سمران المطيري
01-01-2010, 03:25 PM
هذه الحادثة أرويها لكم وهي من الحوادث التي حدثت لي ولازلت أتذكرها وأتدارسها إلى يومنا هذا , وكم نفعتني وزادتني حرصاً فوق حرص , في سنة 2002 عرض علي أبو شليويح صديقي المصلفح أن نرتحل إلى العمرة مع بعض الرفاق , فقبلت العرض ومضينا مسافرين , وكنَّا على الهايلكس مسرعين نحو بيتٍ تتوق له الأنفس وتشتاق له القلوب وتذوب فيه الأرواح , كيف لا ! ورافع القواعد له إبراهيم وابنه عليهما السلام , ومن فوقه البيت المعمور !
مضينا فوصلنا واعتمرنا ليلاً , وعدنا لمسكننا الذي كان بالقرب من بيت الله الحرام , فنأتيه راجلين لا راكبين , فناموا وبقيت أنا , وفي آخر الليل قلت في نفسي سأخرج للمسجد وأجلس فيه حتى الفجر , فأصلي وأنتظر شروق الشمس ثم أعود , فخرجت ومشيت متوجهاً للمسجد , وإذ بكهلٍ ولحيته البيضاء ممتدة على ثوبه, فنظرت له وإذ بهِ أعمى يُريد عبور الشارع وبيده عصاه يتفقد بها الطريق , فذهبت إليه وأمسكت بيديه , وعرضت عليه خدماتي , فقال أريد الذهاب للحرم , فقلت على الرحب والسعة فهو طريقي , فشكرني وأثنى , فتبادلنا الأحاديث التي لا بد منها ( من أين أنت ؟ كيف حالك ؟ وهكذا ) فعرفت أنه من أهل مكة , ثم وضع يده على وجهي , وإذ به يلمس لحيتي ثم قال : ماشاء الله ! أنت ملتحي ! هل حفظت القرآن ؟ هل حفظت متن عمدة الفقه لابن قدامة ؟ هل درست منار السبيل ؟ هل .......... وكنت في كل سؤالٍ يسألني أقول : لا ... لا ... لا ... وكان وجهي يزداد احمراراً وعلى الرغم من كوني أعلم أنه لا يراني إلا أني كنت أجيبه وأصد بوجهي عنه حياءً ؟
فأردت أن أرد لهُ الصاع صاعين , فقلت لهُ هل تحفظ أنتَ كل تلك الكتب والمتون ؟ فقال : نعم !!
ثم جلست أبحث عن سؤالٍ آخر فوجدت سؤالاً وليتني لم أسأل هذ السؤال ! فقلت له : أين الأبناء يا أبي ؟ أين هم يعينونك ويهتمونك بك ويرعونك ؟ فسكت ولم يرد , ومضت ثواني وهو صامت وخيِّم عليه الصمت , وأحسست بأنَّ وجهه قد تبدل وبدأ الوجوم يخيِّم عليه , واستحضر مشاعراً في وجهه عميقة في حزنها وألمها , ثم قال : أسأل الله أن ينتقم منهم ؟ فاقشعر بدني واهتزت جوانحي وارتعدت روحي بين أضلعي , فوجلت وخفت , فتخيلوا معي يا قرَّاء ! في آخر الليل , ودعوة والد ! بل ودعوة مظلوم ! وعند الحرم , والداعي أعمى ومحتاج ! كيف ستكون الإجابة ! فعرفت وأيقنت بأنَّ أولئك الأبناء في هلاك إن لم يُدركوا أنفسهم .
وأقول من هنا يا قرَّاء :
كم من شابٍ يحد النظر في وجه أبيه ! وكم من شابٍ ينفض ثيابه في وجه أبيه ! وكم من شابٍ يمشي أمام أبيه والأب خلفه بلا وقار واحترام ! وكم من شابٍ يتحدث مع أبيه وكأنه يتحدث مع رجل الشارع فيزدري ويتهكم ويستهزئ ويحقِّر من القول ويرفع من الصوت !
والله الذي لا إله إلا هو , لقد سمعت بأم وبنت وعمة أذني مقالاتٍ عدة في مراجعاتي في المستشفيات , أقلها , وأقول أقلها وأدناها ( يا يبه أنت فضحتنا إمش يلا - يا يمه أنتي فضحتيني إمشي يلا ) وهذه أدنى عبارة ممكن أن تُقال ! بُعداً وسُحقاً ومقتاً لهم حتى قيام الساعة !
كان ابن عبَّاس رضي الله عنه يقول : لا أرى مكفراتٍ للمعاصي مثل بر الوالدين !
وكان أحد السلف يقول : والله لم أصعد فوق سطح بيتي وأمي فيه !
وكان أحد السلف يقول : والله لو سألتموني عن وجه أمي لصعب علي وصفه , فإني لم أُحِدَّ النظر يوماً في وجهها !
هذه مشاهدهم ومواقفهم مع آبائهم , أما مواقفنا , فمخزية ومحرجة ومعيبة , فقد صبرت الأم ومسحت الأذى بيدها وأنت فاقد الإستطاعة , وأطعمتك وأنت لا تطعم نفسك , وألبستك وكستك وأنت عاري , والآن البعض منا تتصل بهِ أمه وهو يتكلم مع سلتوح من سلاتيحه فنشغل عن أمه مع رفاقه السلاتيح أو السلتوحات ! فهل هذا يُعقل ! وهل هذا مقبول يا أولي الألباب ! فمثل هذا يُشتم ويُطرد ولا كرامة .
إن الأب والأم خير , فمن حُرم خيرهما فقد حُرم , ومن استغنى عن برهما فقد استغنى عن خير كثير , وقد أورد نفسه المهالك , وقرَّب نفسه من النار , وأبعد نفسه عن الجنَّة , وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم { رغم أنفه , رغم أنفه , ارغم أنفه , من أدرك أبويه أحدهما أو كلاهما , فلم يدخل بهما الجنة } ورغم أنفه أي مرِّغ أنفه في التراب .
البعض منَّا لا يريد الصبر على التعب والنصب من أجلهما , يُريد حياته كلها مزهرة ومزدهرة ومرتاح البال ومنشرح الصدر , لا يُريد إزعاج المراجاعات الطبية لهما , ولا يُريد تلبية حوائجهما واحتوائهما , يُريد السكينة ولإستقرار , يُريد فقط أن ينشغل مع الكدَّاشة زوجته المصونة , هنا فقط يصبر على الأذى , ويصبر على التعب والنصب , بل يصبر على السياط والجلد والصلب , وكل ذلك من أجل الكدَّاشة الزوجة المصونة , ولم يعلم أنها بئس العشير لإغفالها حق أبويه
ناهيك عن قطعه المسافات من أجل القرين والرفيق , بل ويبذل ماله ونفسه فداءً له , والمال عند الأبوين شحيح , فهو أشح من مادر عندهما .
هذه كلمات مختصرات أسوقها لكم , وإلا فإن المقام ليطول في ذلك , ولكني أكتفي فيما سبق , فمن وجد خيراً فليحمد الله , ومن رأى أنه على شر فلا يلومنَّ إلا نفسه , وسمران يحييكم
مضينا فوصلنا واعتمرنا ليلاً , وعدنا لمسكننا الذي كان بالقرب من بيت الله الحرام , فنأتيه راجلين لا راكبين , فناموا وبقيت أنا , وفي آخر الليل قلت في نفسي سأخرج للمسجد وأجلس فيه حتى الفجر , فأصلي وأنتظر شروق الشمس ثم أعود , فخرجت ومشيت متوجهاً للمسجد , وإذ بكهلٍ ولحيته البيضاء ممتدة على ثوبه, فنظرت له وإذ بهِ أعمى يُريد عبور الشارع وبيده عصاه يتفقد بها الطريق , فذهبت إليه وأمسكت بيديه , وعرضت عليه خدماتي , فقال أريد الذهاب للحرم , فقلت على الرحب والسعة فهو طريقي , فشكرني وأثنى , فتبادلنا الأحاديث التي لا بد منها ( من أين أنت ؟ كيف حالك ؟ وهكذا ) فعرفت أنه من أهل مكة , ثم وضع يده على وجهي , وإذ به يلمس لحيتي ثم قال : ماشاء الله ! أنت ملتحي ! هل حفظت القرآن ؟ هل حفظت متن عمدة الفقه لابن قدامة ؟ هل درست منار السبيل ؟ هل .......... وكنت في كل سؤالٍ يسألني أقول : لا ... لا ... لا ... وكان وجهي يزداد احمراراً وعلى الرغم من كوني أعلم أنه لا يراني إلا أني كنت أجيبه وأصد بوجهي عنه حياءً ؟
فأردت أن أرد لهُ الصاع صاعين , فقلت لهُ هل تحفظ أنتَ كل تلك الكتب والمتون ؟ فقال : نعم !!
ثم جلست أبحث عن سؤالٍ آخر فوجدت سؤالاً وليتني لم أسأل هذ السؤال ! فقلت له : أين الأبناء يا أبي ؟ أين هم يعينونك ويهتمونك بك ويرعونك ؟ فسكت ولم يرد , ومضت ثواني وهو صامت وخيِّم عليه الصمت , وأحسست بأنَّ وجهه قد تبدل وبدأ الوجوم يخيِّم عليه , واستحضر مشاعراً في وجهه عميقة في حزنها وألمها , ثم قال : أسأل الله أن ينتقم منهم ؟ فاقشعر بدني واهتزت جوانحي وارتعدت روحي بين أضلعي , فوجلت وخفت , فتخيلوا معي يا قرَّاء ! في آخر الليل , ودعوة والد ! بل ودعوة مظلوم ! وعند الحرم , والداعي أعمى ومحتاج ! كيف ستكون الإجابة ! فعرفت وأيقنت بأنَّ أولئك الأبناء في هلاك إن لم يُدركوا أنفسهم .
وأقول من هنا يا قرَّاء :
كم من شابٍ يحد النظر في وجه أبيه ! وكم من شابٍ ينفض ثيابه في وجه أبيه ! وكم من شابٍ يمشي أمام أبيه والأب خلفه بلا وقار واحترام ! وكم من شابٍ يتحدث مع أبيه وكأنه يتحدث مع رجل الشارع فيزدري ويتهكم ويستهزئ ويحقِّر من القول ويرفع من الصوت !
والله الذي لا إله إلا هو , لقد سمعت بأم وبنت وعمة أذني مقالاتٍ عدة في مراجعاتي في المستشفيات , أقلها , وأقول أقلها وأدناها ( يا يبه أنت فضحتنا إمش يلا - يا يمه أنتي فضحتيني إمشي يلا ) وهذه أدنى عبارة ممكن أن تُقال ! بُعداً وسُحقاً ومقتاً لهم حتى قيام الساعة !
كان ابن عبَّاس رضي الله عنه يقول : لا أرى مكفراتٍ للمعاصي مثل بر الوالدين !
وكان أحد السلف يقول : والله لم أصعد فوق سطح بيتي وأمي فيه !
وكان أحد السلف يقول : والله لو سألتموني عن وجه أمي لصعب علي وصفه , فإني لم أُحِدَّ النظر يوماً في وجهها !
هذه مشاهدهم ومواقفهم مع آبائهم , أما مواقفنا , فمخزية ومحرجة ومعيبة , فقد صبرت الأم ومسحت الأذى بيدها وأنت فاقد الإستطاعة , وأطعمتك وأنت لا تطعم نفسك , وألبستك وكستك وأنت عاري , والآن البعض منا تتصل بهِ أمه وهو يتكلم مع سلتوح من سلاتيحه فنشغل عن أمه مع رفاقه السلاتيح أو السلتوحات ! فهل هذا يُعقل ! وهل هذا مقبول يا أولي الألباب ! فمثل هذا يُشتم ويُطرد ولا كرامة .
إن الأب والأم خير , فمن حُرم خيرهما فقد حُرم , ومن استغنى عن برهما فقد استغنى عن خير كثير , وقد أورد نفسه المهالك , وقرَّب نفسه من النار , وأبعد نفسه عن الجنَّة , وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم { رغم أنفه , رغم أنفه , ارغم أنفه , من أدرك أبويه أحدهما أو كلاهما , فلم يدخل بهما الجنة } ورغم أنفه أي مرِّغ أنفه في التراب .
البعض منَّا لا يريد الصبر على التعب والنصب من أجلهما , يُريد حياته كلها مزهرة ومزدهرة ومرتاح البال ومنشرح الصدر , لا يُريد إزعاج المراجاعات الطبية لهما , ولا يُريد تلبية حوائجهما واحتوائهما , يُريد السكينة ولإستقرار , يُريد فقط أن ينشغل مع الكدَّاشة زوجته المصونة , هنا فقط يصبر على الأذى , ويصبر على التعب والنصب , بل يصبر على السياط والجلد والصلب , وكل ذلك من أجل الكدَّاشة الزوجة المصونة , ولم يعلم أنها بئس العشير لإغفالها حق أبويه
ناهيك عن قطعه المسافات من أجل القرين والرفيق , بل ويبذل ماله ونفسه فداءً له , والمال عند الأبوين شحيح , فهو أشح من مادر عندهما .
هذه كلمات مختصرات أسوقها لكم , وإلا فإن المقام ليطول في ذلك , ولكني أكتفي فيما سبق , فمن وجد خيراً فليحمد الله , ومن رأى أنه على شر فلا يلومنَّ إلا نفسه , وسمران يحييكم