذا أردنا أن نمارس ضغطاً له قيمة فعلية وتنتج عنه آثار عملية فلا بد من توافر ثلاثة شروط:

1- أن يكون سلاح الضغط موجوداً [البترول موجود].

2- أن يكون قابلاً للاشتعال [أزمة الطاقة قائمة].

3- أن لا يكون الطرف الآخر الذى سوف يتعرض للضغط فى شك من أن هذا الضغط سوف يمارس يقيناً، بل إن ممارسته قد بدأت فعلاً [ولم تشعر أمريكا الحكومة، أو الكونجرس، أو الرأى العام بذلك، وبشكل حاسم حتى اليوم].

وفى الخلاصة:

فإن الرئيس الأمريكى على وشك أن يمضى فى الشوط أبعد إلى مواقف شديدة الخطر علينا...

والسؤال المطروح هو:

هل نتركه يذهب فى الشوط إلى آخره وهو تحت تأثير الكونجرس الموالى لإسرائيل مائة فى المائة؟.....

أو:

.....

نفرض عليه فى هذه الساعات بل فى هذه اللحظات أن يضع فى اعتباره عنصراً آخر وهو:

المصالح الإستراتيجية والاقتصادية للولايات المتحدة فى الشرق الأوسط ومستقبلها على المدى القريب والمدى البعيد؟!

هذا هو السؤال.

وهذه هى الساعة.... بل هذه هى اللحظة!

مطر
26-06-2010, 10:08 AM
20/3/1957

قصة صغيرة بين الرئيس جمال عبد الناصر والسفير الأمريكى

فى لقاء أخير بين الرئيس جمال عبد الناصر، وبين السفير الأمريكى فى القاهرة، المستر ريموند هير، وقعت قصة صغيرة... ولكنها أبلغ فى شرح الحياد الإيجابى الذى ينادى به العرب اليوم، من ألف مجلد تكتب عن هذا الموضوع.

كان اللقاء بين الرئيس، وبين السفير، قد قارب الانتهاء ولقد شمل البحث كل الموضوعات التى كان مفروضاً أن يشملها... وبدأ السفير يتأهب للقيام.

وقال الرئيس جمال عبد الناصر موجهاً حديثه للسفير:

- ترى هل أستطيع أن أجد عندك نسخة من آخر خطبة ألقاها جورج واشنطن؟

وقال ريموند هير:

- تقصد خطبة الوداع.. أليس كذلك، إننا نطلق عليها فى تاريخنا الوطنى الأمريكى هذا الوصف، ليس فقط لأنها كانت آخر خطبة ألقاها بطل الاستقلال الأمريكى، بل أيضاً لأنه ضمنها نصائحه إلى شعبه.

وقال الرئيس جمال عبد الناصر:

- أجل.. بالتحديد هذه الخطبة فهل لديك نسخة منها؟

وقال السفير الأمريكى:

- لابد أن تكون فى مكتبة السفارة هنا نسخة منها، وإذا لم نجدها فسأبعث إلى واشنطن فى طلبها...

ثم استطرد السفير الأمريكى:

- سوف تكون معى فى أول مرة التقى فيها بسيادتكم، إلا إذا كنتم تريدونها قبل ذلك لأمر عاجل لا يحتمل الانتظار...

وقال الرئيس:

- إن الأمر ليس عاجلاً إلى هذه الدرجة.

وانتهى اللقاء... ومرت أيام.

ثم جدت ظروف تستدعى أن يطلب السفير الأمريكى ريموند هير موعداً ليقابل فيه رئيس الجمهورية المصرية بناء على تعليمات تلقاها من واشنطن، وتحدد الموعد.

وذهب السفير يحمل رسالة حكومته، ولم ينس أن يضع فى جيبه كتيباً صغيراً فيه آخر خطبة ألقاها جورج واشنطن... خطبة الوداع.

وفى هذه المرة لم تكن خطبة جورج واشنطن التاريخية هى ختام اللقاء بين الرئيس وبين السفير، وإنما كانت بداية اللقاء.

قدم السفير نسخة الخطبة إلى رئيس الجمهورية المصرية قائلاً:

- هذه هى الخطبة التى كنتم قد طلبتم نسخة منها فى آخر لقاء.

ثم استطرد ريموند هير باسماً:

- سيدى... أظن أننى استطعت أن أعرف السبب الذى تريدون من أجله هذه الخطبة... هل تأذن لى أن أجرب قدرتى على الاستنتاج؟

وأمسك السفير بيده خطبة جورج واشنطن.. خطبة الوداع، ثم قلب صفحاتها.. ثم وصل إلى سطور منها وضع عليها إصبعه ثم عاد يتطلع إلى الرئيس قائلاً:

- سيدى... أظنها بالتحديد هذه الفقرة، التى أثارت اهتمامكم فى هذه الخطبة، ثم ابتسم ريموند هير واستطرد:

- هل أصبت؟ أم ترى جانبنى التوفيق؟

وقال الرئيس جمال عبد الناصر ضاحكاً:

- بل أصبت... هذه فعلاً هى الفقرة التى كنت أريدها فى خطبة جورج واشنطن!

واتجه الحديث بعدها إلى الموضوعات التى من أجلها طلب السفير موعداً يقابل فيه الرئيس.

ولكن ما هى هذه الفقرة الهامة فى خطبة جورج واشنطن التاريخية... خطبة الوداع؟ وماذا تقول؟

وأى شئ فيها حتى تثير اهتمام رئيس جمهورية مصر لهذا الحد... الحد الذى يجعله يطلب نسخة منها من السفير الأمريكى، والحد الذى يجعل السفير الأمريكى يهتم بالخطبة بدوره، ويذهب يفتش سطورها يحاول أن يعثر فيها على الفقرة التى تهم جمال عبد الناصر؟!

ثم ينجح فى محاولته.. ويعثر عليها فعلاً!

أجل!

ما هى هذه الفقرة الهامة، وماذا تقول، وأى شىء فيها؟

إنها سبعة سطور أو ثمانية.. موجهة إلى الشعب الأمريكى.. فى آخر خطبة ألقاها عليه الزعيم الذى قاد معركة الاستقلال الأمريكى، سبعة سطور أو ثمانية.. قالها جورج واشنطن.. ونصها بالحرف:

القاعدة الأساسية التى يجب أن تتبعها الولايات المتحدة الأمريكية إزاء الدول الأجنبية يجب أن تكون كما يلى:

"توسع بقدر المستطاع فى علاقاتنا التجارية معها، تحفظ بقدر المستطاع فى علاقاتنا السياسية معها، تجارة من غير ما حدود، وسياسة داخل أضيق الحدود.

لابد أن نعرف أن أوروبا لها مجموعة من المصالح الأزلية لا علاقة لنا بها مطلقاً، أو لنا بها علاقة بعيدة، إن أوروبا كانت دائماً، وستظل، مسرحاً لحزازات متكررة لا تعنينا بحال من الأحوال.

إن الأسباب المختلفة لهذا الحزازات غريبة عنا تماماً ومن ثم فإنه ليس من الحكمة أن نورط أنفسنا بروابط صناعية تجرنا معها فى تيار من التقلبات السياسية لا شأن لنا بها، ومن ثم تشركنا فى عداوات ليس لها من وجهة نظرنا ما يبررها".

انتهت هذه الفقرة من كلام جورج واشنطن فى خطبة الوداع!

هل اتضح... ما هى؟، وهل اتضح.. ماذا تقول؟، وهل اتضح.. أى شئ فيها؟

أظن الأمر كله اتضح، ومع ذلك فلعله من المفيد أن نعود إلى ظروف تلك الأيام التى ألقى فيها جورج واشنطن هذه الكلمات الخالدة!

أيامها كان الشعب الأمريكى خارجاً لتوه من حرب الاستقلال، كذلك شعوب العرب اليوم، وأيامها كانت القوات الأجنبية قد جلت لتوها عن أمريكا، كذلك القوات الأجنبية التى كانت تحتل أرض العرب حتى اليوم، وأيامها كانت القوى الكبرى مشتركة فى صراع مخيف انهمكت فيه بكل إمكانياتها بريطانيا وفرنسا والنمسا، وكذلك القوى الكبرى اليوم، وأيامها كانت الحكومة الأمريكية بلسان منشئها تنظر بشك إلى هذا الصراع وتخاف منه على استقلالها، وكذلك حكومات العرب المتحررة اليوم، وأيامها دخلت القوى الكبرى فى حروب دامية، وكذلك حدث، وقد يحدث اليوم... مع خلاف بسيط هو أن أسلحة الحرب أيامها كانت تقتل الناس واحداً واحداً... أما اليوم فأسلحة القتال تزهق أرواح الناس بالملايين... مليوناً بعد مليون!

كانت هذه هى الظروف أيامها فى أمريكا وهى نفس الظروف هذه الأيام فى البلاد العربية، وعلى ضوئها - فى تلك الأيام - وضع جورج واشنطن حدود السلامة لشعبه، وعلى ضوئها - فى هذه الأيام - وضع زعماء العرب حدود السلامة لشعوبهم...

ومع ذلك فهناك ما هو أكثر..

كانت الصلة بين الشعب الأمريكى والقوى الكبرى فى أوروبا أيامها علاقات أقرب وأوثق من العلاقات بين الشعوب العربية وبين القوى الكبرى هذه الأيام..

أن الشعب الأمريكى كان يستطيع أن يرد أنسابه.. آباءه وجدوده.. أصوله كلها إلى قوى أوروبا المتصارعة فيما بينها.

أما الشعوب العربية فما هى صلتها بالقوى الكبرى اليوم؟ ماذا رأى الشعب العربى من هذه القوى إلا كل ما يبعث الريبة فى النفوس وفى القلوب، لم نعرف هذه القوى إلا وهى رابضة فى مواجهتنا وراء دبابة، ولم تتحدث إلينا هذه القوى إلا من فوهة مدفع، ولم نرها إلا وهى هابطة فوق رءوسنا بالباراشوت!!

ولم تعقد معنا اتفاقاً إلا كانت هى الطرف المتحكم الذى سيحدد الشروط ويفرضها ويكتبها ويقدمها للطرف الضعيف يبصمها بإبهامه بعد أن يبلله بقطرات من دمه.

بل وحين تطورت هذه القوى وأرادت أن تتصل بنا وجهاً لوجه.. رجلاً لرجل.. لم نجد أمامنا إلا أمثال لورنس وجلوب وكيفرن ونورى السعيد..

وبينما نادى جورج واشنطن أيامها، بالعزلة الكاملة، نادى زعماء العرب اليوم بما هو أخف من العزلة، لأن ظروف التقدم الإنسانى لا تسمح اليوم بالعزلة، لدولة من الدول أو شعب من الشعوب، وقد كانت صيغة زعماء العرب هى:

"الحياد الإيجابى" أى "عدم الانحياز"!

هل زاد الأمر وضوحاً؟

اعتقد!

وبعد...

لماذا ذكرت هذه القصة الصغيرة التى وقعت بين الرئيس عبد الناصر وبين السفير الأمريكى؟ لماذا ذكرتها اليوم، واستطردت بعدها إلى مزيد من التفاصيل تزيد الأمر شرحاً وتفصيلاً؟

السبب فى هذا رجل أمريكى، وصل إلى الشرق الأوسط هذا الأسبوع، يحاول أن يشرح له سياسة الرئيس أيزنهاور... رجل اسمه ريتشاردز، يرأس البعثة التى استعارت منه اسمه وأصبحت بعثة ريتشاردز.

إنه يسمع الآن وسوف يسمع فى الأيام القليلة القادمة كثيراً عن عبارة الحياد الإيجابى، إننى أتمنى له أن يفهمها.

إن لم يستطع أن يفهمها على ضوء من تاريخ الشعب العربى، فلعله يستطيع أن يفهمها على ضوء من تاريخ الشعب الأمريكى نفسه!

أليس هذا عدلاً... أم ماذا؟

قولوا كلمة أيها المتحمسون لكل ما هو أمريكى، أليس جورج واشنطن أمريكياً.. بل ألم يكن بطل الاستقلال الأمريكى؟.

وليتكم بعدها تتعلمون الدرس من أمريكى مخلص..

لتكونوا أنتم أيضاً عرباً مخلصين!

مطر
04-07-2010, 05:25 AM
28/11/1969

أزمة الضمير الأمريكى!

هو: أمريكى أعرفه من زمن طويل، شغل فى أوقات كثيرة من حياته مناصب رسمية، ولعب فى عديد من الظروف أدواراً بارزة فى سياسة الولايات المتحدة إزاء الشرق الأوسط، وهو على أى حال يعرف وجهة نظر حكومته، ويعبر عنها فى معظم الأحيان ويكون تعبيره هادئاً مرة، هائجاً مرة أخرى، يتوقف الحال على ضغط الحوادث وما تثيره من ردود أفعال وانفعالات شتى!

وهذه المرة حين جاء كانت الحالة هياجاً لا شك فيه، لكنه كان يحاول - وبصعوبة - أن يمسك نفسه، أن يسيطر على مشاعره، وحين سألته عما به قال وهو يشد الكلمات حتى لا تجمح منه مثل كلاب الصيد القلقة المتحفزة للفكاك من السلاسل:

أخشى لو أجبتك بصراحة على سؤالك أن تغضب، وأن تطلب منى مغادرة مكتبك معتبراً ما أقوله تجاوزاً!

قلت له:

ما أظننى أفعل ذلك أبداً، ولا أظننى سأفعله، وإذا كان هناك من شىء تعلمته من الحياة فهو أن أقوم الطرق إلى اكتشاف الحقيقة أو الاقتراب منها هو الحوار.

لا يستطيع صوت واحد مهما كان مصدره أن يصل إلى الحقيقة، مشعل البحث عن الحقيقة يحتاج إلى شرارة تنطلق من احتكاك فكرة بفكرة، منطق أمام منطق، حضارة فى مواجهة حضارة.

والصوت الواحد مهما توهم من شرف مقاصده لا يعدو أن يكون صفيراً فى الظلام قد يستطيع صاحبه أن يطمئن له بنفسه فى لحظة من اللحظات، ولكنه - بالقطع - لا يستطيع به بلوغ السلامة فى نهاية المطاف.

وحتى إذا كان الصوت الآخر هائجاً فالهياج هنا مجرد لون، والألوان من أوصاف ما هو موجود.

وأن يكون الصوت الآخر مسموعاً مهما كانت نبراته فذلك خير من أن يسود الصمت؛ لأن الصمت معناه الظلام، والظلام عدو الحقيقة!".

قال:

- إذن سوف نتكلم".

قلت:

- سمعى معك!".

قال والعبارات منطلقة فى موجات تليها موجات:

إذن فأنتم هنا تقومون بحملة كراهية مقصودة ضد الولايات المتحدة الأمريكية.

حملة فيما نعتقد لا تقوم على أساس - مرة تتحدثون عن العسكريين الأمريكيين فى جيش إسرائيل، ومرة تتحدثون عن مناورات قام بها الأسطول السادس الأمريكى فى البحر الأبيض واشتركت فيها قوات جوية من إسرائيل، ومرة ثالثة تتحدثون عن أسر أمريكية يهودية تهاجر إلى إسرائيل، وبين أفرادها طيارون وخبراء وصيانة ومهندسو رادار تخصصهم تشويش..

ما القصد من هذه الحملة كلها؟

إنهم فى واشنطن يعتبرونها عملية مدبرة، ويقدرون أنها سوف تستمر وتشتد مع اقتراب موعد انعقاد مؤتمر القمة العربى القادم؛ وذلك كى تعبئوا الرأى العام العربى كله ضد الولايات المتحدة وتسمموا الآبار حين يصل الملوك والرؤساء العرب إلى الرباط يوم 20 ديسمبر!".

قلت له:

- دعنى أرد على ما قلت الآن، وسوف أبدأ من البديهيات وأنتهى إلى الوقائع.

أسألك أولاً:

هل يخطر ببالك منطقياً أن تسعى أى أمة أو أى دولة إلى عداء مع الولايات المتحدة الأمريكية لا مبرر له؟

لا يختلف أصدقاؤكم أو خصومكم على أنكم أكبر وأغنى قوة فى العالم المعاصر، فهل تظن والحال هذه أن أمة فى مرحلة البحث عن وحدتها القومية أو أن دولة فى مرحلة النمو الوطنى ترضى -إذا لم يكن هناك مبرر ملح من ضرورات الدفاع عن النفس - أن تقف ضدكم وأن تتقبل مخاطر الصراع المباشر معكم.

هذا - أولاً - مدخل بدهى فى الرد على ما تقول.

وثانياً:

فإن ما نشرناه عن العسكريين الأمريكيين فى جيش إسرائيل، وعن المناورات الأمريكية التى اشترك فيها الطيران الإسرائيلى، وعن هجرة بعض الطيارين الأمريكيين وخبراء الصيانة ومهندسى الرادار لم يكن اختلاقاً صنعناه من خيالات الوهم، ورميناكم به كذباً وافتراءً، ولكنه كان تقريراً لواقع اعترفتم أنفسكم ببعضه وأنكرتم بعضه الآخر رغم وجود الدليل عليه.

إنكم لم تستطيعوا إنكار وجود عسكريين أمريكيين فى جيش إسرائيل، ورحتم تبررون ذلك بمشكلة الجنسية المزدوجة...

أليس ذلك صحيحاً؟

قال مقاطعاً:

لماذا لم تنشروا بيان وزارة الخارجية الأمريكية الذى قال إن الولايات المتحدة لا تشجع الرعايا الأمريكيين على الخدمة فى الجيوش الأجنبية؟".

قلت له:

نشرناه، ولكنا علقنا عليه وهذا حقنا؛ لأنه تبرير لا يقنع طفلاً فى العالم العربى كله.

ما هى قيمة أنكم لا تشجعون إذا كنتم تتركونه يحدث؟! أنتم إذا كنتم تسحبون جوازات السفر الأمريكية من رعاياكم الذين كانوا يقومون بمجرد زيارة لكوبا!

حين تكون الأمور بالنسبة للشعوب والأمم مسألة حرب، أى مسألة حياة أو موت، فإن العبارات الغامضة من نوع إنكم لا تشجعون تصبح مثاراً للازدراء، ولا يمكن أن تصبح مدعاةً للاحترام!

إن الإمبراطورية البريطانية عندما كانت القوة الأساسية فى معسكر الاستعمار العالمى قبلكم، جربت مثل هذه العبارت الغامضة فى محاولة خديعة الشعوب، وكانت بالحق أكثر منكم براعة وأشد مراساً لكن ذلك لم يجد فى النهاية، ولم يحل دونها ودون الانحلال والانهيار.

لا يبنى مستقبل على مثل هذا اللعب بالألفاظ... المصائر أخطر من أن تعالجها هذه الصياغات الملتوية، يظن أصحابها أنهم بالغون بها ما يريدون بينما هى فى الحقيقة مبتذلة ومستهلكة!

ثم لقد قاطعتنى قبل أن أستكمل ما أريد..

لقد ناقشنا دور العسكريين الأمريكيين فى جيش إسرائيل ولم تنكروه وإنما حاولتم تغطيته بالصياغات الملتوية التى تفيد معنى الاعتراف ولا تفيد معنى الإنكار.

دعنى أنتقل إلى موضوع اشتراك الطيران الإسرائيلى فى مناورة قام بها الأسطول الأمريكى السادس فى البحر الأبيض...

لقد قلت لى أنت الآن إن ذلك لم يحدث..

وأقول لك إنى رأيت بعينى خمس إشارات صدرت عن حاملة الطائرات الأمريكية التى كان معقوداً لها على قيادة المناورات الأمريكية للأسطول السادس فى البحر الأبيض، وكل نصوص هذه الإشارات تقطع باشتراك الطيران الإسرائيلى فى المنطقة.

هل تريدنى أن أكذب ما رأيته بعينى وأصدق ما تقوله أنت الآن... أو ما قالوه لك؟

لا أظنك تختلف معى فى أن الأولى بالتصديق هو ما تراه العين، وليس ما ينقله فلان نقلاً عن فلان...

وأما هجرة بعض الطيارين الأمريكيين وخبراء الصيانة ومهندسى الرادار، فذلك أيضاً نبأ موثوق به، وأنتم لم تتعرضوا له بنفى أو إثبات، واسألهم فى واشنطن عن الحقيقة ولعل واحداً منهم يرد عليك!

هذا - ثانياً - عما نشرناه.

ونجىء الآن إلى ثالثاً وأسألك:

- هل تُرانا نحتاج إلى مثل هذه الوقائع قبل مؤتمر القمة لكى نعبئ ضدكم ونسمم الآبار؟

هناك واقعة واحدة تكفى ضدكم وليست بنا حاجة إلى زيادة عليها لإدانتكم أمام الرأى العام العربى، وهى واقعة لا تقبل المناقشة، وأقصد بها واقعة صفقة طائرات الفانتوم لإسرائيل.

يكفى أن يعرف كل إنسان فى العالم العربى أنكم تسلمون إسرائيل هذه الطائرات التى تعتبر أهم الأسلحة التقليدية فى ترسانتكم الحربية إلى خمس سنوات قادمة قبل أن يسبقها أى طراز آخر - لكى يتأكد أنكم على حد تعبير جمال عبد الناصر فى خطابه أمام مجلس الأمة" تقفون منا فى موقع العدو".

لمن "الفانتوم" التى تعطونها لإسرائيل؟

لا يمكن إلا أن تكون موجهة ضد الأهداف الحيوية البعيدة التى بنتها بالعرق والدم جماهير الأمة العربية من الخليج إلى المحيط.

لمن الفانتوم بمداها الطويل وبحمولة الثمانية أطنان من القنابل للطائرة الواحدة؟

إنها قاذفة مقاتلة بعيدة المدى.

ليست بالقطع صالحة للعمل على الجبهة.. وإنما صلاحيتها البعيدة هى للضرب الإستراتيجى البعيد وراء خطوط القتال.

حينما دخلتم كمورد رئيسى لإسرائيل بالسلاح وذلك بصفقة صواريخ الهوك المضادة للطائرات لم تقم قيامة العالم العربى عليكم.. لقد قلتم إن الصواريخ المضادة للطائرات سلاح دفاعى، تصد به إسرائيل عن نفسها، ولا تستطيع أن تهاجم غير الذين يرسلون طائراتهم للهجوم عليها، ومع ما فى ذلك القول من نسيان أو تناسى للحقوق العربية فإن الأمة العربية سكتت ولم تواصل حملتها عليكم.

لكن الأمر الآن يختلف مع طائرات الفانتوم..

لقد كان كل ما يحيط بهذه الصفقة مزعجاً.

يذهب "أشكول" رئيس الوزراء الإسرائيلى السابق إلى زيارة رئيسكم السابق "ليندون جونسون" ويطلب منه هذه الطائرات، ويستجيب جونسون ولا يصغى لأصوات كثيرة فى الولايات المتحدة نفسها طالبت بأن يعلق استجابته على شرط قبول إسرائيل لقرار مجلس الأمن الصادر فى 22 نوفمبر 1967.

استجاب... وإسرائيل مازالت تتحدى هذا القرار وتحتفظ بأرض عربية احتلتها نتيجة للعدوان..

ثم يقال لنا إن جونسون كان يريد أصوات اليهود لتأييد إعادة ترشيحه مرة ثانية لرياسة الولايات المتحدة.

أو يقال كما اتضح فيما بعد - مما عرف يقيناً عن اجتماع جونسون وأشكول - أن جونسون كان فى ذلك الوقت قلقاً على ميزان المدفوعات الأمريكى وإن قيمة الصفقة كانت إغراءً كبيراً بالنسبة له، وإن "أشكول" جعل هذا الإغراء أكبر من أن يقاوم.

قال جونسون - كما عرف بعد ذلك يقيناً - لأشكول:

- هل تتعهد بإيداع مثل هذا المبلغ فى أمريكا؟

وقال أشكول على الفور بكل الرواسب التى تحملها صورة اليهودى التقليدى:

سيدى الرئيس، ولماذا نتحدث عن الإيداع.. إننا على استعداد للدفع نقداً هنا والآن!

وقبل جونسون مائتى مليون دولار من إسرائيل، وهو يعرف أنها جمعت من تبرعات اليهود فى أمريكا نفسها، ونسى جونسون فى نفس اللحظة أن الولايات المتحدة تحصل سنوياً من أرباح البترول على 2 بليون دولار..!

وقاطعنى من كنت أتحدث معه قائلاً:

- إن جونسون لم يعد رئيساً للولايات المتحدة.

قلت:

- إن نيكسون الذى تولى الرئاسة بعده هو الذى يقوم الآن بتسليم طائرات الفانتوم لإسرائيل.

بدأ التسليم فى شهر يناير الماضى بعشر طائرات.

وفى أكتوبر تسلمت إسرائيل أربعاً أخرى.

وفى كل شهر ومن الآن وحتى ثمانية أشهر قادمة يمضى التسليم بمعدل أربع طائرات كل شهر حتى تستوفى إسرائيل ثمن ما دفعته أو دفعه لها يهود الولايات المتحدة، وعدده خمسون طائرة..

ذلك جرى ويجرى فى عهد نيسكون!".

قال:

- إن نيكسون عرض عليكم عودة العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة والجمهورية العربية المتحدة ولكنكم لم تستجيبوا له.

لقد طلب ذلك بنفسه من الدكتور محمود فوزى حين التقى به فى واشنطن فى شهر مارس من هذه السنة وكان ذلك قبل البدء فى تسليم طائرات الفانتوم لإسرائيل".

قلت:

- أسألك وتجيبنى بأمانة، هل يمكن لعودة العلاقات الدبلوماسية بيننا - أن تؤثر على تسليم الفانتوم لإسرائيل؟".

قال:

لكى أكون أميناً: لا أظن!".

قلت:

- إذن هل تستطيع أن تتصور الموقف الذى كان يمكن أن ينشأ فى هذه الحالة؟

نعيد العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة فى يوم... وفى اليوم التالى تقوم الولايات المتحدة بتسليم إسرائيل سلاحاً لا يمكن أن يكون مقصوداً به غير ضرب شعبنا، والأهداف التى بناها خلال سنوات شاقة من العمل، والتضحية".

قال:

- إن الاتحاد السوفيتى هو المسئول عن ذلك!".

قلت:

- هل أستطيع أن أعرف كيف؟ ".

قال:

- لقد قلنا للسوفييت إننا سوف نتردد فى إدخال سلاح مثل الفانتوم إلى منطقة الشرق الأوسط إذا هم وافقوا معنا على حظر إرسال سلاح إلى المنطقة".

قلت:

أنت تدارى السوء بما هو أسوأ.. تبرر الخطيئة بالخطيئة!...

أن تشترطوا على السوفيت وقف إرسال السلاح إلينا، وأنتم تعلمون أننا فقدنا ما كان لدينا منه - فمعنى ذلك أنكم تطلبون إبقاءنا عزلاً من السلاح فى وجه عدو مدجج بالسلاح فضلاً عن أن يكون هذا العدو بالاحتلال رابضاً على أقدس بقاع من أراضينا!

ألا ترى ذلك؟

تؤيدون العدوان... وتحرموننا حتى من إمكانية الدفاع عن النفس!!".

قال:

- ليس صحيحاً أننا نؤيد العدوان؛ وإنما نحن نحاول بكل الوسائل إيجاد حل سلمى.

لقد قدمنا سلسلة من المشروعات التى تستهدف إيجاد حل سلمى، قدمنا مشروعاً من سبع نقط، ثم قدمنا مشروعاً من ثلاث عشرة نقطة، ثم قدمنا مشروعاً من أربع عشرة نقطة، وأخيراً قدمنا مشروعاً من عشر نقط، نعتقد أننا اقتربنا فيه كثيراً، من وجهة نظركم!".

قلت:

- أى اقتراب من وجهة نظرنا بدا فى مشروعكم الأخير؟".

قال:

- لقد نص المشروع لأول مرة على انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضى المصرية وحتى حدود مصر الدولية قبل سنة 1948 وأنت تعرف أن الإسرائيليين لهم مطامع فى أجزاء من شبه جزيرة سيناء وكان ديان يتحدث عن خط يمتد من العريش فى شمال سيناء إلى رأس محمد عند الطرف الجنوبى من شبه الجزيرة، وخطته أن يضم ما هو شرقى هذا الخط إلى إسرائيل، ومشروعنا الجديد يعنى أننا لا نعترف لديان بذلك الحق".

قلت:

- شكراً، ولكننى لا أعتبر أن شبراً من الأراضى المصرية يمكن أن يكون مصيره معلقاً بمشروعات ديان، وبموافقتكم أو عدم موافقتكم عليها.

هناك شعب حمى هذه الأرض منذ الأزل وسيظل يحميها إلى الأبد.

وليست هذه عبارة إنشاء ولكنها عبارة تاريخ طويل.

ومع ذلك فإن ما نقوله عن المشروع الجديد حتى فى هذه النقطة ليس دقيقاً.

إن المشروع الجديد فعلاً يتحدث عن انسحاب إلى حدود مصر الدولية قبل سنة 1948، ولكنه يشير إلى ضرورة وجود اتفاق مصرى - إسرائيلى حول تدابير الملاحة فى شرم الشيخ.

معنى ذلك بنص المشروع الأمريكى أن السيادة على أرض مصرية يمكن أن تكون موضع مساومة.

وهكذا ترى اختلافنا فى تقدير قيمة المقترحات الأمريكية الجديدة: أنت تراها فى هذه النقطة مكرمة تهدى لنا، وأنا أراها إهانة توجه إلينا!

أن تصبح بقعة من التراب المصرى موضع مساومة!

ومع ذلك مرة أخرى فليس هذا أسوأ ما فى المشروع الأمريكى الجديد.

السوء الأعظم فيه أنه مازال يحاول أن يفصل بين قضية احتلال بقعة من التراب المصرى، وقضايا احتلال بقاع أخرى من الأرض العربية أقصد القدس وغزة والضفة الغربية، والمرتفعات السورية.

كيف تتصور ذلك ومثله ممكناً؟!

إن الموقف المصرى جزء من موقف عربى عام، ولا يمكن أن يكون شيئاً غير ذلك.

والتراب المصرى جزء من أرض عربية، ولا يمكن أن يكون شيئاً غير ذلك.

والشعب الفلسطينى جزء من الأمة العربية، وجزء من الأرض العربية ولا يمكن أن يكون غير ذلك!.

قال:

هل تعرف؟.. إن بعضهم يشبهون موقف مصر من مشروعات حل الأزمة بموقف بعض ناقدى الدراما.

يجلسون فى مقاعدهم، ويشاهدون رواية بعد رواية، وتكون أحكامهم بالرفض.

هذه الرواية ركيكة.

هذه الرواية مفككة فى حوارها.