الموسوي
10-01-2010, 08:09 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
ومِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ الروم /22
صدق الله العلي العظيم
انطلاقا من الآية المباركة نتحدث في نقاط ثلاث :
1- تفسير الاية المباركة
2- بيان الهدف من الاختلاف
3- التعامل الموضوعي مع الاختلاف
تفسير الاية المباركة :
ومن آياته ( الدالة على قدرته وابداعه ) شيئان الأول ( ومن آياته خلق السموات والارض ) بما يضم هذا النظام الكوني من عجائب دقيقة ومن فن رائع والثاني هو ( اختلاف السنتكم والوانكم ) توجد ثلاث أراء في معنى الالسن والالوان .
معنى اختلاف الالوان تفسيرات ثلاث :
الأول : هو التفسير الظاهري هو لا تجد شخصين حتى لو كانا توأم يتساويان بدرجة اللون تماما ولو كان اختلافا ضئيلا ويحتاج الى تدقيق لمعرفته .
الثاني : ان المراد بالالوان هي ( الصور ) لا ( الشكل ) هو اختلاف صوركم كما قال تعالى ( وصوركم فاحسن صوركم ) وكما قال ( في اي صورة ما شاء ركبك ) ( ويصوركم في الارحام ) فالاختلاف في معالم الوجه وقسماته حتى لو كانا توأم تجد بينهما اختلاف فاختلاف الصور هو المراد باختلاف الالوان .
الثالث : ان المراد باختلاف الالوان ليست مسألة شكل وصورة بل أعمق من ذلك بمعنى ( اختلاف الدم ) والحامض الكيميائي الذي يميز هذا الدم من غيره من الدماء , مثال : كما هو متعارف في مجال علم التشريح فاذا شككنا بأنا هذا ابن فلان أم لا , فيفحص دمه من خلال فحص الحامض الكيميائي نتوصل انه ابن فلان أم لا , او اذا اصيب شخص بحادث احتراق او تحطم ولم يعرف شكله وتلف بنيته فيحدد عن طريق فحص دمه فيعرف من هو .. فالمسألة وراء اختلاف اللون و وراء اختلاف الصورة فيوجد اختلاف اعمق وهو اختلاف الدم وفصيلته وما يتقوم به هذا الجسد عن غيره وهذا الاختلاف في الاساس الذي يتم عليه التمييز .
( ومن آياته ... واختلاف السنتكم ) المراد من الالسن في تفسيرات ثلاث :
الأول :المقصود هو اختلاف طريقة النطق , فعندما انطق يختلف عن نطق الآخر , فالتحدث عن فكرة تختلف طريقة الحديث عن الفكرة ولو كان الشخصين توأمان يختلفان في طريقة الحديث والنطق وتوصيل المعلومة .
الثاني : المقصود هو اختلاف اللغات , لغة عربية وفارسية وفرنسية وانجليزية فكل لغة لها اصول معيّنة تنطلق منها تفاصيل اللغة لهذا تجد علم اجتماع اللغة يقول لك ما هو منشأ اللغة وكيف نشات عند الانسان , يذكرون نظرتين الأولى أن منشأ اللغات هي ( الحاجة الاجتماعية ) فلأن الانسان يحتاج الى التواصل مع البشر فاحتاج الى اللغة فكما أن الانسان اخترع وسائل الاتصال والنقل اخترع اللغة فهي أداة التحاور والتفاهم ونقل الفكر للآخر واستيعاب واستقبال الفكر من الآخر ( ارسال واستقبال ) و( الحاجة ام الاختراع ) والنظرية الثانية تقول أن اللغة ( الهام الهي ) فكل مجموعة من البشر الهمهم الله تعالى اصول اللغة , فهي ترجع الى نظرية الالهام الالهي لا الى الحاجة , علماء النظرية الثانية يستندون الى الآية ( من آياته ) اي الله سبحانه وتعالى أنه جعلكم تختلفون في اللغات ومصدره هو الرب الكريم .
الثالث ( دقيق جدا ) : ليس هو طريقة النطق ولا اختلاف اللغات المقصود فيه ( طريقة التفكير ) شرح
علماء الاجتماع في علم اجتماع اللغة يذكرون أن طريقة التفكير عند الانسان طريقة ( لغوية ) وليست طريقة ( تجرديّة ) , يعني الانسان لا يستطيع ان يفكر في المعلومات دون استخدام رموز ( استحالة ) , فعندما تريد ان تفكر في الكويت وجب ان يكون لديك لفظ ( كويت ) كي تفكر فيها , فطريقة تفكير الانسان طريقة ( رمزية – لغوية ) ولا يستطيع أن يفكر تفكير ( تجريدي ) لماذا ؟
لقوله تعالى ( والله اخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ) فكيف نعلم شي ؟ الجواب ( وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ) فالانسان خرج من بطن أمه لا يعلم شي فاكتسبها من الحواس وهي من نقلت المعلومات لذهن الانسان بدأ الانسان يفكك بين المعلومات المتأصلة والمعلومات الانتزاعية ويميّز بينها بين البديهيات والنظريات بعد أن ( أخذ المعلومات عن طريق الحس ) بدأ العقل بالتحرك , فأول عمل قام به الانسان منذ ولادته هو ( الاحساس ) سمع صوت أمه وهنا نكتة جميلة أن أول حاسة تعمل هي السمع وآخر حاسة تنتهي هي السمع لهذا كانت الأولى بالآية ليست ( اعتباطا ) بل محكمة .. وبما أنه استفاد المعلومات من الخارج وجاءت عن طريق الحواس وعن طريق ( الرموز ) سواء صورة أو صوت , فأنت تحتفظ بهذا المعلومات عن طريق الرموز وعملية الاستنتاج تتم عن طريق الرموز أيضا , فلا يمكن لعقلك أن يصنع مقدمات ويذهب للنتائج الا ( بالرموز ) فطريقة التفكير هي طريقة ( رمزيّة ) وليست ( تجريديّة ) وهذا ما أشار اليه القران الكريم ( الرحمن ..... علمه البيان ) فطريقة التفكير طريقة ( بيانيّة ) رمزيّة .. حركة ضمن اطار اللغة ولذلك تجد الفلاسفة يقولون أن الانسان ( حيوان ناطق ) لأن الانسان يشترك مع سائر الحيوانات في الاحساس والحركة الارادية والنمو أما الناطق فهو يعني طريقة التفكير , فعقلك برمج على التفكر عن طريق الالفاظ والرموز .
وهنا يتضح تفسير هذه الآية ( ومن آياته .... اختلاف السنتكم ) ايّ طرق التفكير فاستحالة أن تجد شخصين يتفقون بالتفكير , لأن اختلاف البيئة والتربية و القدرة الذهنية والبنية التي يعيش عليها الانسان يفرض اختلاف التفكير , فالبشر جميعا يختلفون في طرق التفكير .
النقطة الثانية في الحديث ( لماذا جعل الله تعالى الاختلاف ؟ ) ما الهدف ( ولا يزالون مختلفين ) آية ..
الهدف هو بناء المجتمع , لولا اختلاف البشر لما بني المجتمع , وعلماء الاجتماع يقولون أن بذرة المجتمع هي ( نظرية الاستخدام ) كيف ؟ لو أن الله تبارك وتعالى اعطى لكل انسان قدرة مطلقة لاستغنى الانسان عن الآخر ( الانسان ليطغى ... ان رآه استغنى آية ) فشاءت حكمة الله تعالى أن يختلف البشر فهذا يملك قدرة لسانية وآخر عقلية وآخر ماديّة جسمية , ووزع المواهب والقدرات لكي يحتاج كل للآخر .. واذا لم يحتاج الفرد للآخر لما قام المجتمع وما قام الكيان الاجتماعي ( نظرية الحاجة – الاستخدام ) , كاحتياج المنهدس والطبيب والمعلم وهكذا .. هذا ما قال به القرآن الكريم وما يقر به علماء الاجتماع .
ما هو مضمون الآية الكريمة ( نحن قسمنا بينهم معيشته في الحياة الدنيا ... ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) ووزعنا الأرزاق والقدرات بطريقة مختلفة ليتخذ بعضهم بعضا .. فالهدف هو بناء الكيان الاجتماعي ولو تساووا لما قام ..
آية ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع ومساجد ) .. بعضهم يقول الحروب ليس هذا المعنى , المقصود بالدفع هو الحد , فكل انسان يحد من قدرة غيره , فلو أعطى الله تعالى قدرة مطلقة لسحق الكل ( ليطغى ) فكل انسان يحد قدرة الآخر حتى لا يطغى ولمنع الفساد جعل كل من البشر محدود من البشر اللآخر ..
النقطة الثالثة والآخيرة
الاختلاف أمر طبيعي ( لا يزالون مختلفين ) اختلاف البشر في الدين والمذهب وطرق التفكير واساليب العمل والأفكار والآراء أمر طبيعي جدا . ومن آياته ( الاختلاف ) فالاختلاف بطرق التفكير هو ما يؤدي الى الاختلاف بالأمور السابقة , فالمسألة كيف نتعامل مع الاختلاف ؟
أولا مع الاسف أننا قساة فان اختلفنا نقسوا , فالتعددية ليست مقبولة لدينا ولا نحتملها , فنحن لا نريد سوى أنا أما أنت فمصادر فنحن لا نتحمل شي اسه انا وانت , فقط أنا ,, فلو اختلفنا بالرأي والفكر نتعدى على القوانين الطبيعيّة والمجعولة والالهية , فألغيك من الوجود لانك تختلف معي في الرأي والفكر والدين , فهذه القسوة هي سبب تخلفنا نحن المسلمين , لاننا نعيش حالة تخلف وعدم استعداد في التفكير بالأهداف العامة والعليا المشتركة التي تجمعنا , دائما ينصب تفكيرهنا بالهدف الخاص القصير وليس هناك بعد نظر للأهداف العليا والمشتركة , لهذا نحن نعيش حالة قسوة وحدّة بين الشيعة الاماميّة أنفسهم , والمذاهب الاسلامية والدول الاسلامية كذلك , وهذا الاختلاف يتعدى الاطار الانساني ويصل الى اسلوب القسوة والعنف والحدة , فنحن نصفي الآخر لكي نعيش وحدنا ولا نريد أن نستفيد من التجارب الآخرى بل نكررها ؟!
بينما لو رجعنا لأهل البيت عليهم السلام لوجدنا خطوات وجهود مبذولة لعلاج الاختلاف :
1- حسن الظن , فالنصوص والأحاديث الشريفة تحث على حسن الظن ( ان بعض الظن اثم ) و ( احمل اخاك المؤمن على سبعين محمل من الخير ولا تظنن بكلمة صدرت من أخيك سوءا وانت تجد لها في الخير سبيلا أمير المؤمنين ) و ( النبي من اتهم اخاه المؤمن ... ) فلو كنا نعيش أجواء حسن الظن لما وصلنا الى القسوة والوحشية والغاء الآخر . وعشنا حالة الاختلاف في الرأي .
2- عدم التجسس و تتبع العورات . فبعضنا مجرّد وجود علامة استفهام على شخص يحاول ان يتتبعه ويستخلص مجموعة من العيوب والأخطاء عنه , ويعيش دائما حالة التتبع والتحقيق في اسلوب وحياة الآخرين وهذا يتنافى مع روح الاسلام ( ولا تجسسوا ... ) وورد عن النبي ^ ( من تتبع عورة أخيه المؤمن تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في بيته ) أمير المؤمنين ( رحم الله عبدا اشتغل في عيبه عن عيوب الناس ) , بدلا من التركيز على عيوب الآخرين وجب التركيز على عيوبه .
3- عدم الاعتداء على الآخر . ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر وحرمة ماله كحرمة دمه وأكل لحمه معصية النبي ) .
4- الحوار ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) فأئمتنا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين حاوروا حتى أعداءهم , ( الامام الباقر مع ابن ابي العوجاء الملحد ) فيحاوره الامام حوار علمي هادئ كذلك الامام الحسن الزكي # اعترض عليه اناس من شيعته فاحتضنهم واستوعبهم وبيّن لهم ولم يلغيهم واهم أقرب الناس اليه واعترضوا عليه وكذبّوه واتهموه فاقنعهم بصحّة طريقه فتابوا ورجعوا . الامام الحسين # في ليلة العاشر بعث رسول الى عمر بن سعد يريد أن يحاوره ويناقشه ويأتي عمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن والامام الحسين # مع ولده وأخيه ويجلسون ويتناقشون ويحاورونه في ليلة العاشر ( مع حسوم المسألة ) لكن فتح باب الحوار وبيّن خطأ طريقهم ومعصيتهم الى أن بلغ أن كتب عبيد الله بن زياد ( اذا قتلت الحسين فأوطئ الخيل صدره وبطنه ) فاشارة واضحة الى القسوة والعنف والغاء الآخر .
من محاضرات العلامة السيد منير الخباز حفظه الله , بصياغتي دون الاخلال بالفكرة الرئيسية .
ومِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ الروم /22
صدق الله العلي العظيم
انطلاقا من الآية المباركة نتحدث في نقاط ثلاث :
1- تفسير الاية المباركة
2- بيان الهدف من الاختلاف
3- التعامل الموضوعي مع الاختلاف
تفسير الاية المباركة :
ومن آياته ( الدالة على قدرته وابداعه ) شيئان الأول ( ومن آياته خلق السموات والارض ) بما يضم هذا النظام الكوني من عجائب دقيقة ومن فن رائع والثاني هو ( اختلاف السنتكم والوانكم ) توجد ثلاث أراء في معنى الالسن والالوان .
معنى اختلاف الالوان تفسيرات ثلاث :
الأول : هو التفسير الظاهري هو لا تجد شخصين حتى لو كانا توأم يتساويان بدرجة اللون تماما ولو كان اختلافا ضئيلا ويحتاج الى تدقيق لمعرفته .
الثاني : ان المراد بالالوان هي ( الصور ) لا ( الشكل ) هو اختلاف صوركم كما قال تعالى ( وصوركم فاحسن صوركم ) وكما قال ( في اي صورة ما شاء ركبك ) ( ويصوركم في الارحام ) فالاختلاف في معالم الوجه وقسماته حتى لو كانا توأم تجد بينهما اختلاف فاختلاف الصور هو المراد باختلاف الالوان .
الثالث : ان المراد باختلاف الالوان ليست مسألة شكل وصورة بل أعمق من ذلك بمعنى ( اختلاف الدم ) والحامض الكيميائي الذي يميز هذا الدم من غيره من الدماء , مثال : كما هو متعارف في مجال علم التشريح فاذا شككنا بأنا هذا ابن فلان أم لا , فيفحص دمه من خلال فحص الحامض الكيميائي نتوصل انه ابن فلان أم لا , او اذا اصيب شخص بحادث احتراق او تحطم ولم يعرف شكله وتلف بنيته فيحدد عن طريق فحص دمه فيعرف من هو .. فالمسألة وراء اختلاف اللون و وراء اختلاف الصورة فيوجد اختلاف اعمق وهو اختلاف الدم وفصيلته وما يتقوم به هذا الجسد عن غيره وهذا الاختلاف في الاساس الذي يتم عليه التمييز .
( ومن آياته ... واختلاف السنتكم ) المراد من الالسن في تفسيرات ثلاث :
الأول :المقصود هو اختلاف طريقة النطق , فعندما انطق يختلف عن نطق الآخر , فالتحدث عن فكرة تختلف طريقة الحديث عن الفكرة ولو كان الشخصين توأمان يختلفان في طريقة الحديث والنطق وتوصيل المعلومة .
الثاني : المقصود هو اختلاف اللغات , لغة عربية وفارسية وفرنسية وانجليزية فكل لغة لها اصول معيّنة تنطلق منها تفاصيل اللغة لهذا تجد علم اجتماع اللغة يقول لك ما هو منشأ اللغة وكيف نشات عند الانسان , يذكرون نظرتين الأولى أن منشأ اللغات هي ( الحاجة الاجتماعية ) فلأن الانسان يحتاج الى التواصل مع البشر فاحتاج الى اللغة فكما أن الانسان اخترع وسائل الاتصال والنقل اخترع اللغة فهي أداة التحاور والتفاهم ونقل الفكر للآخر واستيعاب واستقبال الفكر من الآخر ( ارسال واستقبال ) و( الحاجة ام الاختراع ) والنظرية الثانية تقول أن اللغة ( الهام الهي ) فكل مجموعة من البشر الهمهم الله تعالى اصول اللغة , فهي ترجع الى نظرية الالهام الالهي لا الى الحاجة , علماء النظرية الثانية يستندون الى الآية ( من آياته ) اي الله سبحانه وتعالى أنه جعلكم تختلفون في اللغات ومصدره هو الرب الكريم .
الثالث ( دقيق جدا ) : ليس هو طريقة النطق ولا اختلاف اللغات المقصود فيه ( طريقة التفكير ) شرح
علماء الاجتماع في علم اجتماع اللغة يذكرون أن طريقة التفكير عند الانسان طريقة ( لغوية ) وليست طريقة ( تجرديّة ) , يعني الانسان لا يستطيع ان يفكر في المعلومات دون استخدام رموز ( استحالة ) , فعندما تريد ان تفكر في الكويت وجب ان يكون لديك لفظ ( كويت ) كي تفكر فيها , فطريقة تفكير الانسان طريقة ( رمزية – لغوية ) ولا يستطيع أن يفكر تفكير ( تجريدي ) لماذا ؟
لقوله تعالى ( والله اخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ) فكيف نعلم شي ؟ الجواب ( وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ) فالانسان خرج من بطن أمه لا يعلم شي فاكتسبها من الحواس وهي من نقلت المعلومات لذهن الانسان بدأ الانسان يفكك بين المعلومات المتأصلة والمعلومات الانتزاعية ويميّز بينها بين البديهيات والنظريات بعد أن ( أخذ المعلومات عن طريق الحس ) بدأ العقل بالتحرك , فأول عمل قام به الانسان منذ ولادته هو ( الاحساس ) سمع صوت أمه وهنا نكتة جميلة أن أول حاسة تعمل هي السمع وآخر حاسة تنتهي هي السمع لهذا كانت الأولى بالآية ليست ( اعتباطا ) بل محكمة .. وبما أنه استفاد المعلومات من الخارج وجاءت عن طريق الحواس وعن طريق ( الرموز ) سواء صورة أو صوت , فأنت تحتفظ بهذا المعلومات عن طريق الرموز وعملية الاستنتاج تتم عن طريق الرموز أيضا , فلا يمكن لعقلك أن يصنع مقدمات ويذهب للنتائج الا ( بالرموز ) فطريقة التفكير هي طريقة ( رمزيّة ) وليست ( تجريديّة ) وهذا ما أشار اليه القران الكريم ( الرحمن ..... علمه البيان ) فطريقة التفكير طريقة ( بيانيّة ) رمزيّة .. حركة ضمن اطار اللغة ولذلك تجد الفلاسفة يقولون أن الانسان ( حيوان ناطق ) لأن الانسان يشترك مع سائر الحيوانات في الاحساس والحركة الارادية والنمو أما الناطق فهو يعني طريقة التفكير , فعقلك برمج على التفكر عن طريق الالفاظ والرموز .
وهنا يتضح تفسير هذه الآية ( ومن آياته .... اختلاف السنتكم ) ايّ طرق التفكير فاستحالة أن تجد شخصين يتفقون بالتفكير , لأن اختلاف البيئة والتربية و القدرة الذهنية والبنية التي يعيش عليها الانسان يفرض اختلاف التفكير , فالبشر جميعا يختلفون في طرق التفكير .
النقطة الثانية في الحديث ( لماذا جعل الله تعالى الاختلاف ؟ ) ما الهدف ( ولا يزالون مختلفين ) آية ..
الهدف هو بناء المجتمع , لولا اختلاف البشر لما بني المجتمع , وعلماء الاجتماع يقولون أن بذرة المجتمع هي ( نظرية الاستخدام ) كيف ؟ لو أن الله تبارك وتعالى اعطى لكل انسان قدرة مطلقة لاستغنى الانسان عن الآخر ( الانسان ليطغى ... ان رآه استغنى آية ) فشاءت حكمة الله تعالى أن يختلف البشر فهذا يملك قدرة لسانية وآخر عقلية وآخر ماديّة جسمية , ووزع المواهب والقدرات لكي يحتاج كل للآخر .. واذا لم يحتاج الفرد للآخر لما قام المجتمع وما قام الكيان الاجتماعي ( نظرية الحاجة – الاستخدام ) , كاحتياج المنهدس والطبيب والمعلم وهكذا .. هذا ما قال به القرآن الكريم وما يقر به علماء الاجتماع .
ما هو مضمون الآية الكريمة ( نحن قسمنا بينهم معيشته في الحياة الدنيا ... ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) ووزعنا الأرزاق والقدرات بطريقة مختلفة ليتخذ بعضهم بعضا .. فالهدف هو بناء الكيان الاجتماعي ولو تساووا لما قام ..
آية ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع ومساجد ) .. بعضهم يقول الحروب ليس هذا المعنى , المقصود بالدفع هو الحد , فكل انسان يحد من قدرة غيره , فلو أعطى الله تعالى قدرة مطلقة لسحق الكل ( ليطغى ) فكل انسان يحد قدرة الآخر حتى لا يطغى ولمنع الفساد جعل كل من البشر محدود من البشر اللآخر ..
النقطة الثالثة والآخيرة
الاختلاف أمر طبيعي ( لا يزالون مختلفين ) اختلاف البشر في الدين والمذهب وطرق التفكير واساليب العمل والأفكار والآراء أمر طبيعي جدا . ومن آياته ( الاختلاف ) فالاختلاف بطرق التفكير هو ما يؤدي الى الاختلاف بالأمور السابقة , فالمسألة كيف نتعامل مع الاختلاف ؟
أولا مع الاسف أننا قساة فان اختلفنا نقسوا , فالتعددية ليست مقبولة لدينا ولا نحتملها , فنحن لا نريد سوى أنا أما أنت فمصادر فنحن لا نتحمل شي اسه انا وانت , فقط أنا ,, فلو اختلفنا بالرأي والفكر نتعدى على القوانين الطبيعيّة والمجعولة والالهية , فألغيك من الوجود لانك تختلف معي في الرأي والفكر والدين , فهذه القسوة هي سبب تخلفنا نحن المسلمين , لاننا نعيش حالة تخلف وعدم استعداد في التفكير بالأهداف العامة والعليا المشتركة التي تجمعنا , دائما ينصب تفكيرهنا بالهدف الخاص القصير وليس هناك بعد نظر للأهداف العليا والمشتركة , لهذا نحن نعيش حالة قسوة وحدّة بين الشيعة الاماميّة أنفسهم , والمذاهب الاسلامية والدول الاسلامية كذلك , وهذا الاختلاف يتعدى الاطار الانساني ويصل الى اسلوب القسوة والعنف والحدة , فنحن نصفي الآخر لكي نعيش وحدنا ولا نريد أن نستفيد من التجارب الآخرى بل نكررها ؟!
بينما لو رجعنا لأهل البيت عليهم السلام لوجدنا خطوات وجهود مبذولة لعلاج الاختلاف :
1- حسن الظن , فالنصوص والأحاديث الشريفة تحث على حسن الظن ( ان بعض الظن اثم ) و ( احمل اخاك المؤمن على سبعين محمل من الخير ولا تظنن بكلمة صدرت من أخيك سوءا وانت تجد لها في الخير سبيلا أمير المؤمنين ) و ( النبي من اتهم اخاه المؤمن ... ) فلو كنا نعيش أجواء حسن الظن لما وصلنا الى القسوة والوحشية والغاء الآخر . وعشنا حالة الاختلاف في الرأي .
2- عدم التجسس و تتبع العورات . فبعضنا مجرّد وجود علامة استفهام على شخص يحاول ان يتتبعه ويستخلص مجموعة من العيوب والأخطاء عنه , ويعيش دائما حالة التتبع والتحقيق في اسلوب وحياة الآخرين وهذا يتنافى مع روح الاسلام ( ولا تجسسوا ... ) وورد عن النبي ^ ( من تتبع عورة أخيه المؤمن تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في بيته ) أمير المؤمنين ( رحم الله عبدا اشتغل في عيبه عن عيوب الناس ) , بدلا من التركيز على عيوب الآخرين وجب التركيز على عيوبه .
3- عدم الاعتداء على الآخر . ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر وحرمة ماله كحرمة دمه وأكل لحمه معصية النبي ) .
4- الحوار ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) فأئمتنا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين حاوروا حتى أعداءهم , ( الامام الباقر مع ابن ابي العوجاء الملحد ) فيحاوره الامام حوار علمي هادئ كذلك الامام الحسن الزكي # اعترض عليه اناس من شيعته فاحتضنهم واستوعبهم وبيّن لهم ولم يلغيهم واهم أقرب الناس اليه واعترضوا عليه وكذبّوه واتهموه فاقنعهم بصحّة طريقه فتابوا ورجعوا . الامام الحسين # في ليلة العاشر بعث رسول الى عمر بن سعد يريد أن يحاوره ويناقشه ويأتي عمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن والامام الحسين # مع ولده وأخيه ويجلسون ويتناقشون ويحاورونه في ليلة العاشر ( مع حسوم المسألة ) لكن فتح باب الحوار وبيّن خطأ طريقهم ومعصيتهم الى أن بلغ أن كتب عبيد الله بن زياد ( اذا قتلت الحسين فأوطئ الخيل صدره وبطنه ) فاشارة واضحة الى القسوة والعنف والغاء الآخر .
من محاضرات العلامة السيد منير الخباز حفظه الله , بصياغتي دون الاخلال بالفكرة الرئيسية .