المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقال فهمي هويدي


المتفائلة
13-01-2010, 12:16 AM
صباحكم /مساؤكم عابق بأرواحكم الطيبة

في صحيفة الوطن الكويتية الثلاثاء 12 يناير ... مقالة للأستاذ فهمي هويدي ، عن الأنفاق والجدار والمسكوت عليه من الأسرار .

مقالة توضح لنا الأسباب الحقيقية لبناء الجدار الفولاذي ... مقال يستحق القراءة .

حفظ الله أخواننا المسلمين في غزة ... ونصرهم ورد كيد أعداءهم


.

أبو يوسف
13-01-2010, 10:54 AM
قرأت المقال شكرا لك

وهو بحق يستحق القراءة

فشكرا لك على الإشارة إليه

ولو وضعت الرابط للمقال ليطلع عليه الكل

أحمد
13-01-2010, 11:36 AM
عن الأنفاق والجدار والمسكوت عليه من الأسرار
كتب:فهمي هويدي
لا بأس من وقفة مع بعض مقولات «المصريين الجدد»، الذين استنفرهم ما كتبته عنهم في الأسبوع الماضي، فاستبسلوا في تلبيس الحق بالباطل، ولم تسعفهم أوراق التوت التي استخدموها لستر ما انكشف من عورات.

(1)
كنت قد تحدثت عن أولئك النفر من الناس الذين أفرزتهم أجواء الانحسار والانكسار التي سادت في السنوات الأخيرة، فتشوه إدراكهم حتى أصبحوا كارهين لمقومات انتمائنا وتطلعات أحلامنا. ومن ثم تبنوا منظومة قيم مناقضة لما تعارفت عليه الجماعة الوطنية المصرية وبلورة خطابها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لم أخف أن ما كتبته كان متأثرا بأصداء الهجوم على الانتماء العربي بسبب أزمة مباراة مصر والجزائر، والتجريح الذي أصاب الملف الفلسطيني، والمقاومة بشكل عام، الأمر الذي سوغ الاشتراك في حصار غزة ثم السعي لإحكام ذلك الحصار من خلال إقامة الجدار الفولاذي العازل. ولأن سياق المقال كان يتحدث عن أحداث وأجواء العام المنصرم، فإنني تطرقت إلى منظومة القيم السلبية الأخرى التي تجلت في خطاب اولئك «الجدد»، متصورا أن ذلك يسلط أضواء إضافية من زاوية مغايرة على صورة العام وحصيلته.
بعض الذين على رأسهم «بطحة» تطوعوا بالرد. ولأن موضوع الجدار الفولاذي هو حديث الساعة في مصر على الأقل، فإنهم اتخذوا منه قاعدة ليس فقط لهدم الفكرة التي عرضتها، ولكن أيضا لهدم من قال بها أو أيدها. ولجأوا في ذلك إلى التخويف والتكفير تارة، وإلى الكذب والتدليس تارة أخرى، وإلى تغطية ذلك بالعناوين الكبيرة، مثل السيادة والكرامة الوطنية والمصالح العليا والأمن القومي، تارة ثالثة، ولأنهم لم يلجأوا إلى الإسفاف والبذاءات التي يستخدمها بعض البلطجية الذين انتسبوا إلى مهنة الصحافة، وإنما استخدموا خفة اليد التي يلجأ إليها النشالون الأذكياء والظرفاء، فإن ذلك شجعني على الرد على أطروحاتهم وأخذها على محمل الجد، تقديرا لأدبهم وظرفهم.


(2)
قرأت لأحدهم كلاما اعتبره دفاعا عن مصر، في مدخل لا يخلو من تدليس، حيث افترض أن مصر هي السياسات الراهنة وأن الاختلاف حول هذه السياسات هو تجريح لمصر ونيل من مقامها. ولأنه أحد الوكلاء «الحصريين» لمصر الراهنة، فقد وجد أن «الواجب» يفرض عليه أن ينبري للدفاع عنها، وفي نص المرافعة التي نشرت يوم السبت الماضى 9/1 ركز صاحبنا على النقاط التالية:
¼ إن مشكلة مصر دائما لم تكن مع أعدائها «التي كانت قادرة على التعامل معهم»، وإنما كانت مع أصدقائها وأشقائها (العرب؟)، الذين ظل التعامل معهم ملتبسا دائما وقائما على «المناورة والخداع» (!).
¼ إن الرئيس عبدالناصر أقدم بعد الغارة الإسرائيلية على غزة في عام 1955 على اعتقال سياسيين ومفكرين ومناضلين «حتى لا يستدرج أي منهم مصر إلى معركة لم تخترها ولم تحدد هي مكانها وتوقيتها» ـ في إشارة تفوح منها رائحة إما التلويح أو التحريض أو التخويف من إمكانية تكرار «السابقة» مع الناقدين الحاليين.
¼ النقطة الثالثة والأهم في المرافعة انها لجأت إلى الطعن في ولاء وانتماء الناقدين. فوصفتهم تارة بأنهم لا يجدون بأسا في التفريط بالمصالح المصرية، وبأن «أيديولوجيات مختلفة دفعتهم للتخلي عن مصر ومصالحها» تارة أخرى. وفي موضع ثالث ذكر أنهم «يضعون مصر في مؤخرة اهتماماتهم، ويضعون كل ما عداها في المقدمة، من طهران إلى غزة، وهي أوصاف تخرج الناقدين لفكرة الجدار وشككوا في مراميه من الملة الوطنية. عبر عن الفكرة ذاتها في برنامج تليفزيوني أحد الجهابذة الذين يستضافون كثيرا هذه الأيام، ويقدم بحسبانه من الخبراء الأمنيين، إذ سمعته يقول إن الذين انتقدوا الجدار «ليسوا مصريين» الأمر الذي لا يشكك فقط في وطنيتهم، ولكنه يعد أيضا من قبيل التكفير السياسي والإرهاب الفكري.
¼ بعد التبكيت والتخويف والتخوين أوردت المرافعة سبعة انتقادات لمشروع الجدار، كان الرد عليها طريفا للغاية، ذلك أن الرد لم يتجاوز حدود النفي، دون تقديم أي حجة مقابلة أو معلومة تؤيد وجهة النظر المضادة. ففي مواجهة انتقادات رأت أن الجدار بمنزلة عقاب لحماس لرفضها الاستجابة للطلبات المصرية، أو أنه يعبر عن التجاوب مع السياسات الإسرائيلية، أو أنه ضمان للأمن الإسرائيلي أو تمهيد لضربة إسرائيلية جديدة، أو أنه جزء من صفقة توريث السلطة في مصر أو. أو..إلخ، فإن هذه الادعاءات قوبلت بمجرد الاستنكار الذي لا يقنع أحدا، ويفتح الباب لاحتمال تأييد الادعاء وليس استبعاده.

(3)
الشيء المحدد الوحيد الذي جرى الإلحاح عليه أكثر من مرة وهو أن الأنفاق مثلت اختراقا للحدود المصرية واعتداء على سيادة البلد، وأنها استخدمت في تهريب السلاح وأدوات العنف، وتهريب وتدريب الإرهابيين، وإن إقامة الجدار استهدفت تأمين الحدود المصرية من التهديدات القادمة من غزة. من ثم فهي مجرد إنشاءات حدودية وتحصينات دفاعية وليست هجومية ارتأتها مصر استنادها إلى حقها المشروع في الدفاع عن سيادتها وأمنها القومي.
هذا الكلام يعد نموذجا للتدليس وابتذالا للمعاني الكبيرة المتمثلة في السيادة والأمن القومي والمصالح العليا. ذلك أن الأنفاق لم تظهر كقضية إلا بعد فرض الحصار على غزة وارتفاع نبرة شكوى الإسرائيليين وانتقادهم، لسبب جوهري هو أنها كانت أحد أسلحة المقاومة التي ابتدعها الفلسطينيون وحفروها باظافرهم لتحدي الحصار وإفشاله. لذلك فإنها كانت مشكلة لإسرائيل وليس لمصر.
الكلام عن استخدام الأنفاق في تهريب السلاح وأدوات العنف أو تهريب الإرهابيين كذب وافتراء لا أساس له من الصحة. هذا هو رأي الدكتور صلاح البردويل رئيس الدائرة الإعلامية في حركة حماس الذي قال إن ما بين 30 و%35 من الاحتياجات المعيشية للقطاع ظلت تأتي عبر الأنفاق. فمن خلالها تدخل إلى القطاع بعض مواد البناء التي تمنعها إسرائيل مثل الزجاج والأخشاب والألومنيوم. كما تتوفر الأقمشة والمواد البلاستيكية ومواد التنظيف، وكل مستلزمات المدارس من كتب وكراريس وأدوات مدرسية، كما أن كل ما يدخل القطاع من بنزين وسولار يأتي من مصر عبر الأنفاق. ذلك غير قطع غيار السيارات والمواد الغذائية التي تشمل المعلبات والفواكه وحليب الأطفال. (للعلم: قيمة البضائع التي تدخل سنويا عبر الانفاق تقدر بمليار دولار تنعش اسواق رفح والعريش).
ان سد الأنفاق يعني خنق القطاع وحرمانه من كل ما سبق. اذ ستتوقف الدراسة وحركة ترميم المباني وستصاب كل سيارات القطاع بالشلل، ولن يجد الناس احتياجاتهم من الألبسة والأحذية أو حليب الأطفال... إلخ. وهذا هو «الإرهاب» الذي يتحدث البعض عن ضرورة إيقافه، ويصورونه بحسبانه مصدرا لتهديد الأمن القومي المصري.
هل هذا يبرر اختراق الحدود وانتهاك السيادة؟ قطعا لا، ولكنه من الناحية الأخلاقية يعد من الضرورات التي تبيح المحظورات. والتعامل الأمثل مع هذه الضرورة يكون برفع الحصار لتوفير احتياجات المحاصرين من خلال معبر رفح، الذي ينبغي أن يعامل كأي معبر آخر يخضع لإشراف مصر ورقابتها، في السلوم أو نويبع.
ولا محل للاحتجاج هنا باتفاقات لم تكن مصر طرفا فيها، كما لا ينبغي ألا يستخدم الحصار وسيلة للي ذراع حماس وإخضاعها لرئاسة السلطة في رام الله، لأن الشعب الفلسطيني في القطاع لا ينبغي أن يرتهن لكي يحل ذلك الخلاف المعقد بين أنصار التسوية والتفريط وبين دعاة الممانعة والمقاومة. وفي القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر تجويع المدنيين، سند قوي للحل الذي ندعو اليه، يعلو فوق أي اتفاق آخر، وهو مما يدعم موقف مصر إذا أرادت أن تحل مشكلة الأنفاق من جذورها، بحيث تسمح بتوفير احتياجات الناس بصورة إنسانية عادية ومنتظمة.

(4)
إن المرء ليستغرب أن تبتذل فكرة أمن مصر القومي، بحث تعد الأنفاق الفلسطينية تهديدا لذلك الأمن، في حين لا تعد كذلك 200 رأس ذرية تخزنها إسرائيل. كما يستغرب ذلك الاحتجاج ضد الأنفاق بالسيادة واختراق الحدود المصرية، بينما يتم السكوت على الاعتداء شبه المنظم على السيادة المصرية من جانب إسرائيل التي لا تتوقف غاراتها على الحدود لتدمير الأنفاق. وهي غارات تمثل أيضا انتهاكا لاتفاقية السلام التي نصت على اعتبار منطقة الحدود المشتركة منزوعة السلاح، في حين حولها الإسرائيليون إلى مسرح للعمليات العسكرية.
إن «وطنية» المصريين الجدد الذين تبلغ بهم الجرأة حد إعطائنا درسا في الغيرة على مصر والحدب على مصالحها العليا، لا ترى في طموحات إسرائيل خطرا على أمن البلد، ولا في جرائمها ما يستحق التنويه فضلا عن الاستنكار، لكنها لا ترى التهديد أو الخطر إلا في توفير كراريس المدارس وعلب الحليب وغيرها من الاحتياجات الأساسية إلى المحاصرين في غزة.
إن الصمت المريب عن كل اعتداءات وانتهاكات إسرائيل للحدود المصرية لا يعادله إلا التجاهل التام لقصة الجدار والمعلومات المثيرة التي تتناثر حوله، ومن المفارقات أن هذا الموضوع الذي يثير الآن صخباً وجدلا شديدين في مصر، ظل سرا محاطا بالكتمان لعدة أشهر، إلى أن فضحته صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية، حين تحدثت عن الأعمال الجارية على الحدود، وعن مواصفات ألواح الصلب التي تصنع في أمريكا لكي تدفن في الأرض على عمق ثلاثين مترا، وتشكل الحاجز الفولاذي المطلوب. وعلى أهمية تلك المعلومات إلا أنها لم تشر إلى التفاصيل التي تسربت تباعا في وقت لاحق. من تلك المعلومات أن إقامة الجدار قرار أمريكي ـإسرائيلي جاء تنفيذا لاتفاق كان آخر ما وقعته في نهاية العام الماضي وزيرتا الخارجية في الولايات المتحدة وإسرائيل (كونداليزا رايس وتسيبي ليفني). وكان إنجاز ذلك الاتفاق أحد الشروط التي أملتها إسرائيل على واشنطن قبل انسحابها من غزة، فيما وصف بأنه «تنظيف للطاولة» قبل تسلم الإدارة الأمريكية الجديدة، وقد أغضب ذلك مصر وقتذاك، التي احتجت على اتفاق الدولتين على إقامة السور الفولاذي على أراضيها، الأمر الذي يعد اعتداء صارخا على سيادتها. ولكن «التفاهمات» اللاحقة امتصت الغضب وأدت إلى تنفيذ الاتفاق كما أرادته اسرائيل واتفقت عليه الدولتان.
من المعلومات التي تسربت أيضا أن مركز الأبحاث الهندسية والتنموية التابع للجيش الأمريكي هو الذي أعد جميع المواصفات الفنية للمشروع، وقد تعاقد على تنفيذها مع شركة في ولاية مسيسبي، تخصصت في صناعة الألواح الفولاذية العازلة، سبق لها أن نفذت مشروعات مماثلة على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك.
ذلك كله مسكوت عليه وتجرى تغطيته بالحيل البلاغية والشعارات الرنانة التي تردد الهتاف لسيادة مصر ومصالحها العليا وأمنها القومي، في حين تهدد الناقدين وتطعن في وطنيتهم ومصريتهم.
لقد عددت فيما كتبت قبلا ما تصورته مواصفات للمصريين الجدد وموقفهم إزاء القيم السياسية للجماعة الوطنية في مصر، لكن النموذج الذي بين ايدينا سلط الضوء على موقفهم من القيم الاخلاقية الذي بات يحتاج الى دراسة مستقلة، لأن الجرأة على الاحتيال والتدليس التي تكشفت ليست في مقدور كل أحد.

@35

تاريخ النشر: الثلاثاء 12/1/2010
http://alwatandaily.alwatan.com.kw/Default.aspx?MgDid=832872&pageId=163

المتفائلة
13-01-2010, 11:42 AM
شكرا أبا يوسف على مرورك العاطر

وشكرا للأخ أحمد على وضع المقالة

المشرف العام
03-02-2010, 01:57 PM
جد هنا ولعب هناك – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_03.html (http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_03.html)

لماذا تحقق مصر إنجازاتها الكبيرة في مباريات كرة القدم في حين تخيب جامعاتها ولا تذكر في أي تصنيف عالمي محترم، وتعجز عن إزالة القمامة من العاصمة؟،

السؤال تتداوله بعض الألسنة بعدما انتهت الفورة وجاءت الفكرة. وهوما سمعته من أكثر من واحد، أحدهم سأل:
لماذا لا يعين الكابتن حسن شحاتة رئيسا للوزراء لكي ينقذ البلد من المنحدر الذي يتدحرج عليه؟

لقد فرح المصريون كثيرا، حتى أن القاهرة على الأقل لم تنم في تلك الليلة التي فازت فيها مصر بكأس الأمم الإفريقية، وهوفرح مستحق لا ريب،
وأحسب أن المبالغات التي وقعت أثناءه لم تكن كلها لأن المنتخب المصري حقق إنجازه الكبير، وإنما كان بعضها لأن الناس أصبحوا بحاجة ملحة لأن يفرحوا، خصوصا بعدما تكاثرت همومهم وعزت ابتساماتهم، وشحت نكاتهم، وما عادت ضحكاتهم تنبع من أعماقهم،

ورغم أن الفوز بكأس إفريقيا لم يغير شيئا في حياتهم، إلا أنه أضاف شيئا مختلفا إلى معنوياتهم، على الأقل من حيث إنه ذكرهم بأن ثمة لمعة ضوء في العتمة المخيمة ذكرتهم بلحظات السعادة والفرح.

المقارنة بين الفوز بكأس إفريقيا والفشل في الأمور العملية الأخرى بمثابة استدعاء للمقارنة بين الرياضة والسياسة، وتساؤل عن أسباب النجاح في الأولى دون الثانية،
وردي على ذلك التساؤل أن العوامل الرئيسية للنجاح واحدة في الحالتين، لكن تلك العوامل توظف في الرياضة ويتم تجاهلها في السياسة،

فعنصر الكفاءة مثلا يتم التعامل معه بمنتهى الشدة والحزم في الرياضة، بينما الأمر ليس كذلك في السياسة،
فكفاءة المدرب ولياقة اللاعب البدنية وموهبته في الأداء، هذه كلها أمور لا يمكن التسامح فيها في الرياضة، ثم إن لها معايير واضحة لا يمكن التهاون فيها.
والأمر مختلف في السياسة حيث قد تعد الكفاءة أحد العوامل التي تتدخل في اختيار المسؤول، لكنها ليست العامل الوحيد أوالحاسم. ذلك أن المسؤول التنفيذي يختار أحيانا لأقدميته أولصلة قرابة تربطه مع من هوأكبر منه، وأحيانا يختار اطمئنانا إلى ولائه السياسي.

الشفافية عامل أساسي آخر في الرياضة، وهونسبي في السياسة وأحيانا ينعدم تماما. ذلك أن 90 % من النشاط الرياضي يمارس أمام الناس وتحت أعينهم. فهم يرون من أصاب ومن أخطأ، ويعرفون أسباب اشتراك البعض في اللعب وغياب البعض الآخر.
وباستثناء المناورات والمشاحنات التي تقع في الكوابيس بين الإداريين، فإن تفاصيل كل مباراة مكشوفة على الملأ،

أما السياسة فهي إن كانت فن الممكن عند البعض، فإنها أيضا مستودع الأسرار والألغاز، خصوصا في الدول غير الديمقراطية، فالمفاتيح كلها بيد السلطان، هوالذي يحاسب وهومن يكافئ، وهوالذي يتخير من يشاء ويقصي من يشاء، وليس بمقدور أحد أن يسأل لماذا حوسب شخص أوكوفئ آخر، ولماذا دخل فلان وخرج علان وذلك ما يفسر الفتور الشديد الذي ينتاب المشاهدين في لعبة السياسة، والحماس البالغ الذي يبديه المشاهدون في مباريات كرة القدم.

المساءلة قيمة ثالثة حاضرة بقوة في عالم الرياضة، وهي غائبة بنفس القوة في عالم السياسة. فالكروت الصفراء والحمراء جاهزة لإنذار اللاعبين، وقرارات الإبقاء أوالاستغناء تهدد المدربين والإداريين إذا لم يحققوا الإنجاز المرجومنهم، وهتاف الجماهير جاهز للاعب المجيد وصفيرهم واستهجانهم حظ اللاعب المقصر أوالمسيء،
أما في السياسة فالأصل أن السلطان لا يسأل عما يفعل، ووحده صاحب حق مساءلة الجميع، وهوالمسؤول الأول عن كل إنجاز وغير المسؤول الأوحد عن أي إخفاق.

عندي إجابة أخرى عن السؤال لماذا يتم الإنجاز في الرياضة ويلاحقنا الفشل في السياسة والإدارة،
خلاصتها أننا نتصرف بمنتهى الجدية في الرياضة لأن سيف الحساب ينتظر الجميع،
في حين أننا نلعب ونتدلل في السياسة لأن هراوة الأمن المركزي تهدد الجميع!.

المتفائلة
04-02-2010, 01:31 AM
مقارنة جميلة يعقدها الكاتب الكبير فهمي هويدي ...

توقفت عند موظف مصري كبير بالسن في دوامنا (عندما رأيت الموظفات يباركون له فوز مصر )فدار بيني وبينه الحوار التالي :

المتفائلة : مبروك يا حاج بو محمد بس ميخالف ما تحس ان الفرحة مبالغ فيها ؟
الحاج بومحمد : صحيح هي فوق المعدل ( مع ابتسامة ) ولكن نعمل ايه ..المصريين عاوزين اي حاجة تشعرهم بالقوة والعزة . انتهى الحوار .

تركته وانا ادعو الله ان يعزنا بالإسلام ولا يكون عزنا بالكرة

المشرف العام
09-02-2010, 01:57 PM
على أبواب المرحلة الإسرائيلية– فهمي هويدي


http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_09.html (http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_09.html)



إذا صدقت الإشارات التى تبثها وسائل الإعلام المختلفة هذه الأيام، فهى تعنى أن منطقة الشرق الأوسط تستدرج بشكل حثيث للدخول فى المرحلة الإسرائيلية.





ــ1ــ





التسخين الراهن الذى يلوح باحتمالات اندلاع الحرب فى المنطقة يبدو مفاجئا. ذلك أن حسابات بداية العام كانت توحى بأن شبح الحرب لن يلوح فى الأفق قبل نهاية العام الحالى. وانبنت تلك الحسابات على أساس تقدير الموقف الأمريكى بوجه أخص، ذلك أن ثمة اتفاقا بين الخبراء على أن أى حرب تشنها إسرائيل فى المنطقة إذا لم تكن بمشاركة أمريكية فلن تقع بغير موافقة منها، بمعنى أن واشنطون ستكون فى كل الأحوال طرفا فيها، سواء بحكم تحالفها الاستراتيجى مع إسرائيل، أو بحكم حساباتها ومصالحها الاستراتيجية المفترضة فى المنطقة.





التقدير الذى أشرت إليه وضع فى الحسابات العوامل التالية:


* أولوية الأزمة الاقتصادية الداخلية فى أجندة الرئيس أوباما ومشروعاته التى يريد تمريرها من الكونجرس
* تحسبه لانتخابات الكونجرس النصفية فى شهر نوفمبر القادم خصوصا فى ظل تراجع التأييد الشعبى له
*انتظاره لإتمام انسحاب القوات الأمريكية من العراق الذىيفترض أن يبدأ فى شهر أغسطس المقبل
*ورطة القوات الأمريكية والدولية فى أفغانستان.





كان الظن أن الإدارة الأمريكية لن تتحمس لأى عمل عسكرى جديد فى المنطقة مادامت هذه العوامل قائمة. خصوصا أن احتمالات ردود الأفعال المترتبة عليه واسعة ومحفوفة بالمخاطر،


إذ يفترض أن يوجه العمل العسكرى إما ضد سوريا ولبنان أو ضد إيران أو ضد الثلاثة فى نفس الوقت، والأخيرة هى الهدف الأساسى، لأن تقدم طهران فى مشروعها النووى يشكل خطا أحمر، باعتبار أن من شأن ذلك ظهور قوة ردع حقيقية لإسرائيل تهدد انفرادها بصدارة القوة فى الشرق الأوسط.



وفى الحسابات الإسرائيلية أن توجيه الضربة العسكرية لإيران يستلزم تأمين محور سوريا-جنوب لبنان لتجنب احتمال صدور أى قصف من هذه الجبهة، وخطوة من ذلك القبيل ليست مهمة لإسرائيل فحسب، ولكنها مهمة للولايات المتحدة أيضا، إذ إن المحور المتمثل فى إيران وحزب الله وسوريا، مضافا إليه المقاومة الفلسطينية التى تتصدرها حركة حماس لا يزال يمثل الرباعى المتمرد على السياسة الأمريكية فى المنطقة.





ــ2ــ





ليس سرا أن إسرائيل وأذرعها الممتدة فى الولايات المتحدة ما برحت تلح على توجيه الضربة العسكرية إلى إيران، ولم يكن هناك خلاف بين الطرفين على المبدأ، وإنما اختلفت التقديرات حول التوقيت والتدابير الأخرى.



لكن يبدو أن كفة الحسابات الإسرائيلية، أصبحت أرجح خلال الأسابيع الأخيرة، التى شهدت تسخينا فى التصريحات وتصعيدا فى الإجراءات المتخذة على الأرض. وترتب على ذلك أن أصبح موضوع الحرب عنوانا رئيسيا فى صحف الأسبوعين الأخيرين


. فتحدثت صحيفة «الشروق» عن حرب إسرائيلية متوقعة فى عام 2010،


وذكر الرئيس بشار الأسد أن إسرائيل تدفع المنطقة إلى الحرب،


ونشرت صحيفة الأهرام أن مصر طالبت إسرائيل بوقف التلويح بالحرب ضد أى دولة عربية.



وأضفت تصريحات التهديد التى أطلقها وزيرا الدفاع والخارجية الإسرائيليان مزيدا من السخونة والتوتر على الأجواء،


فى حين تناقلت الصحف أخبارا عن حشود إسرائيلية ومناورات عسكرية على الحدود مع لبنان،


وأخبارا أخرى عن الاستنفار بين قوات حزب الله واستدعاء سورية لعناصر «الاحتياط الرابع»،وبعضهم عمال يعيشون فى الأراضى اللبنانية.



وخرجت علينا صحيفة نيويورك تايمز فى «30/1» بتقرير ذكر أن الولايات المتحدة بصدد نشر أنظمة صواريخ مضادة للصواريخ فى دول منطقة الخليج، تحسبا لهجوم إيرانى محتمل (ردا على الضربة العسكرية المفترضة)،



ذكر التقرير أيضا أن سفنا حربية أمريكية بصدد الانتشار أمام السواحل الإيرانية. وهذا الذى تحدثت به الصحيفة الأمريكية أيده وزير خارجية البحرين، الذى أكد أن الولايات المتحدة نشرت الأنظمة المذكورة، مضيفا أن وجودها يدخل فى نطاق «الترتيبات الدفاعية».

المشرف العام
09-02-2010, 01:57 PM
وإذ تزامن ذلك مع الزيارات التى قام بها رئيس المخابرات المركزية الأمريكية لبعض عواصم المنطقة، فإن تلك الشواهد توضح لنا مغزى تصريح السيد عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية فى باريس الذى قال فيه إن


«المنطقة تسير على صفيح ساخن بصورة غير مسبوقة».



حتى إذا كانت تلك حرب أعصاب، للتخويف قبل الحرب الحقيقية فما يهمنا فيها أن مجمل المسار يمثل استجابة للاستراتيجية الإسرائيلية التى لا ترى بديلا عن إجهاض المشروع النووى الإيرانى وتصفية قوى الممانعة فى المنطقة، بحيث لا يعلو فيها صوت على صوت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.





وسط هذه الأجواء حدث تطوران مهمان فى الولايات المتحدة،


الأول أن مجلة «تايم» نشرت فى 21/1 حوارا مستفيضا مع الرئيس أوباما بمناسبة مرور سنة على توليه السلطة، عبر فيه عن شعوره بالإحباط إزاء الآمال التى كان قد علقها على جهود إحياء عملية السلام فى المنطقة.


وقال إنه هوَّن فى بداية عهده من الصعوبات التى تعترض تسوية الصراع العربى الإسرائيلى، وأنه لو أدرك طبيعة تلك الصراعات مبكرا ما كان له أن يرفع سقف توقعاته


(كان أوباما قد دعا إلى وقف الاستيطان والتوسع النسبى فى تطبيع العلاقات مع إسرائيل، لإطلاق مفاوضات تسوية القضية ولكن إسرائيل رفضت وقف الاستيطان).





الحدث الثانى كانت دلالته أعمق، ذلك أن الرئيس الأمريكى وقف فى 27/1 لكى يلقى خطبة الاتحاد، التى تحدث فيها عن أهم التحديات والقضايا الداخلية والخارجية،وجاءت الخطبة فى 5700 كلمة، لم تذكر فيها القضية الفلسطينية ولو بكلمةواحدة. وكان ذلك انتصارا آخر للسياسة الإسرائيلية.





ــ3ــ



حين أسقط أوباما الملف الفلسطينى من خطابه الأخير فإنه أراد أن يبعث بعدة رسائل إلى من يهمه الأمر فى بلادنا.


أول هذه الرسائل أن أهمية القضية تراجعت، وصارت همَّا إقليميا وليس شأنا دوليا.


ثانيها أنه ترك الباب مفتوحا لما يمكن أن يحققه مبعوثه إلى المنطقة السناتور جورج ميتشيل فى جولاته المكوكية بين العواصم العربية وإسرائيل.


الرسالة الثالثة أنه لم يرد أن يضع أى قيد يحول دون تحقيق التطلعات الإسرائيلية التى أدرك أن السلطة الفلسطينية والدول العربية «المعتدلة» على الأقل يتعاملون معها بمرونة مشهودة.

كان واضحا أن رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو كسب جولته فى واشنطون، واستطاع أن يوقف الرئيس أوباما عند الحدود التى أرادها دون أن يدفع ثمنا لذلك، لا من مشروعات التوسع والاستيطان ولا من عملية التهويد المستمرة على قدم وساق فى القدس. كما أنه نجح فى إقناع الجميع بمن فيهم بعض العرب بأن إيران هى المشكلة وهى مكمن الخطر ومصدره.

المشرف العام
09-02-2010, 01:58 PM
نتنياهو لم يهزم الرئيس الأمريكى فحسب ولكنه ذهب إلى أبعد، حين نجح فى توظيف نفوذ الإدارة الأمريكية فى تكثيف الضغوط على العرب لكى يقدموا مزيدا من التنازلات المجانية لإسرائيل.


والهدف من هذه التنازلات هو التراجع عن مطلب وقف الاستيطان. والعودة إلى طاولة المفاوضات «بدون شروط مسبقة»، كما ذكر رئيس الوزراء الإسرائيلى. وتدل الشواهد المختلفة على أن هذا الهدف تم الاتفاق عليه،


والحاصل الآن هو الإعداد لإخراجه بشكل مقبول، ذلك أن مطلب وقف الاستيطان تم التراجع عنه بصورة تدريجية، أمام تمسك الحكومة الإسرائيلية باستمراره رغم مخالفته الصريحة والزاعقة لأحكام القانون الدولى.


من ثم جرى الحديث عن «تعليق مؤقت» بحيث لا يشمل القدس أو تصريحات البناء السابقة.


(الأمر الذى يعنى إقرارا بشرعية ما سبق بناؤه).


بعد ذلك جرى الحديث عن «ضمانات» أمريكية، يمكن تبيعنا كلاما معسولا، لكننا نعرف مسبقا إلى أى جانب ستنحاز فى نهاية المطاف.





كلام نتنياهو عن رفض «الشروط المسبقة»، الذى أيدته فيه وزيرة الخارجية الأمريكية، لا يعنى سوى أمرين،


أولهما التغاضى عن التوسع الاستيطانى والتهويد وغير ذلك من الوقائع التى تفرضها إسرائيل على الأرض.


وثانيهما تحويل المفاوضات إلى هدف يؤدى إلى تسكين أو تخدير الوضع الفلسطينى والعربى، بدعوى أن جهود التسوية مستمرة.


وهذا التسكين يوفر مناخا مواتيا لإسرائيل لأن تعربد على الجبهات الأخرى من سوريا إلى لبنان وصولا إلى إيران، لتضمن تركيع المنطقة بأسرها.





ــ4ــ



إسرائيل مطمئنة إلى أنه فى ظل العجز العربى الراهن، فإنها لن تصادف عقبة فى تحقيق مرادها.


فأبو مازن لم تعد لديه أية خيارات أخرى بعدما أصبح يتباهى بأنه قضى على المقاومة فى الضفة الغربية التزاما منه ببنود خريطة الطريق، وهو «الإنجاز» الذى أسهم فيه التعاون الأمنى مع الإسرائيليين،


أما بقية الدول العربية وفى المقدمة منها ما سمى بمعسكر «الاعتدال» فإنها اكتفت بالمبادرة العربية المفتوحة التى أبرأت ذمتها بإعلانها.


ويبدو أنها على استعداد لمراجعة بعض بنودها التى اعترضت عليها إسرائيل، وعلى رأسها البند الخاص بحق عودة اللاجئين إلى ديارهم.


فى هذا الصدد لابد أن يستوقفنا تصريح وزير الخارجية المصرى عقب اجتماع الرئيس مبارك مع نتنياهو الذى زار القاهرة فى 29 ديسمبر 2009، الذى قال فيه إن اللقاء كان «إيجابيا للغاية».


وهو ما يعنى أن ثمة تفاهما بين الطرفين (للأسف!) حول العناوين الرئيسية على الأقل.





الخلاصة لا هى صعبة أو مستعصية.


ذلك انه بعد استبعاد الخيارات الاخرى، والالتزام بالمفاوضات فحسب، وتسليم مفاتيح القضية للولايات المتحدة الأمريكية التى كفت عن مطالبة إسرائيل بشىء،


فإن نتائج المفاوضات المرتقبة والتنازلات المرجوة منها تصبح محسومة لصالح الطرف الإسرائيلى. خصوصا أنه ليست لدى الطرف الفلسطينى أى أوراق يضغط بها أو أية خيارات أخرى يلجأ إليها. وهو ذاته الحاصل مع أغلب الدول العربية.





سيناريو الدخول فى المرحلة الإسرائيلية لا هو أكيد ولا هو مضمون مائة فى المائة، لكنه مرجح فحسب.


وثمة عوامل ثلاثة يمكن أن تحول دون تحقيق مبتغاه،


الأول أن يشعل الرد الإيرانى على العمل العسكرى الإسرائيلى حريقا يصعب السيطرة على حدوده أو تداعياته.


الثانى أن تتغير توازنات الساحة الفلسطينية، سواء بانتفاضة ثالثة فى الداخل، أو انتفاضة سياسية فى الخارج تعبر عن موقف الأغلبية الصامتة الفلسطينية التى لا هى فتح ولا هى حماس.


أما العامل الثالث فهو أن يتغير شىء فى المعادلة العربية يستنقذ الأمة من الوهن الذى استسلمت له. وهذه عوامل تختلط فيها التمنيات بالأحلام، لكن ربك قادر على كل شىء، خصوصا إذا وجد من يستحقون النصرة.

عبق
09-02-2010, 02:28 PM
سلسلة مقالات تستحق الإعجاب والاحترام لشخص د.فهمي هويدي...

كنت أقرأ كتابات د.فهمي وأنا صغير كنوع من " الشحاطة " الفكرية " !

فجاء يوما أخ كريم استغرب وجود كتابه " القرآن والسلطان " بين يدي وأنا تلميذ في المرحلة المتوسطة

فأخذ يجاملني ببعض الكلمات ولم يدري أني لم أقرأ من هذا الكتاب يومها إلى غلافه وشوية أسطر من الفهرس!:-

المشرف العام
16-02-2010, 12:51 PM
شهادة مبارك في مسألة الأنفاق - فهمي هويدي

يبدو أن كل معلومات الموقف المصري ازاء قطاع غزة تحتاج الى مراجعة وتصويب، تشهد بذلك المقارنة بين خطابي الرئيس مبارك في مناسبة عيد الشرطة هذا العام والعام الذي سبقه.

(1)

أدري أن القصة كلها لم ترو ولم تتكشف حقائقها بعد، يسري ذلك على فصل الحسم العسكري الذي وصف بأنه «انقلاب» في غزة. كما يسري على فصل الحصار الذي أسهم فيه الأشقاء مع الأعداء. ولا يختلف الأمر مع فصل العدوان الاسرائيلي على القطاع.

لكن فصلا آخر في القصة يعنيني في اللحظة الراهنة ــ لأسباب ستعرفها بعد قليل ــ يتعلق بالحدود والأنفاق التي اخترقتها، واصلة بين القطاع وسيناء، وهو الفصل الذي أثار لغطا واسعا في وسائل الاعلام المصرية طوال الأشهر الأخيرة.

ولأن ذلك اللغط لا يزال مستمرا، فان الصورة النمطية التي استقرت في الأذهان عن الأنفاق أنها مصدر لتهريب السلاح وتصدير الارهاب الى مصر، وأنها تمثل عدوانا على السيادة المصرية، بما يعد تهديدا للأمن القومي للبلد، وحول هذه المحاور نسجت تفاصيل كثيرة تحدثت عن متفجرات وأحزمة ناسفة، وتسلل عناصر قامت بعمليات ارهابية في سيناء. وصلات بين شبكات التهريب في غزة وبين شبكات دولية ممتدة عبر البحر الأحمر واصلة الى اليمن والصومال.. الى غير ذلك من الادعاءات التي استنفرت الرأي العام، وملأته بمشاعر القلق والسخط.

هذه التعبئة علت نبرتها بشكل ملحوظ في أعقاب النبأ الذي سربته صحيفة هاآرتس عن اقامة جدار فولاذي في بطن الأرض على الحدود بين قطاع غزة وسيناء، وذكر التقرير معلومتين مهمتين، الأولى أن الهدف من اقامة ذلك الجدار الذي يفترض أن يدفن في الأرض بعمق 18 مترا (تعادل ستة طوابق) هو قطع الطريق على الأنفاق والقضاء عليها تماما. أما الثانية فهي أن ألواح الصلب التي سيشكل منها الجدار تصنع في الولايات المتحدة بواسطة احدى الشركات المتخصصة التي أقامت جدارا مماثلا على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك.

المفاجأة أبرزتها صحيفة «الشروق» في 12/13 الماضي حين نشرت الخبر تحت عنوان رئيسي تحدث عن: «جدار رفح العظيم تحت الأرض»، وهو ما أحدث قدرا غير قليل من الحيرة والبلبلة. وفي مواجهة هذه الحالة أعيد انتاج الكلام عن خطورة الأنفاق ورياح الارهاب التي تهب على مصر من خلالها، وضرورة تأمين الحدود لحماية الأمن القومي.

(2)

في خضم التعبئة الاعلامية الضاغطة، لم ينتبه كثيرون الى أن مسألة تهريب السلاح لم تكن شكوى مصرية يوما ما، ولكنها ظلت هاجسا اسرائيليا ملحا، وهي التي لم تكف عن اثارة الموضوع في كل مناسبة، سواء مع مصر أو مع أصدقائها وحلفائها في أوروبا والولايات المتحدة.

حدث تطور مهم في 16 يناير عام 2009، قبل أيام قليلة من مغادرة الرئيس بوش للبيت الأبيض،
اذ وقعت الولايات المتحدة واسرائيل اتفاقية لوقف تهريب السلاح الى غزة، كان طرفاها كل من كوندوليزا رايس وتسيبي ليفني وزيرتي خارجية البلدين، نص الاتفاقية موجود على شبكة الانترنت، وقد ذكرت في ديباجتها أن محاربة امداد غزة بالسلاح والمتفجرات ليس أولوية لدى الولايات المتحدة واسرائيل فحسب، ولكنها مهمة يجب أن تقوم بها القوى الاقليمية والعالمية أيضا، وأوردت بعد ذلك ستة قرارات تم الاتفاق عليها، بينها أن يعمل الشريكان مع الدول المجاورة (مصر هي الدولة العربية الوحيدة المجاورة للقطاع وليس المقصود اسرائيل بطبيعة الحال)، وبشكل متواز مع المجتمع الدولي لمنع امداد السلاح للمنظمات «الارهابية» التي تهدد أيا من الشريكين،

نصت القرارات أيضا على أن تعمل الولايات المتحدة مع شركائها الاقليميين وحلف شمال الأطلسي (الناتو) لمواجهة مشكلة تهريب السلاح ونقله وشحنه لحماس. كما نصت على تعهد الولايات المتحدة بالعمل مع شركائها الاقليميين «مصر» على تأمين وظائف وأموال لأولئك الذين كانوا يعملون في تهريب السلاح لحماس!

الاتفاقية أغضبت مصر التي اعتبرتها تدخلا في سيادتها على سيناء، وعبرت عن ذلك مختلف وسائل الاعلام. من ذلك أن «الأهرام» نشرت على صفحتها الأولى يوم 2009/1/19 تقريرا اخباريا كان من عناوينه أن: الاتفاق الأمني الأمريكي الاسرائيلي يخالف أحكام معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية ــ وأن: مصر ترفض محاولات التشكيك في سيطرتها الكاملة على سيناء.
وفي التقرير أن الاتفاق «أثار غضب مصر لأسباب عدة على رأسها أنه يبعث برسالة خبيثة تحاول بعض الأطراف الاقليمية في مقدمتها اسرائيل ترويجها، وهي أن مصر ليست لها سيادة كاملة على أرض سيناء، ومياهها الاقليمية ومجالها الجوي، مما يسهل تهريب السلاح الى حماس».

المشرف العام
16-02-2010, 12:57 PM
(3)

طغى العدوان على غزة «12/27 الى 1/19» على أصداء الاتفاق الاسرائيلي الأمريكي. وبمضي الوقت هدأ الغضب المصري ازاءه، حتى لم يعد يذكر الاتفاق بعد ذلك، في حين أن خطا تنفيذه كانت مستمرة على الأرض دون ابطاء، وحين أقيم الاحتفال بعيد الشرطة في يوم 4 فبراير 2009 ألقى الرئيس حسني مبارك كلمة تبدو الآن مثيرة وبالغة الأهمية لأنها تعرضت لموضوع الأنفاق على نحو يتناقض تماما مع الانطباع السائد عنها الآن، كما انتقدت الاتفاق الأمريكي الاسرائيلي. نص الكلمة نشرتها كل الصحف القومية في اليوم التالي (2/5)، كما أنه موجود حتى هذه اللحظة على موقع مصلحة الاستعلامات الالكتروني. في تلك الكلمة قال الرئيس مبارك ما نصه:

«لقد روجت اسرائيل خلال العامين الماضيين لموضوع التهريب والأنفاق. وعاودت التركيز على هذا الموضوع بعد عدوانها على غزة وخلال اتصالاتنا لوقف اطلاق النار. وأقول ان تهريب البضائع هو نتيجة للحصار، وأن الاتفاق الاسرائيلي الأمريكي لمراقبة تهريب السلاح لا يلزمنا في شيء. وأقول اننا كدولة مستقلة قادرون على تأمين حدودنا. ولن نقبل بأي وجود لمراقبين أجانب على الجانب المصري من الحدود. ونتمسك بأن تبتعد أي ترتيبات اسرائيلية دولية عن أرض مصر وسمائها ومياهها الاقليمية».

حين يدقق المرء في هذا النص المتميز سيلاحظ على الفور ما يلي:
- ان الشكوى من التهريب عبر الأنفاق اسرائيلية بالدرجة الأولى.
- ان مصر على علم بوجود الأنفاق وتعتبر أن وجودها مبرر في ظل استمرار الحصار المفروض على قطاع غزة.
- ان مصر مدركة أن ما يتم تهريبه عبر الأنفاق هو البضائع، التي تلبي الاحتياجات المعيشية للمحاصرين. ولم يخطر على البال احتمال أن تكون بابا لتهريب السلاح الى مصر.
- ان الاتفاق الاسرائيلي الأمريكي على مراقبة تهريب السلاح لا يلزم مصر في شيء.
- ان مصر ترفض وجود أي مراقبين أجانب على أراضيها، وتتمسك بأن تبتعد أي ترتيبات اسرائيلية مستجدة عن حدودها.
- ان مصر التي اعتبرت الأنفاق من الضرورات التي ترتبت على الحصار لم تر في وجودها اعتداء على السيادة ولا انتهاكا للحدود، ولا تهديدا للأمن القومي.

في عيد الشرطة هذا العام (2010/1/25) ألقى الرئيس خطابا تطرق فيه الى بعض جوانب الموضوع، بلغة ولهجة مغايرتين، حيث قال ما نصه:

«ان مصر لا تقبل الضغوط أو الابتزاز، ولا تسمح بالفوضى على حدودها أو بالارهاب والتخريب على أرضها.. اننا قد نصبر على حملات التشهير والتطاول ولكن ما لا نقبله ــ ولن نقبله ــ هو الاستهانة بحدودنا.. أو استباحة أرضنا.. أو استهداف جنودنا ومنشآتنا.. ان الانشاءات والتحصينات على حدودنا الشرقية عمل من أعمال السيادة المصرية، لا نقبل أن ندخل فيه في جدل مع أحد أيا كان. أو أن ينازعنا فيه أحد كائنا من كان. انه حق مصر الدولة، بل وواجبها ومسؤوليتها، وهو الحق المكفول لكل الدول في السيطرة على حدودها وتأمينها وممارسة حقوق سيادتها تجاه العدو والصديق والشقيق على حد سواء».

اذا جمعت الاشارات في السياق الى «الفوضى على الحدود» و«الاستهانة بها» و«استباحتها»، والى «عمليات الارهاب والتخريب على أرض مصر»، وأضفت الى ذلك مفردات الدفاع عن الجدار الفولاذي الذي وصف بأنه «انشاءات وتحصينات من أعمال السيادة»، فان حاصل الجميع سيوفر لك خلاصة مختلفة تماما عن تلك التي خرجت بها اثر قراءة النص السابق الذي ورد في خطبة عام 2009.

هذا التفاوت في موقف ولغة الخطابين يثير الانتباه ويستدعي سؤالا كبيرا حول الأسباب التي أدت الى الانتقال من حالة التفهم الى حالة الاستفزاز والغضب التي عبر عنها الرئيس مبارك، وعكستها وسائل الاعلام المصرية على نحو روج للصورة النمطية السلبية التي سبقت الاشارة اليها.

(4)

في تفسير هذا التحول في الموقف هناك أربعة احتمالات؛ الأول:

يكون توتر العلاقات المتصاعد بين القاهرة وبين حماس قد ألقى بظلاله على المشهد. وهو التوتر الذي بدأ منذ حسمت حماس الموقف لصالحها في قطاع غزة، واعتبرت مصر ذلك انقلابا على سياساتها، باعتبار أن أبومازن يعد حليفا طبيعيا لها، ولا يستبعد أن تكون القاهرة قد استشعرت غضبا خاصا حين رفضت قيادة حماس التوقيع على ورقة المصالحة المصرية، اضافة الى أنها لابد أن تكون غير سعيدة لاصطفاف حماس الى جانب معسكر الممانعة في المنطقة المراد تصفيته نهائيا في الظروف المواتية حاليا، اقليميا ودوليا.

الاحتمال الثاني: أن تكون خطبة السيد حسن نصرالله في مناسبة عاشوراء، التي ألقاها في 2008/12/28 (أثناء العدوان الاسرائيلي على غزة) قد أحدثت نقطة تحول في الموقف المصري ازاء حزب الله أوصل الأمور الى ماوصلت اليه. ذلك أن الأمين العام لحزب الله كان قد دعا الجيش والشعب في مصر الى مطالبة الرئيس مبارك بفتح معبر رفح أمام الفلسطينيين في القطاع. وكانت اشارته الى الجيش بمثابة تجاوز خط أحمر استفز القيادة المصرية. وهو ما أحدث رد فعل عنيف للغاية في الدوائر السياسية والاعلامية المصرية. اذ الى جانب حملة التجريح التي استهدفت «السيد» والحزب، فان الأجهزة الأمنية استثمرت المناخ في اتجاه آخر. فحولت قضية عضو حزب الله والمجموعة التي ألقي القبض عليها معه في 2008/11/18 (قبل نحو أربعين يوما من بدء العدوان الاسرائيلي)، من اتهام بمحاولة ارسال أسلحة الى غزة كما دلت التحريات والاعترافات الأولية، الى مؤامرة للتخريب واثارة الفوضى داخل مصر (القضية منظورة الآن أمام المحكمة المختصة). وفي ظل سيناريو المؤامرة تغيرت لغة الخطاب. وأصبح الحديث عن استباحة الحدود وعن الارهاب والتخريب في مصر من التداعيات المفهومة.

الاحتمال الثالث: أن مصر قد تعرضت لضغوط خارجية كانت فوق احتمالها لحسم مسألة الأنفاق واحكام الحصار حول غزة. فاضطرت للقبول باقامة الجدار الفولاذي مع القطاع، باشراف وتمويل أمريكي. وتكتمت الأمر في البداية، الى أن تسرب الخبر من اسرائيل. فكان لابد لتبرير وتغطية الحدث أن تطلق الحملات الاعلامية التي روجت للمخاطر والتهديدات التي تمثلها الأنفاق للسيادة والأمن القومي المصري. (الاتفاق الأمريكي الاسرائيلي ألمح الى اتهام مصر بالتسامح في تهريب السلاح لغزة وحفر الأنفاق، وشكك في عدم قدرة مصر على ممارسة سيادتها على سيناء، وهدد بفرض عقوبات في حالة عدم التعاون في وقف التهريب).

الاحتمال الرابع والأخير، ألا يكون هناك أساس للتفسيرات السابقة، وألا تكون هناك أي خلفية سياسية للتغير الذي حدث في لغة الخطابين اللذين ألقاهما الرئيس مبارك، لأن الخطب كثيرا ما تتبنى أفكارا وانطباعات تناسب المقام. وأن خطبة عيد الشرطة في عام 2009، التي ألقيت بعد وقف العدوان على غزة جاءت مناسبة للأجواء السائدة آنذاك. وعندما تعكرت الأجواء في 2010 تمت صياغة خطبة مناسبة لذلك المقام ــ والله أعلم.

المشرف العام
24-02-2010, 11:21 AM
انكشفت أزمة السياسة في مصر – فهمي هويدي – المقال الاسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_22.html (http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/02/blog-post_22.html)

اذا جاز لنا ان نصف المشهد السياسي في مصر الآن فقد نلخصه في نقطتين، الأولى ان قطاعات لا يستهان بها من النخب ومن الأجيال الجديدة يئست من المراهنة على امكانية الاصلاح في ظل الوضع القائم، والثانية انها باتت تتلهف على رؤية «المخلص» الذي يرد لها الأمل والثقة في المستقبل.

-1-

هذه اللهفة بدت واضحة في خطاب أغلب الصحف المستقلة وقنوات التليفزيون الخاصة في مصر، الذي عبر عن حفاوة غير عادية بوصول الدكتور محمد البرادعي يوم الجمعة «19/2»، الأمر الذي يكاد يعيد الى الأذهان الأصداء التي شهدتها مصر حين عاد اليها زعيم الأمة سعد باشا زغلول من باريس في عام 1921. حين كتب الأستاذ العقاد ان سعد «ملك ناصية الموقف من ساعة وصوله (بالباخرة) الى شاطئ الاسكندرية، وثبت في عالم العيان لمن كان في شك من الأمر ان هذا الرجل أقوى قوة في سياسة مصر القومية».

وسأل الدكتور محمد حسين هيكل قائلا: «أقدر للاسكندر الأكبر أو لتيمور لنك أو لخالد بن الوليد أو لنابليون بونابرت ان يرى مشهدا أجل وأروع من هذا المشهد؟».

وهي الفكرة ذاتها التي سجلها شفيق باشا في «حولياته» حين قال: «لقد روى لنا التاريخ كثيرا من روايات القواد والملوك الذين يعودون الى بلادهم ظافرين، فيحتفل القوم احتفالا باهرا باستقبالهم. ولكن لم يرو لنا التاريخ ان أمة بأسرها تحتفل برجل منها احتفالا جمع بين العظمة غير المحدودة والجلال المتناهي لم يفترق فيه كبير عن صغير، احتفالا لا تقوى على اقامته بهذا النظام أكبر قوى الأرض، لولا ان الأمة المصرية أرادت ان تأتي العالم بمعجزة لم يعرف لها التاريخ مثيلا».
صحيح ان كتابات الحفاوة التي صدرت هذه الأيام لم تذهب الى هذا المدى في الترحيب بالدكتور البرادعي والاشادة به، الا انها اختلفت عنها في الدرجة وليس في النوع. وهو ما يغرينا بالمقارنة بين الحدثين لان ثمة تباينا بينهما من أكثر من وجه.

ذلك ان سعد باشا كان زعيما حقيقيا انتخبته الأمة وأجمعت عليه ووكلته عنها في تمثيلها في مقاومة سلطة الاحتلال البريطاني والتفاوض معها. وكان الرجل على مستوى الأمل الذي انعقد عليه، حيث لم يهدأ في نضاله ضد الانجليز وتحديه لهم، الأمر الذي أدى الى تفجير الثورة ضدهم عام 1919، مما دفعهم الى القاء القبض عليه ونفيه مع عدد من رفاقه الى مالطة، بما يعني ان سعد زغلول كان قد اختير وأثبت جدارته بسجله النضالي الذي أثبته على الأرض، كما كان قد دفع ثمن مواقفه، لذلك فان حيثيات الاجماع عليه كان مسلّما بها من جانب القوى السياسية المختلفة في مصر.

الوضع في حالة الدكتور محمد البرادعي اختلف. فهو مرشح افتراضي لرئاسة الجمهورية من جانب أغلب نخب الجماعة الوطنية المصرية، غير المنخرطة في الأحزاب المعتمدة، وهي النخب التي ضاقت بممارسات النظام ولم تعلق أملا على الأحزاب التي صنعها النظام على يديه وأجازها. أما الدكتور البرادعي ذاته فانه يتمتع بخلفية وظيفية مشرفة ومرموقة، ومستقبله السياسي في مصر أمامه، بخلاف سعد زغلول الذي كان في قلب السياسة، واحتل موقعه استنادا الى خلفيته النضالية.

في الوقت ذاته، لا وجه للمقارنة بين قوة السياسة في زمن سعد زغلول، وبين موتها في زماننا، وان ظل الرفض قاسما مشتركا في الحالتين، أعني رفض الاحتلال البريطاني آنذاك، ورفض نظام الطوارئ المحتكر للسلطة في هذا الزمان.

-2-

السؤال الذي يستحق ان نفكر فيه هو: لماذا تلك الحفاوة الشديدة باستقبال وترشيح رجل مثل الدكتور البرادعي على الرغم من زعامته المفترضة وليست الحقيقية، وخلفيته الوظيفية المقدرة وليست النضالية؟

أرجو ألا يخطر على بال أي أحد انني استكثر على الرجل ان يحتفى به في بلده. وأسجل في الوقت ذاته شعوري بالنفور والقرف ازاء حملة التجريح المسف التي استهدفته وقادتها بعض الأبواق المحسوبة على النظام في مصر.

واذ أقر بأن الحفاوة به واجبة، الا ان تساؤلاً منصباً على دلالة المبالغة في تلك الحفاوة، الى الحد الذي يكاد يضع الرجل في مقام «المخلِّص» المنتظر للوطن، في تفسير ذلك هناك عدة احتمالات،
أحدها ان البعض انحاز اليه وتعلق به لا لانه البرادعي ولكن لانه ليس مبارك الأب أو الابن. تماما كما ان كثيرين أعطوا أصواتهم لباراك أوباما في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ليس اعجابا بالشخصية ولكن لانه ليس جورج بوش.

هناك احتمال آخر ان يكون بعض مؤيديه، ليست لديهم تحفظات على النظام القائم ولكنهم أدركوا انه لم يعد لديه ما يعطيه بعد مضي نحو 30 سنة على استمراره، ومن ثم فانهم أصبحوا يتوقون الى تغييره بأي بديل آخر، وجدوه في البرادعي من حيث انه شخصية دولية مرموقة.

ثم انني لا أشك في ان هناك فريقا من الناس استشعروا مهانة حين وجدوا ان فكرة توريث الحكم في بلد بحجم وقيمة مصر أصبحت متداولة بغير حرج، ولذلك فانهم ما ان وجدوا بديلا محترما مطروحا في الأفق، حتى تعلقوا به وخرجوا يهتفون باسمه.

من تلك الاحتمالات كذلك ان يكون البعض قد وجد ان النظام القائم في مصر حرص على التلويح طول الوقت بانه لا بديل عنه، وان البديل الذي يمكن ان يحل محله هو الاخوان المسلمون، الذين أصبح اسمهم بمثابة «فزاعة» تخيف فئات عدة في الداخل والخارج، وحين وجد هؤلاء ان هناك رمزا لا هو من الحزب الوطني ولا من الاخوان، سارعوا الى الاصطفاف وراءه ومبايعته.

من الاحتمالات كذلك ان يكون آخرون قد أدركوا ان ثمة فراغا سياسيا في مصر، وان النظام القائم حريص على الابقاء على ذلك الفراغ عن طريق مصادرة أو «حرق» أي بدائل متاحة، لكي يصبح الحزب الوطني ومرشحه هو الخيار الوحيد الباقي. وازاء حصار البدائل الممكنة واستمرار اجهاض الحياة السياسية، فان هؤلاء ما ان وجدوا ان رمزا مصريا أتيح له ان يبرز في خارج البلد ويتمتع بقامة ومكانة رفيعتين بعيدا عن نفوذ النظام وتأثيراته، حتى اعتبروه فرصة لا تعوض، ومرشحا مناسبا لقيادة السفينة الموشكة على الغرق.

ولا أستبعد ان يكون حماس البعض للدكتور البرادعي راجعا الى اقتناعهم بان طول اقامته في الخارج أكسبه تمثلا لقيم الليبرالية المفتقدة عندنا، الأمر الذي يجعله مرشحا مقبولا في العواصم الغربية، فضلا عن ان وجوده بالخارج جنبه مزالق التصنيف ضمن مراكز القوى وشبكات المصالح الموجودة في مصر، وهو بذلك يجمع بين «الحسنيين»؛ رضا الخارج عليه وثقة الداخل فيه، بمعنى التطهر من مثالب النخبة الحاكمة في البلد.

المشرف العام
24-02-2010, 11:52 AM
-3-

اذا كانت المقارنة بين رصيد الدكتور البرادعي، وبين أرصدة الذين يديرون البلد في الوقت الراهن، فان كفة الأول ستكون أرجح لا ريب، ولكن النتيجة قد تختلف اذا ما حولنا البصر عن السلطة ومددناها نحو المجتمع، اذ سنجد في هذه الحالة نظائر أخرى له، ربما كان لبعضها رؤى أعمق وأكثر ثراء في قراءة الواقع المصري وتحليل مشكلاته، وهو ما خلصت اليه حين جمعت الحوارات والتصريحات التي صدرت عن الدكتور البرادعي وقارنت مضمونها بتحليلات بعض المثقفين المصريين من أمثال المستشار طارق البشري في كتابه «مصر بين التفكك والعصيان»، والدكتور جلال أمين في كتابه «ما الذي جرى للمصريين»، والدكتور ابراهيم شحاتة في مؤلفه «وصيتي لبلادي»، وتلك مجرد أمثلة فقط، لانني لا أشك في ان هناك آخرين لهم اسهاماتهم المقدرة في ذات المضمار، واذا جاز لي ان استطرد في هذه النقطة، فلعلي أضيف ان ما سمعناه أيضا من الدكتور أحمد زويل عن العلم والتعليم لم يضف شيئا الى ما دعا اليه العلماء المصريون طوال السنوات التي خلت، أذكر منهم على سبيل المثال فقط الدكتور محمد غنيم والدكتور ابراهيم بدران والدكتور مصطفى طلبة والدكتور محمد القصاص والدكتور حامد عمار وغيرهم وغيرهم.

لا أريد ان أقلل من شأن الرجلين. فكل منهما له مقامه الرفيع في اختصاصه، وحين حصلا على جائزة «نوبل» فتلك شهادة حفظت لهما ذلك المقام وحصنته، لكن هناك فرقا بين تقدير النموذج واحاطته بما يستحق من احترام، وبين تحويله الى «مخلِّص» تعلق عليه آمال اخراج البلاد من الظلمات الى النور.

في ذات الوقت فلا استبعد ان تكون تلك القيمة المقدرة لكل منهما قد انضافت اليها هالة خاصة اتسمت بالابهار في نظر كثيرين، حين احتل كل واحد مكانته المرموقة خارج مصر، وهو أمر قد يفهم عند أهل الاختصاص. لكن تقييمه يمكن ان يختلف حين يتعلق الأمر بالعمل العام الوثيق الصلة بمصير الوطن وحلمه.

فيما خص الدكتور البرادعي فانني مع الحفاوة به وأرحب بشدة بانضمامه الى الصف الأول في كتيبة دعاة التغيير والاصلاح في مصر، رغم انني أشك في جدوى مطالبته بأولوية تعديل الدستور في ظل الأوضاع الراهنة، فتجربتنا أثبتت ان كلا من المناخ السائد والأيدي التي تتولى التعديل لا يبعثان على الثقة أو الاطمئنان في تحقيق الاصلاح المنشود من ذلك الباب.

-4-

لا مفر من الاعتراف بان حملة تأييد وترشيح الدكتور البرادعي جاءت كاشفة لأزمة النظام في مصر ومدى الخواء السياسي الذي انتجته، ذلك انه بعد مضي نحو ثلاثين عاما في سدة الحكم، وفي وجود 24 حزبا شرعيا، على هامشها نحو عشر مجموعات للناشطين تشكلت للدفاع عن الديموقراطية والحقوق السياسية، اضافة الى العشرات من منظمات المجتمع المدني وحقوق الانسان. رغم توافر هذه الكيانات كلها في بلد يضم 83 مليون نسمة، فان المناخ المخيم لم يسمح بافراز قيادة سياسية من الداخل يمكن ان تكون محل اجماع من الجماعة الوطنية المصرية فتعلق نفر منهم بأول مخلص لاح في الفضاء.

في الولايات المتحدة يقولون انه اذا تكرر رسوب التلاميذ في أحد الفصول المدرسية، فان المعلم هو من ينبغي محاسبته، لان ذلك يعني انه فشل في ان يستخلص من التلاميذ أفضل ما فيهم.

ذلك ينطبق أيضا على عالم السياسة لان الجدب الظاهر الذي نعاني منه الآن في مصر، يعد شهادة على فشل ادارة المجتمع ودليلا على اصرار تلك الادارة على تعمد اخصائه واصابته بالعقم لحرق البدائل وتسويغ احتكار السلطة.

من هذه الزاوية فان استدعاء شخصية مصرية نزيهة ومحترمة من خارج المعترك السياسي لايبدو مخرجا من المأزق الذي نحن بصدده، واذ لا أشك في ان الرجل أفضل من الموجود، لكنه يظل في وضعه الراهن دون المرجو والمنشود الا اذا خاض المعترك وقطع أشواطا على دربه.

اذا سألتني ما العمل اذن؟..

فردي انه لا بديل عن احتشاد للجماعة الوطنية يقيم حوارا حقيقيا حول تشخيص الأزمة الراهنة، وأولويات التعامل مع عناوينها، وهل تحتل الأولوية مسألة تعديل الدستور أم قضية اطلاق الحريات العامة والغاء الطوارئ، التي توفر مناخا مواتيا لتعديل الدستور بحيث يصبح ركيزة حقيقية للديموقراطية، وليس قناعا لممارسة التسلط والديكتاتورية.

ان علاج التشوهات وعمليات التفكيك والاعاقة التي تعرض لها المجتمع المصري خلال العقود التي خلت مما لا يحتمل التبسيط أو حرق المراحل. ذلك ان الأمل في التغيير يمثل رحلة طويلة وشاقة، علما بان المتمترسين وراء الأوضاع الراهنة يعتبرون استمرارها مسألة حياة أو موت بالنسبة لهم.

لذا لزم التنويه، ووجب التريث والتحذير.

المشرف العام
03-03-2010, 11:38 AM
الحراك الذي تشهده الساحتان المصرية والفلسطينية لا ينبغي تجاهله، لأنه يمس بشكل مباشر البلد العربي الاكبر وساحة الهم العربي الأخطر.
- 1 -
أدري أن ثمة غضبا محاصرا ومكتوما تتردد أصداؤه في مختلف أرجاء العالم العربى. وإذ تتعدد أسباب ذلك الغضب، إلا أن الشعور بالهوان والهزيمة الحضارية والسياسية يشكل قاسما مشتركا بين تلك الأسباب، حيث أزعم أن الدولة العربية الحديثة التي قامت بعد الاستقلال وخروج المحتل، جاءت مخيبة لآمال شعوبنا، التي وجدت أن القيادة «الوطنية» ليست أفضل كثيرا من سلطة الاحتلال من بعض الزوايا. فلا هي استجابت لشوق الناس إلى الحرية والديموقراطية، ولا هي حققت حلمهم في التقدم والنهضة. عبّرت عن ذلك قصة رمزية سمعتها في الجزائر، تحدثت عن سيدة مسِنَّة عاصرت معاناة الاحتلال الفرنسي وعاشت إحباطات ما بعد الاستقلال، فقالت لمن حولها متسائلة إن الاستعمار أمضى 130 سنة ثم غربت شمسه ورحل، متى يمكن أن ينتهي هذا الاستقلال؟!
لا يقف الأمر عند ذلك الحد، لأن المستشار طارق البشري صارحنا بما هو أفدح فيما نشرته له صحيفة «الشروق» يوم الجمعة الماضي «26/2»، حين قارن بين حالنا في بداية القرن العشرين حين كانت بلادنا تحت الاحتلال الإنجليزي والفرنسي في بلاد الشام وبين حالنا في بداية القرن الواحد والعشرين حين أصبحت سياساتنا خاضعة للإملاءات الأمريكية والإسرائيلية. وذكر أن الاحتلال البريطاني لمصر كان في بداية القرن الماضي يقدر أهميتها الاستراتيجية ويسعى إلى إقامة كيان سياسي فيها يخدم مصالحه. أما في بداية القرن الحالي فإن الإدارة الأمريكية المهيمنة باتت تسعى جاهدة لإلغاء دور مصر وإجهاض وتدمير عناصر العافية والقوة فيها، حتى تخلو الساحة لهيمنة الدور الإسرائيلى، وهي الأجواء التي أشاعت درجات متفاوتة من الإحباط واليأس في الشارع المصري والعربي.
لا سبيل إلى استعادة مظاهر العبث واللامعقول في العالم العربي على مختلف الأصعدة. ولا مفر من الاعتراف بأن اختراق تلك الأجواء المخيمة، والعثور على بقعة ضوء وسط الإظلام الذي يكاد يسد الأفق، يشكل مفاجأة مثيرة بقدر ما هي مفرحة، وهذا ما شهدناه في الأسبوع الماضي في الساحتين المصرية والفلسطينية.
- 2 -
لماذا مصر وفلسطين بالذات؟ عندي في الرد على السؤال عدة إجابات، منها أن مصر هي الدولة العربية الأكبر، في حين أن فلسطين تظل بامتياز الهم العربي الأكبر. ومنها أن البلدين شهدا حراكا قويا ومفاجئا في الأسبوع الماضي يشكل من الناحية النظرية اختراقا للأوضاع المخيمة، منها أيضا أنهما يقفان في قلب ما سمي بمعسكر الاعتدال، الذي تقوده وترعاه الولايات المتحدة وإسرائيل (وتصطف فيه الأردن والسعودية). منها كذلك أن ثمة تلازما مصيريا بين البلدين، بمعنى أن تمكين إسرائيل من فلسطين واستقرارها على أرضها، اقتضى إخراج مصر من الصف العربي وإلغاء دورها فيه.
أدري أن ثمة فروقا لا تحصى ولا يستهان بها بين مصر وفلسطين، لكن هناك متشابهات أيضا. فورطة مصر في «كامب ديفيد» لا تختلف كثيرا عن ورطة الفلسطينيين في «أوسلو». إذ كل منهما خطوة للوراء وليست إلى الأمام، كما أن غضب الشارع وسخطه على الأوضاع والسياسات القائمة واحد في الحالتين. واحتكار السلطة بدوره واحد فيها، واصطناع الشرعية واحد في الحالتين، وهي الشرعية التي تنبني على تزوير الانتخابات (كما حدث في مؤتمر فتح الأخير). هذا التماثل نجده أيضا في هيمنة الأمن على السياسة، وفي استشراء الفساد في دواليب السلطة، وفي رفض المقاومة والمراهنة على الدور الأمريكي.
ثمة تشابه آخر جدير بالرصد هو أن الحراك الأخير الذي حدث في البلدين جاء من خارج الأطر والكيانات المعتمدة أو المصطنعة بكل منهما. في فلسطين جاء الحراك من خارج الفصائل، كما أن الحراك الذي شهدته مصر جاء من خارج الأحزاب، وكان مثيرا للانتباه أيضا أن ذلك الحراك في رفضه واستنكاره للأوضاع القائمة، فإنه دعا إلى تغييرها بصورة سلمية وديموقراطية.
- 3 -
الذي حدث في مصر سجله الإعلام المستقل وقاطعه أو سارع إلى انتقاده وتشويهه الإعلام الحكومي، الأمر الذي يعكس أمرين، أولهما قوة الضغط الذي يمثله الحراك الأخير، وثانيهما حالة القلق التي استشعرها النظام القائم إزاء ذلك الضغط الذي لم يكن في حسبانه. ذلك أن القائمين على الأمر كانوا قد أعدوا عدتهم ورتبوا أمورهم على اعتبار أن الانتخابات القادمة، التشريعية والرئاسية مستمرة كسابقاتها، سواء فيما خص توزيع المقاعد وقوائم المرشحين «والناجحين» أو ما تعلق بضمانات الفوز الكاسح لمرشح الحزب الوطنى. وكما هو مفهوم، فإن الذين يديرون اللعبة لم يساورهم أي قلق من جانب الأحزاب الأخرى الرسمية، سواء بسبب ضعفها أو لأنهم مطمئنون إلى «تفاهم» و«تعاون» القائمين عليها. كما أنهم لم يكترثوا بالمجموعات الاحتجاجية التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة، لعلمهم أنها نخبوية من ناحية ومفتتة من ناحية ثانية، ثم إنها ظلت جسما بلا رأس، من حيث إنه لم تتوفر لها قيادة جاذبة يمكن المراهنة والإجماع عليها. وهذه المجموعات شكلت ما سماه الدكتور عمرو الشوبكي الموجة الأولى من الحراك السياسى، التي ظهرت بعد ميلاد حركة «كفاية» في عام 2004.
لكن حركة التاريخ تحركت ببطء بعد ذلك، إذ فتحت «كفاية» الأبواب لنوعين من الاحتجاج في مصر، الأول تمثل في بروز حركات الاحتجاج الاجتماعي الذي تمثل في مطالبات وإضرابات موظفي الضرائب العقارية وعمال المحلة الكبرى وغيرها. النوع الثاني من الاحتجاج كان سياسيا بالدرجة الأولى، وتمثل في جبهة التغيير التي دعا إليها الدكتور عزيز صدقي رئيس الوزراء الأسبق «رحمه الله» وحركة 6 أبريل ومصريون ضد التوريث ومصريون من أجل انتخابات حرة وجماعات الفيس بوك والمدونون وغيرهم. هذه الحركات أيضا لم تزعج السلطة أو تقلقها بسبب محدودية عضويتها وضعف حضورها في الشارع المصرى، ولا أستبعد أن يكون النظام قد غض الطرف عنها واستبقاها، لأن من شأن وجودها أن يعطي انطباعا إيجابيا عن التسامح والتعددية السياسية في مصر.
هذه الصورة اهتزت بشدة في الآونة الأخيرة، حين ظهر في الأفق اسم الدكتور محمد البرادعي كداعية للتغيير، وأبدى استعدادا للترشح لرئاسة الجمهورية إذا توفرت الظروف المناسبة لذلك. وبرزت تجمعات التفت حوله وساندته، رغم غموض موقفه ازاء ملفات السياسة الخارجية. وبدا ظهور المدير السابق لهيئة الطاقة الذرية كما لو أنه حجر كبير ألقي في بحيرة الركود السياسي المسكون باليأس والإحباط. وأسهم الفراغ المخيم في مصر المقترن برفض ما هو قائم في توفير درجة عالية من القبول له. ساعدت على ذلك عوامل عدة، منها مكانته الدولية المرموقة، وسمعته الممتازة وكونه من خارج «الطاقم» المهيمن في البلد، ومن خارج الأحزاب والشلل السياسية القائمة.
تداعت الأمور بعد ذلك على النحو المعروف، حيث لقي الرجل استقبالا حافلا حين وصل من فيينا إلى القاهرة يوم الجمعة الماضي «2/19». ورتبت له عدة لقاءات مع مجموعات مثلت نخبة المجتمع والشباب والناشطات من النساء. وكان واضحا في تحركه عدة مؤشرات تستحق الترحيب بحذر، منها ما يلي:
 إنه قدم نفسه بحسبانه داعية إلى التغيير وليس مرشحا للرئاسة، وركز في هذا الصدد على ضرورة إلغاء الطوارئ وإطلاق الحريات العامة وتعديل الدستور بما يعالج ثغراته التي فتحت الأبواب لاحتكار السلطة وحرمان الجماهير العريضة من المشاركة السياسية.
 إنه اعتبر دعوته مظلة لاحتواء وتجميع الحركات الاحتجاجية الداعية إلى التغيير وليست بديلا عنها.
 إنه حرص على ألا يستثني أحدا في حملته، وتجنب وصمة الإقصاء الذي انحازت إليه تحركات أخرى، من ثم فإنه أبدى استعدادا للقبول بشرعية وجود الإخوان المسلمين في إطار من احترام القانون والدستور.
 إنه اختار أن يعمل من خلال إطار تنظيمي باسم الجمعية الوطنية للتغيير، وهذا الإطار له هياكله وبرنامج عمله الذي يستهدف الضغط على الحكومة لتحقيق إصلاحات التغيير المنشودة.
هذه الحيثيات كانت كفيلة باعتبار الحملة الراهنة بمنزلة الموجة الثانية من الحراك السياسي على حد تعبير الدكتور عمرو الشوبكى، لما تمتعت به من ثقل وما توفر لها من حماس وقبول في أوساط الرأي العام المصري.

المشرف العام
06-03-2010, 01:53 PM
أرشح اليوم الثالث من مارس «آذار» لكي يكون يوم الهوان العربي.

ذلك أن الأمة العربية في ذلك اليوم الأسود أعلنت انبطاحها رسميا، ليس أمام الولايات المتحدة الأمريكية، وإنما أمام السيد بنيامين نتانياهو شخصيا. وهو المشهد الذي رحب به الرجل، فسارع إلى تقديم الشكر إلى بعض الزعماء العرب لما أبدوه من أريحية وكرم، ولم تقصر وزيرة الخارجية الأمريكية السيدة كلينتون في الإعراب عن امتنانها ورضاها عما اعتبرته موقفا عربيا «شجاعا» (!).

القصة عمرها 19 سنة (منذ توقيع اتفاقيات أوسلو) استمرت خلالها المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية وتواصلت مشاريع الحل الأمريكية، وهو المسلسل الذي لم يحقق شيئا يذكر، حيث أكل الإسرائيليون الأرض في حين أكل الفلسطينيون الهواء. وحين ظهر الرئيس أوباما في الأفق، فإنه شمر عن ساعديه وتحدث عن اعتزامه العمل على حل القضية وإقامة الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية، ووعد بالعودة إلى استئناف المفاوضات التي كانت قد توقفت في ظل حكومة نتانياهو،
وطلب وقف الاستيطان بصورة مؤقتة لتهيئة الأجواء المناسبة لتحقيق ما وعد به.

هذا الكلام تراجع عنه الرئيس الأمريكي بمضي الوقت للأسباب المعروفة. وإزاء إصرار إسرائيل على موقفها الرافض لوقف الاستيطان وغير المعترف بما قطعته المفاوضات في ظل حكومة أولمرت السابقة، فقد اتجهت الضغوط صوب الجانب العربي، باعتبار أنه الأكثر استعدادا للتنازل والانحناء. ولم يخيب العرب ظنونهم لعدة أسباب بينها أن الأطراف المعنية فرطت في كل أوراقها ولم تعد تملك شيئا تضغط به على إسرائيل، ناهيك عن أن بعضها لم يعد راغبا في ممارسة ذلك الضغط ومتمنيا أن يغلق ملف القضية بأي ثمن.

في هذا الصدد توافق أبومازن مع القاهرة وعمان على القبول بفكرة إجراء مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل لفترة تستغرق أربعة أشهر تعقبها مفاوضات مباشرة حول قضايا الحل النهائي، وهي الفكرة التي اقترحها مبعوث الرئيس أوباما إلى الشرق الأوسط «السيناتور جورج ميتشيل»، للاحتيال على العودة إلى المفاوضات واستمرار اللعبة العبثية، التي تريح بال إسرائيل وتمكنها من التفرغ للتعامل مع الملف الإيراني.

كان مطلوبا أن يبتلع العرب شرط وقف الاستيطان، ويتخلى أبومازن عن العنترية التي ادعاها. وينسى الجميع كل ما قالوه عن مراوغة إسرائيل وعدم رغبتها في إقرار السلام، ورفضها للمبادرة العربية وازدرائها بمن أطلقوها. كان مطلوبا أيضا أن يغض العرب بصرهم عن مخططات تهويد القدس، وعملية اقتحام المسجد الأقصى، وسرقة الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال بن رباح،
وسرقة وهدم بيت المقدس، باختصار كان مطلوبا محو الذاكرة العربية ونسيان العدوان على غزة، واستمرار حصارها، وإصرار إسرائيل على ارتهان 11 ألف فلسطيني في سجونها.

ولإخراج المشهد المخزي تم ترتيب الأمر بين تل أبيب ورام الله والقاهرة وعمان. فدعيت لجنة المبادرة التي ضمت 13 دولة عربية لاجتماع وزاري في القاهرة لبحث فكرة العودة إلى المفاوضات قبل القمة العربية في ليبيا. ولتسكين المشاعر العربية وتخديرها طلب نتانياهو وقف اقتحام المسجد الأقصى وتأجيل هدم 150 بيتا للعرب في حي سلوان بالقدس لإقامة ما سمي بالحدائق التوراتية بدلا منها، وهو المشروع الذي كان قد تقرر إطلاقه في وقت اجتماع لجنة المبادرة بالقاهرة.

ادعى أبومازن البراءة، فصرح بأنه ألقى بالكرة في ملعب اللجنة للنظر في الاقتراح الأمريكي، مؤكدا التزامه بما تقرره إزاءه، وهو يعلم وكل الوزراء يعرفون أن اللجنة تشكلت لتسويق المبادرة العربية ولا علاقة لها بموضوع استئناف المفاوضات.

حين أعلنت لجنة المبادرة الانصياع ودخول بيت الطاعة المنصوب، نظرت إلى صورة الوزراء المجتمعين فرأيتهم جميعا وقد انبطحوا عرايا في القاعة الفسيحة التي جمعتهم، ورأيت صورة نتانياهو معلقة على الجدار وهو يبتسم وقد لوح بيده في الهواء محييا ومباركا، وحبست رغبة شديدة في البكاء!.

المشرف العام
09-03-2010, 11:01 AM
كل الذي جرى في مسلسل بيع الغاز المصري لإسرائيل يظل مثيرا للشك وغير قابل للتصديق. ورغم أن المحكمة الإدارية العليا أجازت المبدأ وأدانت إجراءات تنفيذه، إلا أن محكمة التاريخ لن ترحم أحدا من الضالعين في الاثنين، سواء ظهروا في الصورة أو غابوا عنها.

- 1 -

الصحف التي صدرت صبيحة يوم الأحد 28 فبراير أبرزت على صدر صفحاتها الأولى قرار محكمة مجلس الدولة بإباحة تصدير الغاز لإسرائيل، معتبرة أن إقامة علاقات تجارية معها بعد معاهدة السلام من أعمال السيادة الخارجية التي لا تخضع لولاية القضاء.

وكان واضحا أن الصحف «القومية» رأت في الحكم انتصارا لسياسة الحكومة في التعاقد على بيع الغاز، إلا ان قراءة الحكم بهذه الصورة يعد سيرا على درب الذين وقفوا في قراءة الآية القرآنية عند عبارة لا تقربوا الصلاة.

ذلك أن الحكم شكك بعد ذلك في موقف الحكومة إزاء عملية التنفيذ. ودعا إلى وقف تنفيذ قراري مجلس الوزراء ووزير البترول لأنهما لم يتضمنا آلية للمراجعة الدورية لكمية الغاز المصدر وأسعاره خلال مدة التعاقد حماية للصالح العام المصري.

كما دعت المحكمة إلى إلغاء الشرط الذي يضع سقفا لأسعار البيع لإسرائيل، لكي يتماشى مع تطور أسعار الغاز والبترول في السوق العالمية.

حيثيات الحكم لم تذع بعد، لكن صحيفة «الشروق» نشرت في يوم 3/3 جانبا منها نسب إلى الحكومة ارتكاب ثلاث مخالفات في تصديرها للغاز، الأولى أنها وافقت على تحديد كمية الغاز الطبيعي المصدرة لإسرائيل بسبعة بلايين متر مكعب سنويا «تزداد في حالة وجود فائض». مما يشكل إجحافا بحق المواطن المصرى.

المخالفة الثانية انها وافقت على تحديد سعر التصدير بحد أدنى 75 سنتا أمريكيا للمليون وحدة حرارية، وحد أقصى دولار ونصف الدولار في حالة وصول متوسط سعر خام البترول إلى 35 دولارا للبرميل، وهو ما يعني أنه لا مجال لزيادة سعر التصدير، حتى إذا ما تجاوز ذلك الحد، كما هو الحاصل حاليا.

المخالفة الثالثة ان الاتفاق تم على سريان العقد لمدة 15 عاما، على نحو غير قابل للمراجعة في ظل أي تطورات جذرية يمكن أن تحدث خلال تلك الفترة. وهو ما يتناقض مع التشريعات الحاكمة لاستغلال هذه السلعة الاستراتيجية.

مما ذكرته صحيفة «الشروق» أيضا نقلا عن الحيثيات، أن المحكمة أكدت أن الأوراق المقدمة من الحكومة لم تثبت حدوث تغيير في أسعار وكميات الغاز منذ صدور قرار وزير البترول في هذا الشأن عام 2004، كما أنها لم تفسر امتناعها عن إعادة عرض الأمر على مجلس الوزراء رغم مضي عشر سنوات على صدور قرار التصدير، لإعادة النظر في احتياجات السوق المصرية.

- 2 -

هذا الحكم يعد نهائيا وغير قابل للطعن فيه، لكنه يثير عديدا من الملاحظات والأسئلة الحائرة.
من الملاحظات أن المستشار محمد الحسيني رئيس مجلس الدولة الذي رأس المحكمة كان قد وجه رسالة حين عين في منصبه في العام الماضي أعلن فيها أن المجلس لن ينظر في القضايا السياسية، نظرا للظروف الخاصة والملاءمات التي تحيط بها، لكنه لم يستطع أن يفي بذلك، ووجد قلب السياسة حين نظر القضية التي نحن بصددها الآن.

من تلك الملاحظات أيضا أن بيع الغاز إلى إسرائيل يعتبر قرارا سياديا يبدو غير مسوغ وغير مفهوم، ذلك أن فقهاء القانون يعتبرون أن القرار السيادي هو الذي تصدره القيادة في ضوء خياراتها السياسية وليس بصفتها سلطة إدارة، وهو ما ينطبق على تشكيل الوزارة وإعلان الطوارئ أو الدخول في حرب أو الاتفاق على هدنة.

أما الاتفاق على بيع سلعة استراتيجية مثل الغاز أو بيع سلعة استهلاكية مثل البصل والبطاطس، فلا يمكن أن يعد قرارا سياديا.

أما الأسئلة التي تثيرها القضية فهي كثيرة، منها على سبيل المثال:

* لماذا أحيطت العملية بالسرية الشديدة منذ بدئها في شهر أبريل من عام 2000، بحيث لم يعلم بها أحد إلا حين نشرت الصحف الإسرائيلية صورة توقيع الاتفاق التي ظهر فيها وزير البترول المصري مع وزير البنية التحتية الإسرائيلي «اليه سويسا» وهما يتصافحان ويتبادلان الابتسامات بعد التوقيع؟

(هل تذكر قصة السور الفولاذي الذي تقررت إقامته بصورة سرية بين سيناء وقطاع غزة، ولم يعلم به المصريون إلا بعدما نشرت الخبر إحدى الصحف الإسرائيلية).

* لماذا لم يعرض هذا الاتفاق الذي وقع في 13 أبريل سنة 2000 على مجلس الشعب المصري، شأن غيره من الثروات الطبيعية والسلع الاستراتيجية التي ينبغي أن يعرض أمر التصرف فيها على المجلس؟

* لماذا امتنعت الحكومة طوال العامين اللذين نظرت فيهما قضية وقف تصدير الغاز أمام القضاء عن تقديم أي بيان أو مستند إلى مجلس الدولة يبين نص العقود الموقعة أو الأسعار التي اتفق عليها أو أي تعديلات ادعت الحكومة أنها أجرتها على بنود الاتفاق؟ وهو ما اضطر الدفاع إلى الاعتماد في معلومات الاتفاق على المصادر الأجنبية.

* لماذا امتنعت وزارة البترول عن إعادة النظر في الكميات المصدرة طوال السنوات العشر الأخيرة، رغم علمها بتزايد معدلات الاستهلاك في داخل مصر، بما لا يسمح بتصدير أي «فائض» إلى أي دولة أجنبية؟

* مَنْ المسؤول عن المأزق الذي أصبحت مصر تواجهه الآن، حيث أصبحت تشتري الغاز من الشريك الأجنبي لكي تبيعه إلى إسرائيل بدولار ونصف الدولار، الأمر الذي يحمل الخزانة المصرية كل صباح مبلغ 12 مليون دولار، تدفعها مصر إلى الشريك الأجنبي لكي تفي بالتزامها إزاء إسرائيل

(المعلومة الأخيرة وردت في مذكرة الدفاع التي قدمتها الحكومة إلى المحكمة).

* ما الحجم الحقيقي لمخزون الغاز في مصر، الذي تبالغ فيه وزارة البترول بحيث ترفعه إلى 77 تريليون قدم مكعبة، في حين يذهب رأى الأغلبية الساحقة من الخبراء إلى أن المخزون في مصر يمثل نصف هذه الكمية؟

* هل يُعقل أن تشتري إسرائيل الغاز من مصر بسعر الوحدة يتراوح بين 75 سنتا ودولار وثلاثين سنتا، حين بدأ يصل إليها في أول مايو 2008، في حين أن سعر السوق في ذلك الوقت كان 13 دولارا، الأمر الذي يعني أننا نخسر في كل وحدة ما يقارب 11 دولارا

(للعلم إسرائيل تحصل من مصر يوميا على 665 مليون وحدة والسعر الآن 15 دولارا لكل وحدة).

- 3 -

في العام الماضي أصدرت محكمة القضاء الإداري برئاسة المستشار محمد أحمد عطية حكمها بوقف تصدير الغاز إلى إسرائيل، الذي تم الطعن عليه أمام المحكمة العليا.

وكان الحكم قد اعتبر قرار وزير البترول ببيع الغاز معدوما لمخالفته لأحكام الدستور والقانون. أما الحيثيات التي وردت في الحكم فإنها أثارت نقاطا عدة من بينها ما يلي:

* ثبت من أوراق الدعوى أن الغاز الطبيعي المصري يباع بسعر لا يتناسب البتة مع السعر العالمي السائد.. ومن شأن ذلك إهدار جزء من ثروات مصر وعوائدها، التي كان يمكن لو أحسن التصرف فيها أن تعود على المجتمع بخير وفير.

* إن هذا التصرف من جانب السلطة يهدر يوميا على خزينة الدولة ملايين الدولارات، الأمر الذي يفقدها جزءا كبيرا من ثروتها وموردا مهما من مواردها، وهو ما يتعارض مع اعتبارات الصالح العام الذي ينبغي أن تسعى إليه جميع أجهزة الدولة، كما أنه لا يستقيم مع ما تقضي به نصوص الدستور من حرمة الملكية العامة وإلزام كل مواطن بواجب حمايتها.

* إن جهة الإدارة بإصدارها القرار المطعون فيه (القاضي بتصدير الغاز)، الذي لا يمت للمصلحة العامة وللمجتمع، ويهدر جزءا مهما من ثروة البلاد الطبيعية التي وهبها الله للشعب، تكون قد انحرفت بسلطتها وأساءت بشدة استعمالها.

* إن إجراءات تنفيذ الصفقة شابتها ملابسات تبعث على الشك والحيرة، فقد ثبت أن ثمة سرعة متناهية وتعاصرا مريبا في إنشاء شركة الغازات الطبيعية التابعة للقطاع العام، ثم إنشاء شركة مصرية تابعة للقطاع الخاص «باسم شركة البحر المتوسط» وتعديل نشاط الشركة الأخيرة والغرض منها، ثم منحها فور ذلك ودون غيرها عقد امتياز واحتكار شراء الغاز المصري المصدر لإسرائيل.

وهي ملابسات تثير التساؤل عن أسباب ذلك التزامن العجيب وعن السرية والتكتم الشديد الذي فرضته جهة الإدارة حول الصفقة.

كما تثير تساؤلا حول دوافع حجب تفاصيل الصفقة عن الشعب ونوابه، وهو ما يتعارض مع الشفافية المفترضة في ديموقراطيات العالم المتحضر. كما أنه يخل بالثقة الواجب توافرها في تعاملات جهة الإدارة.

- 4 -

إشارات محكمة القضاء الإداري لامست الحقائق المذهلة في مسلسل الصفقة، التي كشفت عن أن الأمر أبعد وأعمق مما بدا على السطح، بقدر ما نبهت إلى أن هناك جزءا غاطسا في المشهد لم يتعرف عليه أحد، ولم يظهر أبطاله في الصورة.

إذ لابد أن يستغرب المرء مثلا قيام وزير البترول فجأة بدعوة الهيئة العامة للبترول إلى اجتماع عاجل في 12 أبريل عام 2000، لبحث موضوع واحد هو تنفيذ تعليمات تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل عبر الأنابيب وفق الاشتراطات الإسرائيلية.

ثم في اليوم التالي مباشرة «13 أبريل» يوقع وزير البترول اتفاقية تصدير الغاز مع وزير البنى التحتية الإسرائيلية، دون تفويض من وزير الخارجية أو رئيس الجمهورية، ودون عرضها على مجلس الشعب «وفقا لأحكام الدستور».

وفي وقت لاحق «في 24 مايو» يوجه رئيس الهيئة العامة للبترول كتابا سريا إلى رئيس شركة القطاع الخاص يخطره فيه بأن شركته ستكون البائع الوحيد المحتكر والمخول ببيع الغاز الطبيعي إلى إسرائيل.

ويؤكد ضمان الهيئة العامة للبترول توفير الكميات المتعاقد عليها من حصتها أو من حصة الشريك الأجنبي.

أي أن تشتري مصر غازها الذي تملكه من حصة الشريك الأجنبي بسعر يقارب 3 دولارت لتبيعه لإسرائيل بـ 75 سنتا.

ثم في 18 مارس 2001، وبناء على الاتفاقية الباطلة بين الوزيرين المصري والإسرائيلي يصدر رئيس الوزراء قرارا غير معلن يخول وزارة البترول من خلال مؤسساتها حق بيع كمية قدرها 7 مليارات متر مكعب من الغاز المصري إلى شركة القطاع الخاص.

وفي اليوم التالي مباشرة «19 مارس» وفي إجراء غير معهود يوجه رئيس الوزراء خطابا إلى رئيس شركة القطاع الخاص يبلغه فيه أنه من دواعي سروره أن يبلغه بأن مجلس الوزراء وافق على أن تتولى شركته تنفيذ الصفقة مع الجانب الإسرائيلي.

هذا نذر يسير من خلفيات العملية التي لو تكشف أمرها في أي بلد محترم لأحدث زلزالا يهز أركان الحكومة والنظام، لكنه في مصر لم يحرك شيئا في المؤسسات الشرعية التي تم تجاوزها والازدراء بها في كل ما تم من خطوات.

أما الذين حركتهم الغيرة واستفزهم الحدث فقد كانوا بعض الوطنيين الغيورين، الذين رفضوا الاستسلام أو السكوت عن ذلك الإهدار المعيب لثروة المجتمع وذلك الاحتقار المستغرب للدستور والقانون، وذلك التخاذل المدهش أمام الإسرائيليين.

إن كتيبة القانونيين الذين يخوضون معركة الدفاع عن ثروة المجتمع وكرامته في ساحة القضاء تضم نفرا من الشرفاء سيتقدمهم السفير السابق والمحامي القدير إبراهيم يسرى، الذي قال لي قبل أيام إن قلم الكتاب بالمحكمة العليا رفض أن يسلم مندوبا عنه الصيغة التنفيذية للحكم الأخير لتنفيذ شقه المتعلق بوقف قرار بيع الغاز لحين وضع آلية لمراجعة كمية وسعر الغاز المبيع وإلغاء الشرط الذي يضع سقفا لسعر البيع.

إن لوبي تصدير الغاز لإسرائيل في مصر أكبر وأقوى مما نتصور.

مشراف
17-03-2010, 10:23 AM
في أسبوع الفضائح المدوية


كتب فهمي هويدي
2010/03/15 م
http://www.alwatan.com.kw/ArticleDetails.aspx?Id=14325

- سيذهب الفلسطينيون إلى المفاوضات غير المباشرة وهم في أضعف أحوالهم

- الصدمة الأكبر تمثلت في الصمت العربي إزاء ما حدث والتعامل معه باعتباره أمراً عادياً لا يستحق استنفاراً أو غضباً

لو سألتني عن عنوان للأسبوع الفائت لقلت على الفور إنه أسبوع الفضائح المدوية، الذي سقطت فيه أوراق التوت عن عورات العرب، فظهروا أمام الملأ في وضع مخل تداخل فيه الخزي مع الخذلان.

- 1 -

وسط أجواء الحديث عن العودة إلى المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين أعلن عن ضم مسجدين كبيرين في الخليل وبيت لحم إلى الآثار اليهودية، وفوجئنا بصورة نشرتها صحيفة «هاآرتس» لمجموعة كبيرة من المجندات الإسرائيليات وقد دخلن بأحذيتهن إلى الحرم الإبراهيمي - أحد المسجدين - وجلسن في باحة المسجد يستمعن إلى تعليمات تلقى عليهن. لم تكن تلك هي الصدمة الوحيدة التي كانت تعبيرا عن إشهار التحدي والازدراء بالعرب والمسلمين، لأن الصدمة الأكبر تمثلت في الصمت العربي إزاء ما حدث، والتعامل معه باعتباره أمرا عاديا لا يستحق استنفارا أو غضبا.
قبل ذلك بأيام اقتحمت جماعات من اليهود المسجد الأقصى، واستولى آخرون منهم على بيوت الفلسطينيين في حي الشيخ جراح بالقدس، وتم اعتقال عشرات من الفتية الفلسطينيين من بيوتهم في حي سلوان تحت جنح الظلام، بعدما اتهموا برشق الجنود الإسرائيليين بالحجارة، وفي الوقت ذاته، كان الإسرائيليون يبنون كنيسا جديدا بجوار المسجد الأقصى إيذانا بانطلاق مشروعهم لإعادة بناء هيكل سليمان، تحقيقا لنبوءة أحد الحاخامات الذين يقولون إنه في القرن الثامن عشر، حدد اليوم السادس عشر من شهر مارس في عام 2010 (اليوم) للبدء في عملية البناء.
في هذا الجو المسكون بالتحدي والعربدة الإسرائيلية، الذي تواصلت في ظله جهود اقتلاع الفلسطينيين وتدمير حياتهم، عرضت على الأمة العربية تمثيلية المفاوضات غير المباشرة بين السلطة الفلسطينية وحكومة نتنياهو - ليبرمان. ولأن المفاوضات كانت مجمدة من الناحية الرسمية وأعلن أنها لن تستأنف إلا بعد وقف الاستيطان، فقد أراد لها المخرج الأمريكي ان تتم بغطاء عربي لإنقاذ ماء وجه السلطة الفلسطينية وللإيحاء بنجاح الوساطة الأمريكية، تحقق المراد على النحو المعروف، ووافقت لجنة المبادرة العربية (غير المختصة بالموضوع)! على المفاوضات غير المباشرة، وحين بدأ المبعوثون الأمريكيون في التحضير للقاء المرتقب توالت المفاجآت. جاء السيد جورج ميتشيل مبعوث الرئيس أوباما إلى المنطقة فأعلنت إسرائيل عن البدء في بناء 112 وحدة استيطانية جديدة. وبعده جاء نائب الرئيس جوبايدن، فأعلنت إسرائيل عن الشروع في بناء 1600 وحدة استيطانية أخرى - ماذا كان رد الفعل الفلسطيني والعربي على ذلك؟
الرد كان مفجعا وصادما. فمن ناحية توالت التصريحات في رام الله والقاهرة وعمان التي ذكرت في المرة الأولى ان الهدف من القرار هو إفساد مهمة السيد ميتشيل، وفي المرة الثانية قيل إن القرار صفعة لنائب الرئيس الأمريكى، كأن العرب كانوا حريصين على مهمة ميتشيل وعلى كرامة بايدن بأكثر من حرصهم على حقوقهم وكرامتهم. لم يتحدث أحد عن ان الصفعة الحقيقية (البصقة إن شئت الدقة) هي من نصيب الجانب العربي الذي وافق صاغرا على العودة إلى المفاوضات. وقبل بان يدور في الحلقة المفرغة، التي لم يجن منها شيئا منذ توقيع اتفاقية أوسلو في عام 1993.

- 2 -

الموقف العربي إزاء الممارسات الإسرائيلية لم يتجاوز أمرين، أولهما الإعراب عن «الاستياء»، وثانيهما التلويح بفكرة الامتناع عن العودة إلى المفاوضات غير المباشرة. الاستياء ظل تصريحا صحفيا ولم يترجم إلى غضب ملموس، أما مقاطعة المفاوضات المفترضة فإن أحدا لم يأخذها على محمل الجد. واعتبرها الآخرون مجرد فرقعة في الهواء، إذ استقبلت في الولايات المتحدة وإسرائيل بحسبانها تهديدا لا يملك الفلسطينيون ولا يحتمل العرب المضي فيها إلى النهاية، فالمسؤولون في واشنطن قالوا إنهم لم يتلقوا معلومات رسمية بهذا الخصوص. أما بنيامين نتنياهو فقد تحدث بلغة الواثق والمطمئن، وقال إن المفاوضات ستبدأ في موعدها في الأسبوع المقبل.
أثبت نتنياهو ان نهجه أكثر جدوى في التعامل مع العرب من غيره من السياسيين الإسرائيليين، هكذا كتب شالوم يروشالمي في صحيفة «معاريف» «عدد 2010/3/5». وكان صاحبنا هذا من الناقدين لرئيس الوزراء الإسرائيلى، لكنه غير موقفه، شأن آخرين ممن لاحظوا التخاذل العربي أمام قرارات نتنياهو وممارساته، الأمر الذي أقنعهم بأن الرجل له قراءته للواقع العربي المدرك لما فيه من عجز ووهن. من ثم فإنهم إما توقفوا عن انتقاده أو شرعوا في كيل المديح له.
وفي الوقت الذي تزايدت فيه جبهة التأييد لنتنياهو في الإعلام الإسرائيلى، فإن التعليقات التي تناولت ردود الأفعال العربية والفلسطينية ضمنا بالسخرية والتهوين لم تتوقف. فقد سخرت «هاآرتس» من فكرة المفاوضات غير المباشرة. فنشرت «في6/3» مقالا كتبه افي سيخاروف مراسلها للشؤون الفلسطينية تساءل فيه قائلا: هل توقفت حقا الاتصالات بين ممثلي السلطة والمسؤولين الإسرائيليين. حتى يحتاج نتنياهو وعباس إلى مفاوضات غير مباشرة؟، وأضاف ان التنسيق الأمني بين الطرفين مستمر بشكل غير مسبوق، حيث يتبادل مسؤولو الأجهزة الأمنية في كل جانب الأدوار والمعلومات في تعقب حركات المقاومة وإجهاض عملياتها. وأشاد الكاتب بقادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية الذين أصبحوا يتنافسون في التعامل مع نشطاء المقاومة لتحسين صورتهم لدى إسرائيل.
لم يسلم وزراء الخارجية العرب من سخرية المعلقين الإسرائيليين، الذين استخفوا بما ورد في بيانهم الذي أيدوا فيه العودة إلى المفاوضات غير المباشرة لإعطاء الفرصة لإسرائيل لإثبات «حسن نواياها»، وحددوا سقفا زمنيا مدته أربعة أشهر لتلك العملية. وكان تسفي بارئيل محرر الشؤون العربية في «هاآرتس» أحد الذين سخروا من البيان، وكتب في 6/3 مقالا ذكر فيه ان حكومة اليمين في إسرائيل ملتزمة بمواصلة الاستيطان في القدس والضفة الغربية أكثر من التزامها بأي شيء آخر الآن أو بعد أربعة أشهر. ومن المعلقين الإسرائيليين من ذكَّر الوزراء العرب بأنه بعد أربعة أشهر من المفاوضات غير المباشرة ستكون مهلة تجميد الاستيطان المؤقت موشكة على الانتهاء. علما بأن نتنياهو وكبار وزرائه وعدوا بأن الحكومة تستعد لطفرة في المشاريع الاستيطانية بمختلف أنحاء الضفة الغربية. على رأسها بناء مدينة استيطانية تستوعب 14 ألف مستوطن (لاحقا - في 11/3 - نشرت «هاآرتس ان ثمة مشروعا قيد الدراسة الآن لبناء 50 ألف وحدة سكنية في أحياء القدس الشرقية).

- 3 -

لا تقف عند حد عملية الإذلال التي يتعرض لها الفلسطينيون والعرب الذين باركوا المفاوضات غير المباشرة وحددوا لها سقفا زمنيا، وهي المفاوضات التي كانت اقتراحا أمريكيا تم إخراجه إلى حيز التنفيذ وتمريره عربيا بالتعاون بين السلطة الفلسطينية ومصر والأردن، فقد أبلغت الإدارة الأمريكية السلطة الفلسطينية بأنها ترى ان حكومة نتنياهو غير ملزمة بالتفاهمات التي تم التوصل إليها مع رئيس الحكومة السابق إيهود باراك (هاآرتس - 7/3)، الامر الذي يعني ان المفاوضات المرتقبة سوف تبدأ من الصفر، استجابة لموقف نتنياهو الذي أعلن فيه أنه مستعد للمفاوضات دون أي شروط مسبقة. وهو ما تحلل به من أي التزامات أو اتفاقات سابقة، ليس ذلك فحسب، وإنما اعتبرت الإدارة الأمريكية ان عمليات بناء الوحدات الاستيطانية التي تتم في نطاق القدس خارجة عن نطاق التجميد الظاهري الذي أعلنه نتنياهو.
الخلاصة ان الفلسطينيين سيذهبون إلى المفاوضات غير المباشرة وهم في أضعف أحوالهم. ليس هذا فحسب، وإنما هم واثقون أيضا من عدة أمور، أولها ان الإدارة الأمريكية منحازة بالكامل لإسرائيل، وليس لديها أي استعداد لممارسة أي ضغط عليها، ليس فقط لقوة «اللوبي» الصهيوني في واشنطن، ولكن أيضا لأن الجميع يعلمون ان الإدارة الأمريكية تتحسب للانتخابات التشريعية التي سوف تجري هناك في نوفمبر القادم، الأمر الذي يجعلها بحاجة إلى إرضاء إسرائيل وكسب تأييد قادتها.
الأمر الثاني أنهم يعرفون جيدا ان الموقف العربي الرسمي مرتبط بالإرادة الأمريكية ولا يستطيع ان ينفصل عنها. الأمر الثالث أنهم يدركون ان المفاوضات لن تحقق لهم شيئا في ظل موازين القوى الحالية. وخبرتهم منذ مفاوضات واشنطن عام 1991 وحتى مؤتمر أنا بوليس عام 2007 مرورا بأوسلو ولقاء كامب ديفيد، أقنعتهم بأن إسرائيل مستعدة لأن تأخذ فقط ولا تريد ان تعطي.
هذا الانطباع عبر عنه الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني بلال الحسن في مقالة أخيرة له قال فيها إن إسرائيل لا تريد البحث في القضية الفلسطينية الأصل، ولا تريد البحث في حق العودة للاجئين ولا تريد البحث في انسحاب إسرائيلي كامل من أراض احتلت عام 1967، ولا تريد إزالة المستوطنات، ولا تريد الموافقة على إنشاء دولة فلسطينية مستقلة في حدود أراضي 1967، وبات معروفا وشائعا في المقابل ان إسرائيل تريد نصف الضفة الغربية، وتريد مياه الضفة الغربية، وتريد سماء الضفة الغربية، وتريد المياه الإقليمية لقطاع غزة، وتريد التمركز العسكري على امتداد نهر الأردن، كل هذا تريده إسرائيل وكل هذا تعرف أمريكا ان إسرائيل تريده، ومع ذلك فهي تأتي إلى المنطقة بكل هيبتها لتقول لنا إنها ستدير مفاوضات غير مباشرة وتتعهد لنا أنها ستنتهي في حدود عامين، وتريد منا ان نصدق هذه الكذبة الكبرى (الشرق الأوسط 14/3).

- 4 -

المأزق الذي تعاني منه القضية يرجع إلى عوامل عدة في المقدمة منها عاملان جوهريان هما:
-4 تحييد مصر وخروجها من معادلة الصراع مع إسرائيل، بتوقيعها معاهدة السلام المنفرد في عام 1979، وبهذا الخروج فقد العرب أهم عناصر قوتهم في مواجهة إسرائيل، الأمر الذي أدى إلى انكشاف العرب وتفتت قدراتهم وانغلاق خيالاتهم. فلا حرب تحرز، ولا تسوية تسترجع البقايا. هذه الفقرة اقتبسها من بحث حول المأزق للدكتور على الجرباوي أستاذ العلوم السياسية السابق بجامعة بيرزيت والوزير في الحكومة الحالية. وكانت النتيجة - والكلام له - ان العرب منذ ذلك الحين لم يستعيدوا زمام المبادرة مطلقا في مواجهة إسرائيل. الأمر الذي أدى إلى إلحاق الهزيمة السياسية بهم في كل مراحل المفاوضات التي استمرت منذ عام 1991 وحتى هذه اللحظة.
-2 انعدام الخيارات لدى الطرف الفلسطيني والعربى، ذلك ان معادلة ميزان القوى بين الأطراف المتقابلة في أي عملية تفاوض تتأثر إيجابا وسلبا بمدى توافر هذه الخيارات من عدمها عند تلك الأطراف، من ثم فقوة الطرف المفاوض تزداد بمدى ما يتوافر له من خيارات أخرى، بمقدوره ان يلجأ إليها إذا ما لم يحقق التفاوض الهدف المنشود منه. أما إذا أعلن أحد الأطراف ان التفاوض هو خياره الوحيد، فإنه يخسر قضيته منذ اللحظة الأولى. وهي الفكرة التي سجلها باستفاضة الدكتور الجرباوي في بحثه، وأكد فيها على أنه من الأفضل للطرف الذي لا يملك خيارات أخرى غير التفاوض ألا يتفاوض من الأساس، لأنه في هذه الحالة سيجد نفسه محكوما بموازين القوة ومضطرا إلى العودة للمفاوضات مرة أخرى وإلى تقديم التنازلات لخصمه الأقوى في أي قضية خلافية.
أما ما الخيارات الأخرى فقد تكون المقاومة أو الانتفاضة. وقد تكون مجرد رفض التفاوض والتنازل، لكن الحاصل عندنا أننا منذ أعلنا عن ان السلام هو خيارنا الاستراتيجي وأن التفاوض هو سبيلنا الوحيد، حشرنا أنفسنا في الزاوية وكتب علينا ان نحترف إدارة الخد الأيمن كلما تلقينا صفعة على الخد الأيسر، ولم نعد نملك إلا ان نفعل العكس بمجرد ان نتلقى الصفعة التالية. الأمر الذي أغرى الإسرائيليين بالذهاب إلى أبعد من الصفعات في تعاملهم معنا، وهذا هو الحاصل الآن للأسف البالغ.

فهمي هويدي

أحمد
17-03-2010, 02:14 PM
مقالة رائعة ..

أستطيع أن أسميه مقال أسبوعي بمعنى الكلمة ..

المقال معد بشكل احترافي .. مادة دسمة ..

وتحليل عميق ..

وأكد فيها على أنه من الأفضل للطرف الذي لا يملك خيارات أخرى غير التفاوض ألا يتفاوض من الأساس، لأنه في هذه الحالة سيجد نفسه محكوما بموازين القوة ومضطرا إلى العودة للمفاوضات مرة أخرى وإلى تقديم التنازلات لخصمه الأقوى في أي قضية خلافية.

وهذا هو سبب الهوان ..

العرب للأسف لم يعودوا يرووا أنفسهم طرفا في القضية ..

مشراف
23-03-2010, 03:36 PM
دفعنا الثمن من استقلال القضاء

http://www.alwatan.com.kw/ArticleDetails.aspx?Id=16068
كتب فهمي هويدي
2010/03/22 11:08 م


http://www.alwatan.com.kw/resources/media/images/96_w.png




- لا أخفي شعوراً بالدهشة إزاء الخلل الذي أصاب أولوياتنا

- الثابت أن ملف المرأة القاضية احتل حجماً أكبر مما ينبغي التبس في ظله الأمر على كثيرين

إذا قرأنا قرار تعيين المرأة قاضية من وجهة النظر النسوية فقد يبدو اننا كسبنا نقطة. اما اذا نظرنا اليه من زاوية المصلحة الوطنية التي يشكل استقلال القضاء ركيزة أساسية لها، فسوف نكتشف اننا خسرنا اكثر من نقطة.

-1
لقد التزمت الصمت ازاء الموضوع طوال الاسابيع الخمسة التي استغرقها هبوب العاصفة. وآثرت الانتظار حتى تقول المحكمة الدستورية كلمتها التي كان من اليسير على أي متابع لاتجاه الريح ومدرك للضغوط التي مورست، ان يتنبأ بما يمكن ان تخلص اليه. وهو أمر مؤسف لا ريب، يتعين ادراجه ضمن سلبيات ما جرى. وكان دافعي الى العزوف عن الاشتراك في اللغط والصخب الذي ثار اقتناعي بان القضية لم توضع في اطارها الصحيح، بحيث انزلقت في مدارج الغلط كل ما بني على الخطأ في الطرح. كما انني لا اخفي شعوراً بالدهشة ازاء الخلل الذي اصاب اولوياتنا ونحن نتعارك ونتراشق بسبب جلوس المرأة على منصة القضاء، في حين تتعلق ابصار العرب والمسلمين بما يجري في الارض المحتلة. آية ذلك انه في اليوم الذي احتل فيه قرار المحكمة الدستورية العليا بشأن الانتصار للمرأة القاضية العنوان الرئيسي لصحيفة «الاهرام» (يوم15/3) كان الخبر التالي في الاهمية هو الاشتباكات الحاصلة في القدس، التي سجلتها صورة للشبان الفلسطينيين وهم يرشقون بالحجارة الجنود الاسرائيليين الذين كانوا يردون عليهم بخزات الرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع.
أيا كان الامر، فالثابت ان ملف المرأة القاضية احتل حجماً اكبر مما ينبغي، التبس في ظله الامر على كثيرين، كما انه اغرى بعض المتحمسين بتحويله الى ساحة جديدة للاثارة والمزايدة. كما اتاح لآخرين من الناقدين والناقمين فرصة قمع معارضيهم في الرأي وتلويث سمعتهم. اما الذين حولوا المسألة الى اشتباك مع تعاليم الاسلام وتجريح لها فحدث عنهم ولا حرج، لان بعض مثقفينا اصبحوا ينتهزون كل فرصة لتجديد ذلك الاشتباك وتصعيده، مرة باسم الدفاع عن الدولة المدنية، ومرة باسم التصدي للأصولية والسلفية، ومرات باسم ما اعتبروه خلاصا من تأثير الخرافات والغيبيات وغير ذلك من مخلفات «عصور التخلف والانحطاط».

-2
نصيب مجلس الدولة من هذه السهام كان وفيرا، فقد صور بحسبانه منحازاً ضد المرأة، وكان اطلاق هذه الشائعة كفيلا بفتح باب التسابق على وضعه في قفص الاتهام، واطلاق دعاوى محاكمته بتهم السلفية والاصولية. وكان ذلك امرا مثيرا للدهشة حقاً، ليس فقط لانه يعبر عن اصرار على مصادرة وجهة نظره في الموضوع، ولكن ايضا لان سجل المجلس يحفل بالمواقف التي تشرفه وتبيض صفحته وتجعله ابعد ما يكون عن تلك الشبهات. ذلك ان الذين اطلقوا تلك الاتهامات تجاهلوا ان المجلس هو الذي أجاز قانون الخُلع، وابطل قرار وزير الداخلية الذي كان يشترط الا تسافر المرأة بغير اذن زوجها. وهو الذي قضى بالا تسجل في بطاقة هوية اي شخص ديانة غير ديانته الحقيقية. كما ان مجلس الدولة هو المؤسسة المدنية الوحيدة التي اختارت رئيسا قبطياً مرتين (هما المستشاران حنا ناشد ونبيل ميرهم.) ولا ينسى ايضا ان مجلس الدولة هو الذي ألغى قرار تصدير الغاز الى إسرائيل، وهو الذي قضى بعدم شرعية وجود «الحرس» في الجامعة.
الذي لا يقل اهمية عن كل ذلك ان القضاة ومجلس الدولة لم يتبنوا موقفا ضد تعيين المرأة قاضية. وانما هناك اتفاق بين الاغلبية الساحقة على ان حق المرأة في ولاية القضاء تجيزه الشريعة الاسلامية، ولا يتعارض مع الدستور والقانون. وان مبرر البت في الامر ليس المرجعية الفقهية او القانونية، وانما هو الظروف الاجتماعية والبيئية بالدرجة الاولى.
لقد ارتأى اعضاء الجمعية العمومية لمجلس الدولة تأجيل البت في الموضوع وعدم التسرع في اقراره، ليس لانهم يعترضون على المبدأ، ولكن لانهم يرون ان الامر يحتاج الى ترتيب يوفر ظروفاً مواتية لانجاح دخول المرأة في هذا المجال. ذلك ان الذين ينتمون الى الهيئة القضائية محكومون مثلا بقواعد في اداء عملهم، بعضها يتعلق بسنوات اداء خدمتهم في المحافظات المصرية المختلفة، الامر الذي يثير اكثر من سؤال حول وضع النساء في هذه الحالة، وهل سيخضعن لهذا النظام ام سيقتضي الامر استثناءهن منه، وتسكينهن مع اسرهن. واذا خضعن لترتيبات التنقل بين المحافظات المختلفة، فهل سيتطلب ذلك تخصيص استراحات خاصة لهن كما هو الحاصل مع اعضاء الهيئة القضائية من الرجال. والى جانب ذلك فهناك الملاءمات المتعلقة باستقبال المتقاضين والمجتمع لهذه النقلة المفترضة. الى غير ذلك من التفاصيل يرى القضاة انها تحتاج الى روية وعدم التسرع في اتخاذ القرار.
القصة قديمة فيما يبدو لان ثمة قضية شهيرة أثير فيها هذا الموضوع قبل نصف قرن (في عام 1952)، حين رفعت احدى اوائل خريجات حقوق القاهرة (عائشة راتب- الدكتورة والاستاذة والوزيرة لاحقاً) قضية امام مجلس الدولة مطالبة بحقها في التعيين في النيابة العامة، ولكن المجلس برئاسة المستشار السيد علي السيد، قضى بان الظروف الاجتماعية والبيئية لا تسمح بذلك، وقرر انه لا يستند في ذلك الى الشريعة او الدستور، وانما الى حق الجهة الادارية في مراعاة الظروف والملاءمات التي يعمل في ظلها الموظف.

-3
يرى المستشار احمد مكي نائب رئيس محكمة النقض ان ملف اشراك النساء فى الهيئة القضائية تداخلت فيه عوامل عدة خارجية وداخلية شكلت عنصر ضغط في الموضوع. وقد سمعت منه ان الموضوع أثير في اعقاب احداث 11 سبتمبر 2001، وان وفدا من نادي القضاة اجرى حوارا حول الفكرة مع وزير العدل آنذاك المستشار فاروق سيف النصر رحمه الله، وقد سمع منهم الوزير ملاحظاتهم حول الموضوع، لكنه افهمهم ان ثمة ضغوطا دولية استدعت ذلك، مورست في اطار ما سمي آنذاك بالحرب على الارهاب. والملاحظ انه بعد هذا اللقاء تم تعيين السيدة تهاني الجبالي عضواً في المحكمة الدستورية العليا بمصر، كما تتابع تعيين الوزيرات في العديد من الدول العربية، والخليجية منها بوجه أخص.
ما حدث ايضا في الآونة الاخيرة تفوح منه رائحة الضغوط الداخلية، التي تمارس من قبل جهات عدة في مقدمتها المجلس القومي للمرأة. ذلك ان المجلس الخاص في مجلس الدولة الذي يضم اقدم ستة مستشارين اضافة الى الرئيس كان قد ناقش موضوع قبول طلبات تعيين النساء في اجتماع عقده يوم 18 يناير الماضي. وفي الاجتماع تم الاتفاق على عرض الموضوع على الجمعية العمومية للمجلس التي كان موعد اجتماعها العادي في 15 فبراير للنظر في ترشيح النواب ووكلاء المجلس. في هذا الاجتماع الذى حضره 380 مستشارا فما فوق، ارتأى %87 من الاعضاء تأجيل البث في الموضوع. ولكن وزير العدل سارع في اليوم التالي مباشرة (2/16) الى ارسال خطاب الى رئيس الوزراء احمد نظيف ابلغه فيه بان خلافاً وقع بين المجلس الخاص وبين الجمعية العمومية لمجلس الدولة حول تعيين النساء. ولم يكن خلاف في حقيقة الامر لأن المجلس الخاص هو الذي قرر الرجوع الى الجمعية العمومية. يوم 2/17 طلب الدكتور نظيف من وزير العدل الاحتكام الى المحكمة الدستورية العليا في حسم الامر. وفي نفس اليوم (لاحظ السرعة) وجه الوزير رسالة الى رئيس المحكمة الدستورية بالمعنى المطلوب.
يوم2/18 عُرض على هيئة المفوضين تقرير حول ما قيل انه «خلاف» بين المجلس الخاص والجمعية العمومية لمجلس الدولة. في 2/22 انعقد المجلس الخاص لمجلس الدولة وصوت 4 من اعضائه مع الارجاء، وصوت 3 لصالح الاستمرار في قبول طلبات التعيين. ولكن ضغوطا مورست بعد ذلك ادت الى تغيير المواقف، بحيث اصبح اربعة يؤيدون تعيين النساء وثلاثة صوتوا لصالح الارجاء.
استشعر مستشارو مجلس الدولة ان هناك اتجاهاً لتحدي ارادتهم، فتداعوا الى جمعية عمومية في3/10 حضرها 319 مستشارا صوت 317 منهم لصالح الارجاء، ورفضه اثنان فقط، احدهما زوج ابنة رئيس مجلس الدولة. وفي مساء اليوم ذاته (3/10) دعا نادي القضاة الى جمعية عمومية حضرها 944 قاضياً، صوت 934 منهم لصالح الارجاء. ولكن المحكمة الدستورية اصدرت قرارها في3/14، الذي تبنى موقفاً مناقضاً للرأي الذي اجمع عليه القضاة، وقرر الاستمرار في تلقي طلبات تعيين النساء، بناء على موافقة المجلس الخاص بمجلس الدولة.

-4
الوقائع المتتالية اكدت ان هناك رغبة عليا لاقرار التعيين، رغم تحفظات القاعدة العريضة من القضاة، وذلك ما يفسر مسارعة وزير العدل الى ابلاغ رئيس الحكومة بخلاف لم يكن صحيحا بين المجلس الخاص والجمعية العمومية. ومسارعة رئيس الحكومة بالرد، والركض بعد ذلك نحو المحكمة الدستورية للاستجابة للرغبة العليا. بموازاة ذلك تلاحقت فصول الحملة الاهلية للاحتجاج على الجمعية العمومية لمجلس الدولة، التي قادتها وزيرة القوى العاملة من ناحية، وامينات المرأة في الحزب الوطني في القاهرة والاسكندرية ومحافظات اخرى من ناحية ثانية. وكانت تلك بادرة طريفة لانها المرة الاولى التي تحرك فيها الحكومة والحزب الوطني حملة احتجاج! بالتوازي مع ذلك اطلقت الاقلام والابواق الاعلامية في حملة تشهير بمجلس الدولة والقضاة واتهمتهم بالرجعية والظلامية. وكانت النتيجة ان العملية مثلت عدوانا صارخاً على استقلال القضاة وحقهم في تنظيم اوضاع مرفق العدالة، شارك فيه وزير العدل ورئيس الحكومة، الذي استغرب القضاة تدخله المباشر في الموضوع. وكان واضحاً ان السلطة التنفيذية اتخذت موقف التحدي لارادة القضاة. كما اسفر المشهد عن الايقاع بين المحكمة الدستورية وبين جماهير القضاة، ناهيك عن الاضرار الادبية التي ترتبت على حملة التجريح والتشويه الاعلامية التي اهانت القضاة وحطت من قدرهم.
ليس لدي اي تحفظ على تعيين المرأة في القضاء، ولكن اعتراضي الاساسي ينصب على الاسلوب الذي اتبع والثمن الذي دفع لقاء ذلك. ذلك انني تمنيت ان يعتمد ذلك الاسلوب على الحوار وليس الاملاء. ولا اعرف لماذا لم يسأل القضاة مثلا: اذا كنتم تعتبرون ان الظروف غير مواتية لتعيين النساء في الهيئة القضائية، فكيف يمكن التغلب على تلك الظروف، وما هو الاجل الذي يستغرقه ذلك؟
ورغم اننا اعتدنا مكرهين على الاملاء في مجالات عدة، الا انه حين يؤدي الى العدوان على استقلال السلطة القضائية، فانه يصبح خطراً ينبغي درؤه، لانه يفتح الباب للتلاعب بالحقوق وبالعدالة التي هي صمام الامان في تحقيق السلم الاهلي. وهي المعركة التي يخوضها القضاة منذ عقدين على الاقل، مؤيدين في ذلك بالجماعة الوطنية في مصر. إن شئت فقل انها كارثة ان يتم الضغط والعدوان على استقلال القضاء من جانب اي سلطة او طرف في الداخل. اما ام الكوارث حقا فهي ان يكون العدوان استجابة لضغط خارجي.
ان الغيرة على استقلال القضاء والقلق على التدخل في شؤونه سحبا بعضاً من رصيد الحفاوة بتقرير حق المرأة في اعتلاء منصة القضاء، الامر الذي يعيد الى اذهاننا الخبر الماثور عن نجاح العملية، ووفاة المريض.

فهمي هويدي

المتفائلة
25-03-2010, 07:54 PM
22 مارس، 2010

رائحة كريهة في فضائنا (http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/03/blog-post_22.html)



صحيفة الشرق القطريه الاثنين 6 ربيع ثان 1431 – 22 مارس 2010
رائحة كريهة في فضائنا – فهمي هويدي


أشم رائحة كريهة وغير زكية فى الفضاء الإعلامى العربى. مصدرها ضيف جديد قدم إلى الساحة هو روبرت ميردوخ، اللاعب الكبير والخطير فى حلبة الإعلام العالمى بمختلف فنونه.
فقبل أيام أعلن الرجل أنه اختار أبوظبى لكى تكون مقرا لنشاط امبراطوريته الإعلامية فى الشرق الأوسط. وأنه سينقل إليها بعض قنواته الفضائية التى تتمركز فى هونج كونج.
وقد صدر عنه ذلك الإعلان بعد أن أبرم عقدا مع الأمير الوليد بن طلال، استحوذ بمقتضاه على نحو 10٪ من رأسمال شركة روتانا الإعلامية، التى تعد واحدة من أهم ممولي ومنتجي الأعمال الفنية فى العالم العربى. (تملك ست قنوات تليفزيونية ولديها فرع لإنتاج الأفلام)، وقد دفع مقابل ذلك 70 مليون دولار، مع حقه فى مضاعفة حصته خلال السنة ونصف السنة المقبلة.
ميردوخ (79 عاما) بدأ مسيرته فى الصحف المحلية والتليفزيونات التى تصدر فى بلده الأصلى (أستراليا). ثم ما لبث أن تمدد إلى بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، حيث بسط سيطرته على صناعة الأفلام والإعلام الفضائى وحتى شبكات الإنترنت،
يكفى أن تعلم أنه يسيطر الآن على 40٪ من الصحف البريطانية، فى مقدمتها صحيفتا «التايمز» و«الصن»، إلى جانب سيطرته شبه الكاملة على التجارة التليفزيونية البريطانية.
وقد تمددت مجموعته الكبرى «نيوز كوربوريشن» فى الولايات المتحدة، حيث سيطرت على عدة صحف فى مقدمتها «نيويورك بوست»، إضافة إلى قنوات التليفزيون التى على رأسها «فوكس نيوز» التى تعد أبرز أبواق المحافظين الجدد، والأقوى مناصرة لإسرائيل والأشد تأييدا لمخططات الهيمنة الأمريكية فى المنطقة ومعروف دورها فى تأليب الرأي العام العالمي ضد العراق، وتوفير أرضية شعبية متعاطفة مع غزوه وإسقاط نظامه.
يوم 23 فبراير الماضي أصدرت «روتانا» بيانا أعلنت فيه الاتفاق الذى تم مع ميردوخ ومجموعته العالمية «نيوز كورب»، وعقد الأمير الوليد بن طلال مؤتمرا صحفيا فى الرياض قال فيه إن الاتفاق لا يعد نقلة نوعية لروتانا وحدها وإنما للعالم العربى كله. وذكر أنه يأمل فى أن تساعد العلاقة بين «روتانا» و«نيوز جروب» فى تعديل صورة مجموعة ميردوخ التى تعد معادية للعرب.
واعتبر أن قناة فوكس ليست المحطة الأمريكية الوحيدة المعادية للعرب، لأن ذلك العداء يعد حالة عامة فى الولايات المتحدة، ثم أضاف قائلا «سنقوم بما فى وسعنا بغية تصحيح لهجتها»(!).
نقل ميردوخ لبعض أنشطته إلى أبوظبى، ودخوله شريكا فى روتانا ليس بريئا تماما. صحيح أن العالم العربى يشكل سوقا جيدة للأفلام والمسلسلات والمنوعات التى تستهوى الشباب وتقوم مجموعة نيوز جروب بإنتاجها أو توزيعها، إلا اننا ينبغى ألا نتجاهل أنه واجه ضغوطا وقيودا فى هونج كونج من قبل الجهات التشريعية الصينية التى دأبت على انتقاد ما تبثه قنواته من مواد هناك، الأمر الذى اضطره إلى الرضوخ فى بعض الأحيان. ودفعه بعد ذلك إلى الاتجاه إلى العالم العربي الذى وجده مفتوحا وأكثر «تسامحا» من الصين.
من الأنباء التى تسلط الضوء على أنشطة السيد ميردوخ أنه اشترى مؤخرا محطة تليفزيونية خاصة فى تركيا (تى. جى. آر. تى)، ويسعى الآن إلى شراء صحيفة «تركيا» ووكالة «اخلاص» للأنباء التى يملكها رجل الأعمال التركى أنور أوران.

وهو يهدف من وراء ذلك إلى محاولة التصدى للشعور المعادي لإسرائيل الذى يتنامى فى تركيا. يوضح صورته أكثر ان إسرائيل هى الدولة الوحيدة فى المنطقة التى استثمر فيها الرجل بعض ماله من خلال إحدى شركات التكنولوجيا الرقمية والاتصالات.
يكمل الصورة ملاحظة ان أقرب أصدقائه هو رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، كما ذكرت صحيفة «لوموند» فى 26/2. وهى خلفية تدعونا إلى إثارة العديد من الأسئلة حول دوره مع «روتانا» فى المرحلة المقبلة، كما أنها توضح لنا مصدر الرائحة الكريهة التى لاحت فى الفضاء العربى.
................

ummaha
25-03-2010, 08:17 PM
المتفائلة ......لا بالله كديينا خير :(

لا ارى املا في التفاؤل بعد هذا الخبر !!!

احنا من غير هالمؤسسة الاعلامية ومو مترقعين !!

الله كريم ..

أحمد
25-03-2010, 09:17 PM
ثم أضاف قائلا «سنقوم بما فى وسعنا بغية تصحيح لهجتها»(!).
من الذي بحاجة لتصحيح صورته .. مردوخ أم الوليد بن طلال .. :)

إنت صحح صورتك ياوليد أوّل ..

وفعلا الرائحة كريهة ..

الفضاء العربي لايزال سوقا في مراحله الأولى .. فمن أراد أن يكون له اسم في المستقبل فليدخل الآن ..

وإنها دعوة لكل من كان صاحب مال أن يستثمر ماله في الإعلام النظيف ..

فهمي هويدي يحضر مقالاته بشكل جيد .. ويستجق المتابعة ..

شكرا متفائلة .. على هذا التواصل في نقل مقالات الكاتب فهمي هويدي

مشراف
30-03-2010, 02:33 PM
اختبار الأمة في امتحان القمة
2010/03/29 11:15 م

http://www.alwatan.com.kw/ArticleDetails.aspx?Id=17808

- نجاح إسرائيل في تهويد القدس يطلق يدها في المنطقة بأسرها باعتبارها رأس حربة لمشروع الهيمنة الغربية

- ثمة إصرار من الإسرائيليين والأمريكيين على استثمار الانبطاح العربي الراهن في تصفية القضية بتوقيع فلسطيني

عندما قال رئيس الوزراء التركي أمام القمة العربية إن مصير استانبول مرتبط بمصير القدس، وإن مصير تركيا مرتبط بمصير العالم العربي، فإنه بدا وكأنه يغرد خارج السرب، لأن أغلب سامعيه من القادة العرب يبدو وكأن لهم رأيا آخر في المسألة.

- 1 -

فاجأنا السيد رجب طيب أردوغان وذكرنا بحقيقة استراتيجية نسيها كثيرون وتجاهلها الباقون، وهي أن نجاح إسرائيل في تهويد القدس واقتلاع الفلسطينيين منها يعد تتويجا لانتصارها وتمكينا يطلق يدها في المنطقة بأسرها، ليس فقط باعتبارها مشروعا توسعيا واستيطانيا، ولكن أيضا بحسبانها رأس حربة لمشروع الهيمنة الغربية، الراعي الحقيقي للدولة العبرية. وأمام ذلك التمكين فإن أحدا لن يكون بمنأى عن الخطر، ليس في العالم العربي وحده، وإنما أيضا في تركيا وإيران تحديدا، ذلك أن القدس من هذه الزاوية ليست مدينة فلسطينية عادية يتم تهويدها وابتلاعها، ولكنها رمز للعالم الإسلامي كله.
لقد وصف أردوغان ما تفعله إسرائيل في القدس بأنه ضرب من الجنون. وتلك قراءة صحيحة من المنظور الاستراتيجي. لذلك فإن الاستمرار في ممارسة ذلك الجنون، ومن ثم تحويل اللامعقول إلى معقول وترجمة العربدة الهوجاء إلى واقع يفرض نفسه بالقوة على الآخرين، يطرح معادلة جديدة تماما في المنطقة، تقلب موازينها وتهدد مستقبلها وتفتح شهية «المجانين» للإقدام على مزيد من التغول والاستقواء.
هذا الذي أدركه رئيس الوزراء التركي، استحق ان يصفه الشاعر مريد البرغوثي بأنه «العربي الوحيد» في القمة، لكن الملاحظ ان العواصم العربية تتعامل معه بقدر مدهش من التراخي واللامبالاة، يختزل رد الفعل في بيانات للتنديد فقدت معناها وجدواها، وقرارات حذرة ليست في مستوى التحدي أو الخطر، تراوحت بين إنشاء مفوضية للقدس، وإعانة أهلها بخمسمائة مليون دولار، والاستغاثة بمحكمة العدل الدولية، التي سبق لها أن أدانت إقامة الجدار، ولكن إسرائيل قابلت قرارها بازدراء واستهتار مشهودين، ونفذت مخططها كاملا، بمباركة ورعاية من جانب أركان الهيمنة الغربية، ممثلة في الولايات المتحدة والرباعية الدولية.

- 2 -

حين انعقدت القمة في «سرت» كان التحدي صارخا ومحرجا للقادة العرب. فالسيد نتنياهو أعلن صراحة في واشنطن - في عقر دار الراعي الأمريكي - أن القدس خارج المناقشة، وأن عملية تهويدها واقتلاع الفلسطينيين منها لن تتوقف. ولم يكذب رئيس بلدية المدينة خبرا، فلم يتوقف لحظة عن عملية الهدم والبناء سواء في الأحياء العربية أو بجوار المسجد الأقصى وتحته. حتى أصبح انهياره مسألة وقت لا أكثر. وهو جهد توازى مع استمرار محاولات اقتحام المسجد الأقصى من جانب مستوطنين وبرعاية الشرطة. في الوقت ذاته فإن حملة بناء الوحدات الاستيطانية تشهد اندفاعة قوية في الضفة الغربية وغور الأردن والجولان.
بل ذهبت إسرائيل في تحديها وتوحشها إلى حد الاستيلاء على المساجد القديمة، وتحويلها إلى آثار يهودية. كما حدث مع المسجد الإبراهيمي في الخليل ومسجد بلال بن رباح في بيت لحم.
لقد نجح نتنياهو في إجهاض الوعود التي أطلقها الرئيس باراك اوباما في بداية العام بخصوص القضية الفلسطينية، التي كان وقف الاستيطان (مؤقتا بطبيعة الحال) مدخلا لإطلاق مفاوضات تمهد لإقامة الدولة الفلسطينية، بل إنه تحدى نائب الرئيس الأمريكي، حين أعلن عن بناء 1600 وحدة استيطانية جديدة أثناء زيارة نائب الرئيس الامريكي جو بايدن لإسرائيل (9 مارس). وهو ما سبب للرجل حرجا قيل إنه أحدث أزمة في العلاقات مع الولايات المتحدة، من ذلك النوع الذي يحدث داخل أي أسرة.
حكومة نتنياهو فعلت ذلك كله قبل انعقاد القمة العربية، ومن الواضح أنها لم تكن قلقة من أي رد فعل عربي، ومطمئنة إلى أن القمة عاجزة عن أي فعل، بل عاجزة عن اتخاذ أي قرار سياسي جريء (سحب المبادرة العربية مثلا أو قطع العلاقات واستخدام ورقة المصالح التجارية).
في حين أن إسرائيل لم تكترث بالقمة وحولت انعقادها في ليبيا إلى مادة للسخرية عبر عنها بعض المعلقين في صحفها، فإن قلقها كان أكبر من ردود الأفعال الغربية على تزوير بعض جوازات سفر مواطنيها واستخدامها في جريمة قتل محمود المبحوح قيادي حركة حماس في دبي، ذلك أن قرار بريطانيا طرد أحد رجال الموساد في السفارة الإسرائيلية بلندن بسبب اتهامه بالتواطؤ في العملية آثار القلق في تل أبيب من احتمال أن تحذو كل من أيرلندا واستراليا وفرنسا وألمانيا حذوها، بعدما ثبت أن جوازات سفر مواطنيها استخدمت أيضا في العملية.
المشهد من هذه الزاوية مسكون بمفارقة مخزية فإسرائيل لم تبد أي قلق من جانب العالم العربي وهي تفتك بالقدس وتطلق مشروعاتها الاستيطانية الوحشية في الضفة، لكنها عبرت عن قلقها من ردود الأفعال الأوروبية على تزوير جوازات سفر مواطنيها واستخدامها في جريمة قتل المبحوح.

- 3 -

قراءة إسرائيل للموقف العربي لم تكن خاطئة، فقد ذكرت التقارير الصحفية التي خرجت من اجتماعات سرت أن مصر والأردن اعترضتا على استخدام القمة كورقة ضغط على إسرائيل. وهو ما تم أثناء اجتماعات وزراء الخارجية أعضاء لجنة مبادرة السلام. إذ عارض وزيرا خارجية البلدين اتخاذ أي قرارات تتعلق بإلغاء أو تجميد المبادرة العربية، بحجة أنها تشكل أساسا «لتسويق» الموقف العربي. ومما له دلالته الرمزية في هذا السياق أن المندوب السوري اقترح أن يطلق على اجتماع القادة قمة «التحدي»، ولكن وزير الخارجية المصري استثقل الكلمة باعتبار أنها ليست واردة في قاموس «الاعتدال»، فاقترح تسميتها قمة القدس وهو عنوان أكثر حيادا أخذ به.
لم يكن مفاجئا الإبقاء على المبادرة العربية، التي كان العاهل السعودي قد أعلن في قمة الكويت الاقتصادية التي عقدت أوائل العام الماضي أنها لن تبقى طويلا على الطاولة. ورغم مضي ثماني سنوات على إطلاقها فإنها مازالت فوق الطاولة، ولم يملك القادة العرب شجاعة سحبها أو حتى تجميدها - ولأنها لم تحقق شيئا حتى الآن سوى مساندة الادعاء بإبراء الذمة العربية، فإنه بات يحق لنا أن نعتبرها حيلة للتسويف وليست ورقة للتسويق. أما الطاولة فلم تعد كذلك، ولكنها تحولت إلى مشجب علق عليه القادة المبادرة ثم انصرفوا.
أي متابع لمؤشرات العلاقات العربية - الإسرائيلية لا يفاجأ بحدود السقف الذي حكم موقف القمة وأداءها. ذلك أنه قبل عقد المؤتمر بأيام قليلة «في 3/24» نشرت صحيفة «الشروق» المصرية أن اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة (ايباك) وجه التحية إلى مصر، لقيامها ببناء السور الفولاذي العازل بين سيناء وغزة. في هذا الصدد تحدث روبرت ساتلوف مدير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى ممتدحا موقف مصر الذي اعتبره «ناضجا وشجاعا»، «لأنها أوشكت على الانتهاء من آخر مراحل الحاجز «السور» الذي يضيق الخناق على حماس، الأمر الذي يشكل خطوة مهمة نحو إحداث تغيير داخل غزة». وقد استقبلت كلمته بتصفيق شديد من جانب الحضور، كما ذكر مراسل الجريدة في واشنطن.
قبل ذلك بأيام قليلة «في 3/19» نشرت صحيفة «المصري اليوم» أن وفدا عسكريا أمريكيا قام بزيارة منطقة الحدود المصرية مع القطاع لتفقد المرحلة الأخيرة من الجدار الفولاذي والاطمئنان إلى حسن سير العمل في المشروع.
في الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة الإسرائيلية عن مخططات التوسع الاستيطاني واستمرار عمليات تهويد القدس، نشرت صحيفة «الشرق الأوسط» (عدد 3/23) تقريرا عن تقدم خطوات التطبيع بين إسرائيل والمغرب (التي ترأس لجنة القدس!)، تمثلت في عقد سلسلة من المؤتمرات منها ندوة عن تاريخ هجرات اليهود من منطقة المغرب العربي عقدت بمدينة الصويرة، وقبلها عقد الملتقى الدولي الثاني لليهود المغاربة في مراكش، وشاركت فيه 17 شخصية من إسرائيل، وفي الرباط عقدت ندوة عن المحرقة التي تعرض لها اليهود. وقبل هذا كله شهدت تسيبي ليفني وزيرة خارجية إسرائيل السابقة أحد المنتديات السياسية التي عقدت في مدينة طنجة.
الحاصل في المغرب يتكرر بصورة أكثر حذرا في منطقة الخليج، التي استقبلت أحد الوزراء الإسرائيليين بحجة مشاركته في أحد المؤتمرات الدولية، وقام أحد الوزراء الخليجيين أكثر من مرة بزيارة رام الله بتأشيرة إسرائيلية، كما عقد بعض المسؤولين الأمنيين اجتماعات تنسيقية اشترك فيها نظراء لهم من مصر والأردن، إضافة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل. ولأول مرة هذا العام وجهت إدارة مهرجان الجنادرية في المملكة السعودية دعوات المشاركة لعدد من دعاة التطبيع العلني مع إسرائيل، الذين ترددوا عليها أكثر من مرة.
أما في الضفة الغربية فإن الأجهزة الأمنية تحكم قمع الجماهير وتكبلها لكي تتجنب احتمال انفجار الغضب الفلسطيني واندلاع شرارة انتفاضة ثالثة. وهو ما أعلنه حاتم عبدالقادر وزير شئون القدس في حكومة سلام فياض السابقة، إذ نشرت له صحيفة «الشرق الأوسط» في 3/17 حوارا قال فيه إن حكومة فياض الراهنة تمنع إطلاق يد الفلسطينيين في الضفة الغربية للقيام بأي أعمال من شأنها أن تؤدي إلى اندلاع مواجهات مع قوات الاحتلال، وأضاف أن ما تقوم به الحكومة بمثابة إجراءات غير مسبوقة لم يعهدها الفلسطينيون أدت إلى كبت الشارع وعدم السماح له بالتعبير عن غضبه وسخطه إزاء الجرائم الإسرائيلية المتلاحقة.

- 4 -

في كل مرة ينتقد الاستسلام العربي المهين أمام إسرائيل يتم إسكات الأصوات الناقدة بدعوى أن الخيار الآخر هو الحرب، ورغم أن إسرائيل لم تستبعد ذلك الخيار، ولاتزال تخوض تلك الحرب بين الحين والآخر، إلا أن الطموح في العالم العربي أصبح أكثر تواضعا. إذ لم يعد أحد يتطلع في الوقت الراهن إلى تحرير فلسطين، وإنما أصبح الرجاء ألا يتم تضييع فلسطين. وأزعم في هذا الصدد أن عمليات المقاومة التي تمت إلى الآن لم يفكر قادتها في أنها ستؤدي إلى تحقيق التحرير، بقدر ما أرادوا بها إشعار الإسرائيليين بأن الاحتلال له تكلفته، وإنهم لن يظلوا في أمان وهم محتلون للأرض، وهذه التكلفة العالية هي التي دفعت إسرائيل إلى الانسحاب من غزة والخلاص من «همها». ورغم أن أحدا لا يستطيع أن يدعى بأن حكومة حماس هناك أنجزت شيئا على صعيد التحرير المنشود، إلا أن أحدا لا يشك في أن وجودها عطل مسيرة بيع فلسطين والتفريط في ثوابتها. من ثم فتصوير الانقسام الحاصل بحسبانه صراعا على السلطة بين فتح وحماس هو تبسيط لا يخلو من تدليس، لأنه في جوهره خلاف حول أسلوب التعامل مع الملف، وهل الممانعة والمقاومة هما الحل، أم أن الحل في التسليم والدوران في دوامة المفاوضات التي لم تثمر شيئا طوال التسعة عشر عاما الماضية؟
قبل أيام قليلة (في 3/25) نشرت صحيفة الحياة اللندنية حوارا مع السيد رمضان شلح الامين العام لحركة الجهاد الإسلامي، سئل فيه عن بدائل العرب وخياراتهم في التعامل مع إسرائيل، فكان رده أنه ليس مطلوبا من الدول العربية في الوقت الراهن أن تستسلم أو تخوض حربا، وإنما غاية المراد منها أن تلتزم بحدود اللاحرب واللاسلم، وأن تترك الفلسطينيين بعد ذلك يتدبرون أمورهم مع الإسرائيليين.
حتى هذا المطلب صار عسيرا لأن القرار العربي لم يعد مستقلا، ولأن ثمة اصرارا من الاسرائيليين والامريكيين على استثمار الانبطاح العربي الراهن في اغلاق الملف وتصفية القضية بتوقيع فلسطيني واجماع عربي!
فهمي هويدي

المشرف العام
02-04-2010, 01:53 AM
المعتدلون درجات – فهمي هويدي


http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/04/blog-post.html (http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2010/04/blog-post.html)



ما قاله طيب أردوغان للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن السلاح النووي الإسرائيلي وموقفه من العقوبات على إيران لم يقله زعيم عربي، تماما كما أن ما قاله في قمة سرت عن ارتباط مصير اسطنبول بمصير القدس لم يقله أيضا أي زعيم عربي،


كما أن أحدا لا يستطيع أن ينسى موقفه في مؤتمر دافوس، حينما ترك المنصة احتجاجا على ما قاله الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز بخصوص فلسطين، في حين بقي عمرو موسى في مقعده لم يغادره.



في المؤتمر الصحافي الذي عقد بأنقرة يوم الاثنين الماضى (29/3) عبر أردوغان عن موقفه الشجاع والحازم إزاء ما قالته المستشارة الألمانية، التي جاءت إلى العاصمة التركية لتطلب منها التصويت إلى جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في قرار فرض عقوبات على إيران بسبب مشروعها النووي، حين يعرض المشروع على مجلس الأمن خلال شهر أبريل الجاري.


في رده قال أردوغان إن تركيا ترفض سياسة فرض عقوبات على إيران، وتفضل الاستمرار في الاتصالات الديبلوماسية معها. وأضاف أن بلاده تشترك مع إيران في حدود بطول 380 كيلومترا، وتعتبرها شريكا في مجال الطاقة، وهو اعتبار لا يمكن تجاهله في تقييم علاقاتهما الثنائية وأهميتها، كما أنه شكك في فاعلية فكرة العقوبات، التي سبق أن صدرت بها ثلاثة قرارات لم تثن إيران عن المضي في مشروعها،


ولم يكتف رئيس الوزراء التركي بذلك، ولكنه ذكَّر المستشارة الألمانية بأن ثمة دولة في الشرق الأوسط لا تخضع للعقوبات بسبب امتلاكها الأسلحة النووية. وكانت تلك إشارة واضحة إلى إسرائيل التي اعتبرها دولة مستثناة من القوانين والأعراف السائدة.



هذه اللغة لم يستخدمها أحد من قادة الدول العربية «المعتدلة»، التي لم تمانع في توقيع العقوبات على إيران بحجة أن القرار إذا صدر عن مجلس الأمن فقد أصبح جزءا من «الشرعية» الدولية،


وفي الأسبوع الماضي صرح أحد وزراء الخارجية الخليجيين بأنه في هذه الحالة ستلتزم بلاده بقرار المجتمع الدولي، أما إشارة أردوغان إلى إسرائيل والغمز في أنها مستثناة من العقوبات رغم امتلاكها للسلاح النووي، فهي أكثر وضوحا وشجاعة من الموقف الذي يردده المسؤولون في مصر وغيرها من دول «الاعتدال». الذين دأبوا على القول إنهم يؤيدون إخلاء المنطقة كلها من السلاح النووي، دون أى تلميح إلى شذوذ الوضع الإسرائيلي.



ما يثير الانتباه ان أردوغان وهو يعبر عن هذه المواقف الشجاعة يظل محسوبا على دول الاعتدال، سواء في عضوية بلاده لحلف «ناتو» أو ارتباطها بالولايات المتحدة، أو حتى علاقة بلاده مع إسرائيل، وهو ما يثير سؤالا جوهريا هو:


لماذا اختلفت مواقفه عن مواقف الدول التي توصف بأنها معتدلة في عالمنا العربى؟


ردي على السؤال في نقطتين،


الأولى: أن الرجل يملك قراره المستقل، الذي يتحرى فيه المصالح العليا لبلاده، ولا يتردد في الانحياز إلى تلك المصالح، حتى إذا تعارضت مع مصالح الدول الكبرى، وفي مقدمتها «حلفاؤه» في الولايات المتحدة.


النقطة الثانية: أن الرجل تقلد منصبه استنادا إلى فوز حزبه في الانتخابات بأغلبية معتبرة، ولأنه جاء مؤيَّدا من الأغلبية، فإنه لا يستطيع أن يتجاهل موقعها أو يتحدى إرادتها، وإلا فقد ثقة الجماهير وخسر موقعه في أول انتخابات مقبلة.



الوضع مختلف تماما في بلادنا، فأنظمتنا لا تملك قرارها واستجابتها للضغوط الأجنبية مضمونة دائما، حتى في المسائل الصغيرة كتلك المتعلقة بمناهج التعليم ومشاركة النساء في السلطة،


ثم إنها أنظمة غير ديموقراطية، ومن ثم فهي ليست معنية برأي الشارع ولا بمشاعره (خذ الاشتراك في حصار غزة مثلا)، كما أنه ليس لديها أي قلق من اهتزاز مكانتها في أي انتخابات قادمة، ناهيك عن أنها ضامنة لتأييد المجالس النيابية التي عادة ما تشكل بالتزوير الذي نعرفه.



هناك فرق آخر استحي من ذكره وأسجله من باب الأمانة فقط، هو أن القادة في تركيا لديهم اعتزازهم الشديد بكرامة بلدهم وكبريائها، فقد اعتبروا أن زيارة أحد الوزراء الإسرائيليين لأنقرة قبل أسبوع من العدوان على غزة دون إخبارهم بها إهانة لهم، كما أنهم أصروا على أن تعتذر لهم إسرائيل حين أسيئت معاملة السفير التركي لدى تل أبيب.


أما نحن فنتذكر الكرامة والكبرياء في بعض المناسبات دون غيرها.. ومع الأشقاء دون غيرهم!

مشراف
06-04-2010, 03:08 PM
مصر في مرحلة «اللا يقين»
2010/04/05
http://www.alwatan.com.kw/ArticleDetails.aspx?Id=19638

قضية المقاومة فقدت أولويتها ووهجها في الرؤية الاستراتيجية رغم أهميتها للأمن الوطني

- لا غرابة في أن يشيع السخط والغضب في أوساط المجتمع باختلاف شرائحه إزاء ما يحدث


حين ينعقد اجماع أغلب المصريين على فقدان الثقة في الحاضر وتزايد القلق على المستقبل، فإن ذلك يعيد إلى الأذهان مشاهد مفصلية في تاريخ مصر الحديث بعضها في أواخر العهد الملكي، والبعض الآخر عقب هزيمة يونيو عام 1967.

(1)
عقب عودة الملك فاروق من رحلته إلى الخارج في صيف عام 1950 وجه إليه زعماء المعارضة رسالة شهيرة، قيل إنها من أصرح ما تلقاه منذ تقلد منصبه. إذ تحدثت الرسالة عن إفساح مكان «في الحاشية الملكية لأشخاص لا يستحقون هذا الشرف، فأساءوا النصح وأساءوا التصرف». وأشارت إلى أن «النظام النيابي قد أضحى حبرا على ورق». ثم وجهت تحذيرا من أن «احتمال الشعب مهما يطل فهو لابد منته إلى حد. واننا لنخشى أن تقوم في البلاد فتنة لا تصيبن الذين ظلموا وحدهم، بل تتعرض فيها البلاد إلى إفلاس مالي وسياسي وخلقي».
هذا الكلام لم يأت من فراغ، لأن الغيوم التي تجمعت في الأفق السياسي كانت واضحة لدى رموز الحياة السياسية في ذلك الوقت. إذ لم يمض وقت طويل حتى حدث حريق القاهرة في 25 و26 يناير عام 1952، الذي انكشف فيه النظام السياسي، وأدرك الجميع أن عجزه قد بلغ مداه، وأنه لم يعد قادرا على السيطرة على الوضع العام في مصر. ويذكر الدكتور يونان لبيب رزق في كتابه عن تاريخ الوزارات المصرية أن ما جرى بعد ذلك أكد أن النظام قد تسيب وأن الأشهر الستة اللاحقة كانت بمثابة مرحلة الاحتضار، التي تشكلت فيها أربع وزارات ظلت تتخبط في أدائها، ولم تستطع أي منها أن تنجز شيئا مما وعدت به، فوزارة علي ماهر باشا شغلت بالتحرير وتحقيق الوحدة الوطنية لكنها لم تستمر لأكثر من شهر. ووزارة نجيب الهلالي باشا اعطت الأولوية للتطهير حتى اصطدمت بالفساد في رأس النظام. وتحدث البعض عن صفقة مالية دفعها عبود باشا إلى القصر للتخلص من حكومته بعد مضي أربعة أشهر. بعدها جاءت حكومة حسين سري باشا التي رفعت شعار الإصلاح الاقتصادي، ولم تستمر أكثر من عشرين يوما اضطر بعدها إلى الاستقالة بسبب أزمة حل مجلس إدارة نادي الضباط، التي كانت من إرهاصات قيام الجيش بثورة يوليو، ولانقاذ الموقف المتسيب أعيد تكليف الهلالي باشا بتشكيل الوزارة يوم 22 يوليو من العام ذاته (1952) لكنه لم يهنأ بمنصبه، لأن الثورة قامت بعد 18 ساعة من إعلان التشكيل، لتدخل مصر مرحلة جديدة في تاريخها.

(2)
مثلما كان حريق القاهرة في مستهل عام 1952 مؤشرا على عجز النظام الملكي عن السيطرة على الحكم في مصر، فإن هزيمة يونيو 1967 كانت إعلانا عن انكشاف النظام المصري وسقوطه في اختبار المواجهة العسكرية مع إسرائيل. وكما اهتزت ثقة المصريين في نظام الملك فاروق عقب حريق القاهرة، فان تلك الثقة عاودت الاهتزاز في نظام الرئيس عبدالناصر بعد ما سمي بنكسة يونيو. وتجاوزت الصدمة حدود الثقة في نظامه، لأنها ضربت في الوقت ذاته ثقة الجماهير في المشروع الذي تبناه. وقد سعى الرئيس عبدالناصر إلى احتواء تلك الصدمة وامتصاص آثارها من خلال عرضه التنحي عن السلطة وتقديم عدد من قادة القوات المسلحة إلى المحاكمة لمساءلتهم على تقصيرهم، والمسارعة إلى بناء القوات المسلحة، على نحو مكنها من أن تخوض حرب الاستنزاف ضد إسرائيل بعد أشهر قليلة من الهزيمة. كما أنه أطلق فيما بعد ما سمي ببيان 30 مارس الذي كان بمثابة محاولة إعادة الوضع السياسي الداخلي. لكن القدر لم يمهله لكي يكمل مشوار استعادة الثقة، لأنه انتقل إلى رحاب ربه في عام 1970.

(3)
اللا يقين الذي ساد في مصر بعد حريق يناير 1952 وعقب هزيمة يونيو 67 هو ذاته المخيم على مصر هذه الأيام. ذلك أن الثقة في الحاضر تراجعت إلى حد كبير، كما أن الحيرة في شأن المستقبل تتزايد حينا بعد حين. ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن رموز المعارضة المصرية الآن (الحقيقية وليست المغشوشة) إذا قدر لهم أن يوجهوا رسالة إلى القيادة السياسية عن الأوضاع الراهنة فانهم سوف يستخدمون في وصف الوضع الداخلي نفس العبارات التي أوردها زعماء المعارضة إلى الملك فاروق بعد عودته من الخارج في سنة 1950. وإذا كان المؤرخون قد شهدوا بأن الأشهر التي أعقبت حريق القاهرة قد كشفت عن حقيقة عجز النظام عن إدارة البلد، فبوسعنا أن نخلص إلى نفس النتيجة حين نتابع سجل الأداء الحكومي خلال السنوات الأخيرة. وهي السنوات التي تفجرت فيها مشكلات الخبز والمياه الملوثة وانهيار خدمات التعليم والصحة والمواصلات، وصولا إلى الفشل المدهش في التعامل مع السحابة السوداء ومشكلة القمامة وكارثة السيول، ومرورا بحوادث الفتنة الطائفية وكارثة إهدار الثروة العقارية للبلد، إلى جانب ارتفاع معدلات الغلاء الفاحش والبطالة، والعجز المخيف في ميزان المدفوعات والارتفاع الصاروخي في مؤشرات القروض والديون.
لا نستطيع أن نتجاهل في هذا السياق المؤشرات التي أعلنتها مؤسسة الشفافية الدولية، التي وضعت مصر في المركز الحادي عشر بين 19 دولة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومنحتها المرتبة 111 من 180 دولة على مستوى العالم في مؤشر الفساد لعام 2009. وخلصت من التقرير إلى أن الفساد مستشرٍ في مصر، وانه يتعين وضع قيود مشددة تضبط عملية الاعتماد على رجال الأعمال في المناصب العامة.
إزاء ذلك فلا غرابة في أن يشيع السخط والغضب في أوساط المجتمع المصري باختلاف شرائحه. وان تتوالى الإضرابات والاعتصامات التي اتخذت من الرصيف المجاور لمجلس الشعب قبلة لها. صحيح أن أولئك المتظاهرين أو المعتصمين خرجوا إلى الشارع مطالبين بتحسين أحوالهم المعيشية، إلا أننا ينبغي ألا ننسى أن هؤلاء أنفسهم اعتادوا أن يبتلعوا الغضب ويختزنونه، لكن وطأة الظروف القاسية التي يعيشون في ظلها فاقت قدرتهم على الاحتمال.
إلى جانب هؤلاء، فإن أي متابع للمدونات ورسائل الإنترنت وكتابات الفيس بوك يستطيع أن يلحظ أن ثمة «نفسا» جديدا بين المتعاملين مع تلك الساحات، القاسم المشترك الأعظم بينهم هو رفض الوضع الراهن بشخوصه وسياساته، ذلك واضح أيضا في موقف حركات الاحتجاج السياسي المتعددة التي ظهرت تباعا خلال السنوات الأخيرة. وكان ذلك النفس أشد وضوحا في استقبال الدكتور محمد البرادعي والتفاف العديد من القطاعات حوله، ليس فقط تأييدا له كوجه مستقل قادم من خارج الخرائط التقليدية المرسومة، ولكن أيضا تعبيرا عن رفض البديل المفروض على البلد، والمتمثل في هيمنة الحزب الوطني ومصادرته للحاضر والمستقبل.
والذي لاشك فيه أن مرض الرئيس مبارك والشائعات التي مازالت تدور حول طبيعة المرض واحتمالاته استدعت بقوة ملف المستقبل وبدائله. ورغم أن عودة الرئيس إلى الوطن أثارت قدرا نسبيا من الارتياح، فإنها لم تبدد تماما الشائعات المتداولة في البلد، حول فترة نقاهته وتطورات علاجه. صحيح أن تصريحات وتسريبات عدة تحدثت في الأسبوع الماضي عن احتمال ظهوره وعودته التدريجية إلى ممارسة نشاطه، إلا أن المتداول في الأوساط الطبية المعنية أن ذلك الظهور ستعقبه مرحلة أخرى من العلاج يؤمل أن يتعافى الرئيس بعدها تماما.
أيا كان نصيب هذه الشائعات من الصواب أو الخطأ، فالشاهد أنها ابقت على ملف المستقبل مفتوحا بأسئلته القلقة والحائرة، خصوصا أن مصر مقبلة على ثلاث جولات انتخابية ستحدد بعضا من معالم خريطة المستقبل خلال السنوات القليلة المقبلة، سيتم خلالها انتخابات مجلسي الشعب والشورى، قبل الانتخابات الرئاسية في العام المقبل بإذن الله.

(4)
في عام 1967 هزم مشروع المواجهة العسكرية مع إسرائيل. وفي الوقت الراهن هزم مشروع التسوية السلمية معها. الأمر الذي يعني أنها انتصرت في الحالتين. لكننا إذا نظرنا قليلا إلى الوراء فسنجد أن الوضع قبل أربعين عاما كان أفضل بكثير. إذ وقتذاك كان التحدي عنوانا كبيرا للموقف المصري. أما الآن فإن التحدي صار مدانا ومتهما (ثمة خصومة مع سوريا الممانعة). وأصبح «الاعتدال» عنوانا بديلا استخدم لتغطية الانصياع والامتثال. ولم يكن كل من العنوانين رمزا لاسلوب التعامل مع إسرائيل فحسب، وإنما صارا عنوانين لمسار الأداء في الداخل أيضا، وما إذا كان يُتحرى الاستقلال عن الخارج أو التبعية له.
إضافة إلى ما سبق، لا يفوتنا أن نلاحظ أن الرؤية الاستراتيجية في عام 67 كانت أوضح منها الآن. فالعدو الإسرائيلي المدعوم أمريكيا كان أمره محسوما، ونهج التعامل مع العدو لم يكن يكتنفه أي لبس («ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة»). بذات القدر فان الصف العربي كان متماسكا، والتضامن الذي عبرت عنه لاءات الخرطوم كان من بين تجليات ذلك الموقف.
الذي لا يقل أهمية عما سبق أن الاعتراف بالهزيمة العسكرية في عام 1967، استتبع بذل جهد حثيث لإزالة آثار العدوان وإعادة بناء القوات المسلحة المصرية، التي عبرت القناة بعد ذلك في عام 1973. لكن من الواضح أن هزيمة مشروع التسوية السياسية (الذي لا يختلف أحد على وقوعها) لم تحرك شيئا في بحيرتنا الراكدة. ومن الواضح أن ثمة تهوينا من شأن تلك الهزيمة، وتراخيا مشهودا في التعامل مع معطياتها. رغم ما تمثله من تهديد للأمن الوطني المصري والقومي العربي. ولا تفسير لذلك سوى أنه دال على أن القضية برمتها فقدت أولويتها ووهجها في الرؤية الاستراتيجية المصرية. وإن الانشغال بتثبيت وتجميد أوضاع البيت في الداخل قد حجب كل ما عداه، الأمر الذي جعلنا أمام مأزق حرج لا يخلو من تعقيد. فالسلطة فقدت السيطرة على الوضع في الداخل، كما أنها فقدت القدرة على التحرك الإيجابي في الخارج. وفي الوقت ذاته فانها توصد الأبواب أمام احتمال ظهور بدائل أخرى تستطيع أن تنهض بما عجزت هي عن القيام به. من ثم يصبح الخيار الوحيد المتاح أن يقبل الجميع بما هو قائم، وأن يكون الشعار الوحيد المرفوع هو: الاستمرار هو الحل!
لتطبيق ذلك الشعار نلاحظ أن ثمة تربصا بأي بديل يلوح في الأفق، وانقضاضا شرسا على أي بادرة للخروج من قبضة الحزب الحاكم والاخلال بهيمنته. وعمليات الاعتقال شبه الأسبوعية لعناصر الإخوان المسلمين تبعث برسالة تأديب وتحذير للجميع. ثم إن ما جرى في التعامل مع الدكتور محمد البرادعي يبعث برسالة أخرى في ذات الاتجاه. فإلى جانب التشهير المستمر به ومحاولة اغتياله معنويا في المطبوعات الحكومية فإن أصابع الأجهزة الأمنية لم تكن بعيدة عن محاولة سحب البساط من تحت أقدام جماعته، من خلال تشجيع أحزاب المعارضة الحكومية على القفز إلى مقدمة الصفوف، فجأة ودون سابق انذار، لخطف شعار «التغيير» من فريق البرادعي. والأصابع ذاتها هي التي استدعت بعض ممثلي الأحزاب المجهولة وحثتها على تقديم عريضة اتهام ضد الرجل إلى النائب العام، لتصعيد حملة تلويث سيرته وصورته، ومن ثم «حرق» ما بدا وكأنه بديل محتمل.
إلى جانب إجهاض البدائل وتشويه احتمالاتها، فإن أبواق النظام الغانم أطلقت حملة لتجميل الوضع القائم وتسويق «انجازاته»، واعتباره فتحا جديدا في مسيرة العمل الوطني نقل مصر من مرحلة الحكم الشمولي إلى مرحلة «ما بعد الفرعونية»، إلى غير ذلك من الرسائل التي استهدفت اقناعنا بأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأن الوضع القائم «قدر» كتب علينا، وأن مصر بناسها وأرضها ونيلها تحولت إلى «وقف» مكتوب باسم الحزب الوطنى. وهو ما يدعوني إلى استعادة فقرة من رسالة زعماء المعارضة إلى الملك فاروق التي قالوا فيها: «إن احتمال الشعب مهما يطل فهو لابد منته إلى حد. وإننا لنخشى أن تقوم في البلاد فتنة لا تصيبن الذين ظلموا وحدهم، بل تتعرض فيها البلاد إلى إفلاس مالي وسياسي وخلقي».


فهمي هويدي

مشراف
25-04-2010, 03:11 PM
إرهاصات صيف ملتهب في تركيا

http://www.alwatan.com.kw/ArticleDetails.aspx?Id=21406
كتب فهمي هويدي
2010/04/12 09:47 م

بعد فوز حزب العدالة بأغلبية مقاعد البرلمان أدرك قادة الجيش أن الظروف تغيرت في غير صالحهم

- كان لبعض عناصر منظمة «أرجنكون» السرية صلات بتهريب المخدرات والجريمة المنظمة


تركيا تتوقع صيفا ملتهبا هذا العام، تحسم فيه قضية الصراع حول المستقبل، الذي تخوض بسببه الأصولية العلمانية معركتها الأخيرة.

(1)
يوم وصولي إلى استانبول ــ في الثالث من شهر أبريل الحالي ــ كانت عناوين الصحف تتحدث عن قرار أصدرته إحدى المحاكم بإطلاق صراح 19 من العسكريين المعتقلين على ذمة قضية محاولة انقلاب عسكري انكشف أمره. وفي مقدمة الذين أطلق صراحهم المتهم الأول في القضية، القائد السابق للجيش الأول، الجنرال متقاعد شتين دوغان والقائد السابق للقوات الخاصة الجنرال انجين آلان. في اليوم التالي مباشرة أبرزت عناوين الصحف قرارا أصدرته محكمة استانبول أمر بإعادة اعتقال العسكريين الذين أفرج عنهم. في اليوم الثالث كانت صور العسكريين وهم يسلمون أنفسهم تتصدر الصفحات الأولى للصحف. في اليوم الرابع تحدثت عناوين الصحف عن تطور آخر مثير في القضية، خلاصته أن الشرطة نفذت عملية كبيرة للقبض على نحو 90 ضابطا في الجيش على صلة بمحاولة الانقلاب، إلا أن كبير ممثلي الادعاء في استانبول أوقف العملية. كما أنه أقال اثنين من المحققين كانا قد أمرا بشن حملة الاعتقالات التي شملت 14 إقليما تركيا.
لم يكن ذلك التتابع استثناء، وإنما اعتاد عليه الأتراك، الذين أصبحت مثل تلك الأخبار التي تعكس الصراع الحاصل تطل عليهم كل صباح بين الأطراف الثلاثة: حكومة حزب العدالة والتنمية التي انتخبت ممثلة للسلطة التنفيذية، والجيش الذي نصب نفسه حارسا للعلمانية الكمالية واعتاد أن يمارس سلطة فاقت سلطة الحكومة. والقضاء الذي منح سلطات استثنائية منذ انقلاب عام 1980 بعدما سلمت مقاليده للأصولية العلمانية، لكي يصبح رقيبا ثانيا على أي حكومة منتخبة، ان شئت فقل إن الجيش مثل طول الوقت عضلات تلك الأصولية في حين أن القضاء كان بمثابة محامي المشروع وعقله القانوني. أما الحكومة فقد ظلت تقليديا أداة في يد الاثنين. وطوال السنوات التي خلت كانت مهمة الجيش والقضاء سهلة بصورة نسبية. أولا لأن الطبقة السياسية التقليدية كانت جزءا من المشروع العلماني الأصولي، وثانيا لأن الأحزاب التي تعاقبت على السلطة كانت تشكل حكومات ائتلافية بسبب الشيخوخة التي اصابتها، الأمر الذي لم يمكنها من الحصول على أغلبية مقاعد البرلمان، وهو ما كان يضعف من موقفها، ويعرضها للسقوط بعد سنتين أو ثلاث من تشكيل ائتلاف الحكم. لكن هذا الموقف اختلف بصورة جذرية حين تسلم حزب العدالة والتنمية السلطة في عام 2002، إثر فوزه بأغلبية كبيرة في البرلمان (له 330 مقعدا من 550). وهذه الأغلبية مكنت الحزب من تشكيل حكومة قوية، مازالت ثابتة القدم في السلطة منذ أكثر من سبع سنوات.

(2)
لأن الجيش كان صاحب اليد العليا في تركيا منذ أسس كمال أتاتورك الجمهورية في عشرينيات القرن الماضي، فان قادته اعتبروا صعود حزب العدالة وبلوغه سدة الحكم بتأييد الأغلبية الشعبية تحديا كبيرا لهم. وجاء ذلك التحدى على مستويين، أحدهما تعلق بالسلطان والنفوذ والثاني تمثل في التعامل مع العلمانية التي ارادها العسكر مخاصمة للدين كما في فرنسا، وارادها حزب العدالة متصالحة معه كما في إنجلترا. ولاشك أن رغبة تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبى ساعدت حكومة الحزب الصاعد على الثبات في مواجهة ضغوط العسكر، من خلال تقليص الدور الذي يقومون به في الحياة السياسية. وكان ذلك التقليص أحد بنود حزمة الإصلاحات التي دعا إليها الاتحاد لتذليل العقبات التي تحول دون انضمام تركيا إليه. وقد ترتب على ذلك مثلا أن فقد العسكر أغلبيتهم في عضوية مجلس الأمن القومي، وتساووا مع المدنيين في العدد. أهم من ذلك ان الطريق لم يعد مفتوحا أمامهم لتغيير الحكومة بانقلاب عسكري، وهي اللعبة التي استساغها قادة الجيش ومارسوها أربع مرات منذ ستينيات القرن الماضي. حيث كانوا يطيحون بالنظام باسم درء الخطر الذي يهدد العلمانية ويعينهم القضاء على ذلك بحظر الأحزاب المناوئة وغير المرضي عنها، وربما سجن قادتها.
مع مطلع القرن الجديد، وبعد فوز حزب العدالة بأغلبية مقاعد البرلمان أدرك قادة الجيش أن الظروف الداخلية والخارجية تغيرت في غير صالحهم، مما دعا رئيس الأركان الجنرال الكرباشبوغ إلى التصريح بأن عهد الانقلابات العسكرية انتهى، وأن الجيش ملتزم بقواعد الممارسة الديموقراطية وخيار الشعب.

(3)
هذا الإعلان كان اعترافا بأن قيادة الجيش تراجعت خطوة إلى الوراء عن دورها التقليدي، وهو ما خيب آمال أركان الأصولية العلمانية من العسكريين والمدنيين (حزب الشعب الجمهورى بوجه أخص). هنا برز دور الأصوليين في المحكمة الدستورية والادعاء العام، الذين أصبحوا في صدارة المواجهة مع الحكومة. فتم استنفار رجاله الذين حكموا بسجن رئيس الوزراء الحالي طيب أردوغان في الماضي، وسعوا إلى حل حزب العدالة والحيلولة دون ترشح عبدالله جول لرئاسة الجمهورية قبل سنتين. والوقائع التي اشرت إليها في مستهل النص من نماذج ذلك الاستنفار الذي كشف عن التجاذب داخل معسكر القضاة والمدعين، الذين أمر بعضهم باطلاق سراح ضباط الجيش المتهمين وأمر آخرون بإلقاء القبض عليهم.
المواجهة برزت إلى السطح قبل سنتين، حين فتحت الحكومة ملف منظمة «ارجنكون» السرية، التي ظلت توصف خلال العقود الأربعة الماضية بأنها الحكومة الخفية في تركيا. وكنت أحد الذين سمعوا بها قبل ربع قرن، حينما حدثني أحد الخبراء عن أنها تضم خليطا من غلاة العسكريين والسياسيين ورجال الأعمال والقضاة والمدعين والإعلاميين، وان هؤلاء كانوا نافذين في أجهزة الدولة. ولأن تنظيمهم انطلق من الدفاع عن المشروع العلمانى كما بدأه أتاتورك، فان مختلف القرائن دلت على أنهم كانوا على صلة بالانقلابات التي تمت في السابق، وببعض الاغتيالات التي تمت سواء لإثارة الرأي العام أو لتصفية الحسابات السياسية أو القومية (ضد الإسلاميين والأكراد والعلويين مثلا)، بل كان لبعض عناصره صلاتهم بتهريب المخدرات والجريمة المنظمة، كما بينت التحقيقات. وقد تصدت الحكومة لذلك الملف الشائك، بعدما تم ضبط مخازن أسلحة في بيوت بعض الضباط المتقاعدين. وتبين أن الذخيرة التي ضبطت مع تلك الأسلحة استخدمت في عمليات اغتيال عدد من النشطاء والشخصيات العامة.
والتحقيق الكبير مستمر في ملف ارجنكون حدثت مفاجأة لم تكن في الحسبان. إذ في العشرين من شهر يناير الماضي استيقظت تركيا على وقع قنبلة صحفية وسياسية أحدثت دويا لايزال يتردد صداه إلى الآن، إذ نشرت صحيفة «طرف» التي يقال إنها قريبة من رئيس الحكومة تقريرا مدعوما بالوثائق تحدث عن مخطط انقلاب عسكري كان سيقوده القائد السابق للجيش الأول (مقره استانبول) الجنرال شتين دوغان. وذكر التقرير أنه بعد وصول حزب العدالة إلى السلطة (عام 2002) تم اعداد ذلك المخطط الذي حمل اسم «المطرقة». ولتهيئة الأجواء لتدخل القوات المسلحة فإن المخطط تحدث عن خطوات لتأزيم الأوضاع في البلاد بما يوحي بانها مهددة بالفوضى والخطر، في تلك الخطوات تم استهداف اثنين من أهم مساجد تركيا، هما جامع بايزيد وجامع السلطان أحمد بالقنابل أثناء صلاة الجمعة. ثم افتعال أزمة مع اليونان عبر التحرش بها حتى إذا اقتضى ذلك اسقاط طائرة حربية تركية في بحر إيجه، واتهام اليونان بذلك ــ وهو ما يفترض أن يحرج الحكومة ويرفع من وتيرة الشعور بالخطر، الأمر الذي يسوغ القيام بانقلاب عسكري.
ذكرت صحيفة «طرف» أن لديها ما يثبت ويؤيد تقريرها متمثلا في 5 آلاف صفحة من الأوراق، وأصوات مسجلة وأفلام فيديو على أقراص مدمجة (سي. دي) وصور ومخططات وخرائط أولية، كما ان لديها قائمة باسماء 137 كاتبا وصحفيا سيكونون على علاقة وطيدة بالانقلاب، وأسماء 36 كاتبا وصحفيا سيعتقلهم الانقلابيون، أغلبهم محسوبون على التيار الليبرالي اليساري الديموقراطى ومنهم إسلاميون مقربون من أردوغان وحزبه وقد نشرت الصحيفة تلك الأسماء. وفي اليوم التالي نشرت أسماء أعضاء الحكومة التي كان سيشكلها الانقلابيون والحقائب المسندة إليهم.

(4)
المجموعة التي ألقى القبض عليها في عملية المطرقة ضمت بعض المدنيين إلى جوار العسكر، وجميعهم لم يكونوا بعيدين عن منظمة ارجنكون التي اخترقت خلايا مراكز القوة في المجتمع التركي منذ أربعين عاما. ولذلك فان معركة الحكومة الحالية معها ليست هينة. ونتائج تلك المعركة هي التي ستحدد مصير جمهورية العسكر الأصولية العلمانية، وكسب المعركة وحده الذي سيفتح الباب لتأسيس الجمهورية الثانية، الديموقراطية التي تكون السيادة فيها للشعب وليس للعسكر.
بعد سبع سنوات من المناورات السياسية والتجاذب على مختلف المستويات، أدركت حكومة حزب العدالة والتنمية أنه لا مفر من تعديل الدستور الذي «فصله» العسكر بعد انقلاب عام 1980 (صدر في عام 1982) لمعاندة التاريخ من خلال بسط هيمنتهم وادامة التمكين للأصولية العلمانية. فقد وجدت الحكومة انها ليست قادرة على تنفيذ بعض الإصلاحات التي وعدت بها بسبب القيود التي فرضها ذلك الدستور. فثمة مقاومة لمحاكمة العسكريين أمام المحاكم العادية وانهاء تدخلهم في الشؤون السياسية، وثمة رفض لاعادة هيكلة القضاء والحد من تسييسه بحيث لا تطلق يده في تعيين المدعين أو حل الأحزاب. وكانت الهيئة العليا للقضاة قد حاولت تنحية القضاة والمدعين العامين المسؤولين عن التحقيق في قضية ارجنكون، لتمكين بعض المتهمين من الافلات من العقاب. كما ان المحاكم الإدارية رفضت قرارات مجلس التعليم العالي الخاصة بالسماح للمحجبات بالالتحاق بالجامعات، وتمكين خريجي المعاهد الدينية من دخول الكليات العلمية والفنية. ولهذه النقطة الأخيرة قصة تستحق أن تروى. ذلك أن جميع الراغبين في دخول الجامعات يمتحنون قبل توجيههم إلى الكليات المختلفة. ولكن خريجي المعاهد الدينية وحدهم يخضعون لنظام خاص في احتساب الدرجات، فرضه مجلس التعليم العالي حين كان تحت السيطرة العلمانية، بمقتضاه يخصم منهم %15 من مجموع درجات الناجحين منهم، الأمر الذي يغلق الأبواب في وجوههم للالتحاق بكليات القمة. وذلك ظلم بيّن اشتكى منه الطلاب قبل وصول حزب العدالة للحكم، ولكن المحكمة الإدارية المختصة رفضت آنذاك مساواتهم بزملائهم وقالت انها غير مختصة بالموضوع. وحين تغيرت الحكومة، وعين رئيس جديد لمجلس التعليم، صدر قرار بإلغاء ذلك التميز ومساواة خريجي المدارس الدينية بزملائهم، وعندئذ تحركت الآلة الأصولية وطعنت في القرار أمام المحكمة الإدارية، فقضت بإبطاله وعودة التميز إلى سابق عهده. وهي ذاتها التي اعتبرت الأمر خارجا عن اختصاصها في السابق!

(5)
قدمت حكومة أردوغان 26 تعديلا على الدستور إلى البرلمان تجري مناقشة حامية حولها الآن. وليست هناك ثقة في تمرير التعديل، لأنه يحتاج إلى تصويت ثلثي الأعضاء، أي 367 صوتا من 550، في حين أن لحزب العدالة والتنمية 330 صوتا فقط. وإذا لم يمر التصويت، وحسب القانون، فان التعديل سيعرض على الاستفتاء العام خلال 60 يوما، في شهر يوليو المقبل، ويتوقع المراقبون أن تلجأ المحكمة الدستورية التي يهيمن عليها غلاة العلمانية إلى إصدار حكم بإبطال الاستفتاء. وحينئذ لن يكون أمام الحكومة سوى المطالبة بإجراء انتخابات جديدة يحتكم فيها إلى الشعب في تشكيل برلمان جديد، يطمح الحزب إلى أن يمثل مقعد الثلثين فيه، من خلال أعضائه أو تحالفاته، لكي يمرر التعديلات التي يريدها، وذلك كله يفترض أن يتم خلال أشهر الصيف المقبل، التي يتوقع الجميع أن ترتفع الحرارة فيه إلى درجة الغليان قبل أن تسفر المواجهة الشرسة إما إلى ميلاد الجمهورية التركية الثانية أو إلى اجهاض هذا الأمل.

مشراف
25-04-2010, 03:14 PM
نهر النيل بين الاستراتيجية و«الفهلوة»
كتب فهمي هويدي
2010/04/19 09:40 م
http://www.alwatan.com.kw/ArticleDetails.aspx?Id=23049

- الوثائق الإسرائيلية تجمع على أن استراتيجية الدولة العبرية منذ أواخر الخمسينيات اتجهت إلى محاولة تطويق العالم العربي من الخلف

- الزيارات التي تمت مؤخراً كانت محاولات لابأس بها لكنها جاءت متأخرة كثيرا

فشل المفاوضات مع دول حوض النيل درس جديد لمصر، يذكرها بأنها يجب أن تأخذ متطلبات أمنها القومي على محمل الجد، وأن «الفهلوة» لا يمكن أن تكون بديلا عن الاستراتيجية.

(1)

الأمر ليس هينا ولا يحتمل التراخي أو الهزل، فموضوعه مياه النيل التي تعتمد عليها مصر بنسبة %95 وحين يكون الأمر كذلك، فهو يعني أننا نتحدث عن مصدر الحياة في هذا البلد منذ دبت فيه الحياة. وقد جسدت الآثار المصرية هذه الحقيقة في لوحة صورت مركبا ضم الفرعون متحدا مع رمز النيل «حابى» مع رمز العدالة «ماعت»، واعتبر الباحثون أن هذه اللوحة تمثل خريطة مصر منذ فجر التاريخ، التي تقوم على الأضلاع الثلاثة الحاكم الفرعون وحابي النيل وماعت العدل.
هذا الذي وعاه الفراعنة منذ آلاف السنين صرنا نناضل من أجل تثبيته والحفاظ عليه في القرن الواحد والعشرين. إذ في حين ظننا أن أمر الفرعون وقضية ماعت (العدل) يحتلان رأس شواغلنا الوطنية،فإننا فوجئنا بأن ضلع «حابي» في خطر، صحيح أن الخطر ليس حالا ولا داهما، ولكن مقدماته لا تخطئها عين. ذلك أن حصة مصر التاريخية من مياه النيل المستقرة منذ عام 1929 وبالاتفاق مع السودان عام 1950 (55 مليار متر مكعب) تتعرض الآن إلى النقد والمراجعة، وفي الوقت الذي أدركت فيه مصر أنها بحاجة لأن تضيف إلى حصتها 11 مليارا أخرى بسبب الزيادة الكبيرة في عدد السكان ومعدلات الاستهلاك، إذا بها تفاجأ بأن عليها أن تخوض معركة طويلة لكي تحافظ على حصتها الأصلية.
الموقف بدأ في التغير ابتداء من عام 1995، حين ارتفعت الأصوات في دول المنبع داعية إلى إعادة النظر في توزيع حصص مياه النيل استنادا إلى ثلاثة عوامل هى: أن دول المنبع اعتبرت أن تلك المياه ملك لها، ومن ثم فلها الحق ليس فقط في حجزها وراء السدود ولكن أيضا في بيعها إلى مصر والسودان، العامل الثاني أن بعض تلك الدول، (كينيا وتنزانيا مثلا)، ذكرت أن الحصص ينبغي أن يعاد النظر فيها بما يلبي تطور احتياجاتها التنموية خصوصا في التحول من الزراعة الموسمية إلى الزراعة الدائمة. العامل الثالث أن تلك الدول احتجت بأن اتفاقية عام 1929 وقعتها مصر مع سلطة الاحتلال البريطاني، التي لم تراع احتياجات «مستعمراتها»، وبعدما نالت تلك المستعمرات استقلالها فإن الأمر اختلف، بما يسوغ إعادة النظر في الاتفاقات التي عقدها البريطانيون.
هذه الحجج لم تكن بريئة تماما، فالدعوة إلى إعادة توزيع الحصص بصورة «أكثر عدالة» تثير الانتباه. إذ في حين تعتمد مصر في احتياجاتها المائية على مياه النيل بنسبة %95، فإن نسبة اعتماد إثيوبيا التي تقود الحملة حوالي %1، وكينيا %2 وتنزانيا %3 والكونغو %1 وبوروندي %5 والسودان %15. ذلك أن كثافة هطول الأمطار على تلك البلدان تقلل من أهمية مياه النيل بالنسبة لها. الأمر الآخر المهم أن اتفاقات المرحلة الاستعمارية التي يراد إعادة النظر فيها، بما فيها اتفاق توزيع حصص المياه، هي ذاتها التي أنشأت تلك الدول، وإعادة النظر فيها من شأنها أن تطلق عنان الفوضى ليس في دول حوض النيل فحسب، وإنما في افريقيا كلها. يضاف إلى ما سبق أن ثمة قواعد عامة لإدارة مياه الأنهار العابرة للدول تنص على إقرار مبدأ الحقوق التاريخية المكتسبة في الموارد المائية، وتعتبر أن مياه الأنهار مورد طبيعي مشترك لا يخضع لسيادة دولة بذاتها. وهذه القواعد أقرها معهد القانون الدولي في عام 1961.

(2)

في الجولة التفاوضية الأخيرة التي عقدت في شرم الشيخ وانتهت يوم الأربعاء الماضي (4/14) كان واضحا أن دول حوض النيل السبع (المنبع) تكتلت ضد مصر والسودان (دولتا المصب). إذ رفضت المقترحات المصرية السودانية لاتفاقية التعاون فيما بينهما. خصوصا ثلاثة بنود أصر عليها البلدان تقضي بما يلي: ضرورة قيام دول منابع النيل بإخطار الدولتين مسبقا قبل تنفيذ مشروعات على أعالي النهر قد تؤثر في حصصهما في المياه - استمرار العمل بالاتفاقيات السابقة التي توزع حصص المياه باعتبارها حقوقا تاريخية - في حالة إنشاء مفوضية لدول حوض النيل، فإن التصويت فيها إما أن يتم بالإجماع وإما بالأغلبية التي يشترط فيها موافقة دولتي المصب.
مؤتمر شرم الشيخ كان بمنزلة الجولة الثالثة للمناقشات مع دول حوض النيل، الأولى كانت في كينشاسا بالكونغو (مايو 2009) والثانية كانت في الإسكندرية (يوليو 2009) - وحسب البيان الذي أصدرته دول الحوض السبع منفردة فإن لقاء الإسكندرية هو آخر اجتماع لبحث الموضوع، وإذا سارت الأمور على النحو الذي حدده البيان ولم يتدخل الرؤساء لتغيير موقف الوزراء، فإن تلك الدول ستوقع الاتفاقية خلال عام، دون أن تشارك فيها مصر أو السودان، وهذه الخطوة إذا تمت فإنها ستكون بمنزلة أول شقاق علني بين دول حوض النيل؛ منبعه ومصبه، والمرة الأولى التي تتحدى فيها تلك الدول مصر وتتصرف على نحو يفتح الباب لاحتمال المساس مستقبلا بحصتها في المياه، ومن ثم الإضرار بأمنها القومي، كما أن هذا الشقاق سوف يكرس المواجهة بين الدول العربية في القارة والدول الأفريقية غير العربية.

(3)

مصر تدفع الآن ثمن غيابها عن افريقيا. هذه المقولة لم يختلف عليها أحد من الخبراء الذين حدثتهم في الموضوع. ذلك أن افريقيا حين كانت إحدى دوائر الانتماء في المرحلة الناصرية، كان لها شأن مختلف تماما، فقد كان هناك مكتب يعني بأمرها في رئاسة الجمهورية، تولى المسؤولية عنه السيد محمد فايق، إلى جانب المكاتب الأخرى التي خصصت لمتابعة الشؤون العربية والآسيوية والأوروبية، وكانت القاهرة مفتوحة الذراعين لحركات التحرر في مختلف الدول الأفريقية. في حين كانت شركة النصر للتصدير والاستيراد هي غطاء أنشطة المخابرات المصرية في دول القارة إلى جانب أنشطتها الأخرى. كما كانت مدينة البعوث الإسلامية والجامعات المصرية تستقبل باستمرار أعدادا كبيرة من أبناء تلك الدول. وفي التركيز على دول منابع النيل فإن الرئيس عبدالناصر أقام علاقة خاصة مع الإمبراطور هيلاسلاسي وكان يحضر اجتماعاتهما في القاهرة الأنبا كيرلس بطريرك الأقباط الأرثوذكس، الذي كانت تتبعه كنيسة الحبشة. لكن هذه الصفحة طويت بمضي الوقت بعد رحيل عبدالناصر، وجرى تفكيك كل الجسور التي تم بناؤها مع مختلف دول القارة. حتى الكنيسة الإثيوبية انفصلت عن الكنيسة المصرية. وتعزز وتعمق التباعد حين جرت محاولة اغتيال الرئيس مبارك أثناء توجهه للمشاركة في القمة الأفريقية بأديس أبابا عام 1995. وهو العام الذي لم تنتكس فيه علاقة مصر بالدول الأفريقية فحسب، ولكن بدا أيضا أن التراجع تحول إلى ما يشبه الخصومة التي سقطت بمقتضاها افريقيا من أولويات أجندة السياسة الخارجية المصرية.

(4)
حين كانت مصر تخرج بصورة تدريجية من افريقيا، كانت إسرائيل والولايات المتحدة وغيرها من الدول صاحبة المصلحة تزحف على القارة وتثبت أقدامها في أرجائها. ومن المفارقات ذات الدلالة أن مطالبة دون المنبع بإعادة النظر في حصص مياه النيل بدأت في عام 1995، كما سبقت الإشارة. وهو ذات العام الذي وقعت فيه محاولة الاعتداء على الرئيس مبارك، وأحدثت ما يشبه القطيعة في العلاقات المصرية الأفريقية، وهو ما تجلى في غياب مصر عن مؤتمرات القمة الأفريقية، الأمر الذي هيأ الفرصة المواتية للآخرين ليس فقط لكي يتمددوا ويتمكنوا، ولكن أيضا لكي يكيدوا لمصر ويسمموا العلاقات معها.
من الملاحظات المهمة في هذا السياق أن الدول التي تزعمت تلك الدعوة، هي أكثر دول القارة ارتباطا بإسرائيل وانفتاحا عليها (إثيوبيا وكينيا وأوغندا)، وهو ما يعزز الشكوك في دوافع إطلاق ما سمي بالاتفاقية الإطارية للتعاون بين دول حوض وادي النيل.
هذه الخلفية عبر عنها الدكتور محمود أبوزيد وزير الري والموارد المائية السابق، حين صرح في شهر فبراير من العام الماضي بأن ثمة مخططا إسرائيليا أمريكيا للضغط على مصر، لإمداد تل أبيب بالمياه من خلال إثارة موضوع «تدويل الأنهار».
هذا الكلام صحيح مائة في المائة، كما أنه ليست فيه أية مفاجأة. فالوثائق الإسرائيلية المنشورة تجمع على أن استراتيجية الدولة العبرية منذ أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات اتجهت إلى محاولة تطويق العالم العربي والانقضاض عليه من الخلف، من خلال ما أطلق عليه بن جوريون رئيس الوزراء آنذاك سياسة «شد الأطراف»، التي ركزت على اختراق ثلاث من دول الجوار هي إثيوبيا وتركيا وإيران. وكان الدخول إلى القارة الأفريقية والتركيز على دول حوض نهر النيل، وعلى رأسها إثيوبيا للضغط على مصر جزءا من تلك الاستراتيجية، وقد فصلت في هذه القصة دراسة عميد الموساد المتقاعد موشيه فرجي «إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان» التي قدمت إلى مركز ديان للأبحاث في تل أبيب، (نشرت في عام 2003 وسبق أن استشهدت بمضمونها المثير).
لا مفاجأة فيما حدث إذن، ذلك أن الوجود الإسرائيلي المدعوم بالسياسة الأمريكية تم تحت أعين الجميع ولم يكن فيه سر. ودراسة العميد فرجي تحدثت عن انتشار خمسة آلاف خبير إسرائيلي في دول القارة في ذلك الوقت المبكر. وهؤلاء نشطوا في مختلف المجالات العسكرية والاقتصادية من تدريب للجيوش والشرطة إلى إقامة المزارع وتصدير الزهور، وما كانت تقوم به شركة النصر للتصدير والاستيراد المصرية في الستينيات والسبعينيات تصدت له وضاعفت من مجالاته الدولة العبرية بهمة لم تعرف الفتور أو الانقطاع.
إزاء ذلك، فبوسعنا أن نقول إن الإسرائيليين زرعوا وحصدوا، أما نحن فقد زرعنا حقا ولكننا إما تركنا الزرع بلا رعاية فجف ومات، وإما أننا اقتلعناه بالإهمال واللامبالاة. صحيح أننا حاولنا أن نعوض الغياب بأشكال مختلفة من الحضور خلال السنوات الأخيرة، إلا أن ذلك كان من قبيل محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه في الوقت الإضافي أو بدل الضائع.
لقد قام بعض المسؤولين المصريين - في مقدمتهم الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء بزيارات لإثيوبيا وبعض دول الحوض، كما بذلت مصر بعض الجهود التي استهدفت تحقيق التعاون الذي يقنع تلك الدول بأن لها مصلحة في التوافق مع مصر، ودُعي رجال الأعمال المصريون للإسهام في تلك الجهود. وتلك محاولات لا بأس بها لكنها جاءت متأخرة كثيرا، ثم إنها كانت دون ما تحتاجه حقا تلك الدول. وأهم من ذلك أنها لم تكن تعبيرا عن استراتيجية وإنما كانت من قبيل الفهلوة المصرية التي تعول على الصدف السعيدة بأكثر ما تراهن على التخطيط بعيد المدى.
لقد قرأت تصريحا لوزير الري المصري تحدث فيه عن مضاعفة اعتماد بند التعاون مع دول حوض النيل في ميزانية العام الجديد لكي تصبح 150 مليون جنيه (حوالي 27 مليون دولار)، وقرأت في اليوم التالي أن النرويج قدمت معونة بقيمة 414.2 مليون دولار إلى إثيوبيا لكي تقيم سدا جديدا عند منابع النيل. ووجدت أن المقارنة تجسد المفارقة، لأنني لاحظت أن ما قدم إلى دولة واحدة يعادل 15 مرة ما تعتزم مصر تقديمه إلى دول حوض النيل كلها في الميزانية الجديدة.
لو أننا وجهنا ميزانية التلفزيون التي يخصصها كل عام لمسلسلات رمضان وفوازيره لكي تمول مساعدات مصر ومشروعاتها في دول حوض النيل لتجنبنا المأزق الذي نواجهه الآن، ولخففنا الكثير من أحزان «حابي» وقلقه على المستقبل.

مشراف
27-04-2010, 10:57 AM
اللاعبون والمتفرجون في حوض النيل

لثلاثاء 13/5/1431 هـ - الموافق 27/4/2010 م (آخر تحديث) الساعة 0:35 (مكة المكرمة)، 21:35 (غرينتش)


http://www.aljazeera.net/mritems/images/2010/4/26/1_987180_1_34.jpg



التعامل مع ملف المياه يحتاج إلى تفكير من نوع مغاير، يعيد قراءة المشكلة بأبعادها المختلفة بعيدا عن لغة الانفعال والتهديد التي تحدث بها بعض المسؤولين المصريين.


(1)


ما دعاني للعودة إلى الموضوع مرة ثانية ليس فقط ما يمثله من أهمية حيوية بالنسبة لمصر، ولكن لأنني وقعت خلال الأسبوع الماضي على كم من المعلومات التي تسلط أضواء جديدة على جوانبه المختلفة, ووجدت أن النظر إليها من شأنه أن يسمح لنا بالتعامل مع الملف بصورة أكثر عمقا ومسؤولية، أدرى أننا نتحدث الآن بعدما حققت السياسة المصرية فشلا نسبيا في التوصل إلى اتفاق مع دول المصب، الأمر الذي يعد مقدمة لمواجهة لم تكن في الحسبان، يخشى أن تكون افتتاحا لحروب المياه في القرن الحادي والعشرين.

لقد وجدت مثلا أننا أصبحنا طرفا في مشكلة كبيرة متداولة في المحافل الدولية، التي لم تتوقف عن مناقشة «حق المياه»، وكان آخرها المنتدى العالمي للمياه الذي عقد في إسطنبول في شهر مارس/آذار من العام الماضي (2009)، ذلك أن في العالم 260 حوضا للمياه تتقاسمها دولتان وأكثر. ويعيش حولها 40٪ من سكان العالم، كما أن هناك مئات من الأحواض الجوفية المشتركة. ومن الأمثلة الصارخة على ذلك أن 14 دولة تتقاسم نهر الدانوب الأوروبي، و11 دولة تشترك في كل من نهري النيل والنيجر، و9 دول تشترك في الأمازون، وثلاث دول في نهري دجلة والفرات، ومثلها لنهر الأردن.
"
في العالم 260 حوضا للمياه تتقاسمها دولتان وأكثر, ويعيش حولها 40٪ من سكان العالم، كما أن هناك مئات من الأحواض الجوفية المشتركة, وفي أغلب الأحوال فإن أنصبة تلك الدول من المياه يتم التفاهم حولها بصورة ودية وسلمية، إلا أن الأمر لا يخلو من خلافات
"وفي أغلب الأحوال فإن أنصبة تلك الدول من المياه يتم التفاهم حولها بصورة ودية وسلمية، إلا أن الأمر لا يخلو من خلافات تنشأ إما عن التوزيع غير العادل أو الخلافات السياسية. وهو الحاصل بين تركيا والعراق، وإسرائيل والمناطق المحتلة. وبين مصر والسودان من ناحية ودول منابع النيل من ناحية ثانية.
في الوقت ذاته، ثمة 145 معاهدة عالمية حول موضوع المياه، لم تحلّ الخلافات التي تثور بين أطرافها أو تحسمها تماما، ومع ذلك لم يحدث أن كانت المياه وحدها سببا مباشرا للحرب فيما بين الدول، كما يقول رئيس المجلس العالمي للمياه لويك فوشون. وفي حالة وقوع نزاعات مسلحة بين الدول المعنية فعادة ما تكون هناك عوامل أخرى تحرك تلك النزاعات، في مقدمتها طبيعة العلاقات السياسية وغياب التعاون بين تلك الدول، إضافة إلى المرارات والرواسب التاريخية، ولا ينسى في هذا الصدد أن موازين القوة بين الأطراف المختلفة تلعب دورها في توزيع حصص المياه، والحالة الأشهر في ذلك تتمثل في إسرائيل التي تحبس المياه وتنتفع بها على حساب الفلسطينيين أصحاب الأرض، وكانت النتيجة أن متوسط استهلاك الفلسطيني في الأرض المحتلة أصبح في حدود 75 لترا يوميا، في مقابل 300 لتر للإسرائيلي، علما بأن المتوسط العالمي الأدنى مائة لتر. بحسب منظمة الصحة العالمية.





(2)


لأن اللاعبين كثر فالحاصل في القارة الأفريقية أكثر تعقيدا مما نتصوره. هذه نقطة مركزية في دراسة تلقيتها من المدير السابق لمعهد الدراسات الأفريقية الدكتور السيد فليفل، اعتبر فيها الموقف المصري إزاء أفريقيا «مفتقدا الرؤية الإستراتيجية المتماسكة». وهو يرصد التحركات المناوئة التي يتعين الانتباه إليها، سجل الملاحظات التالية:

* تتبنى الولايات المتحدة مشروعات إستراتيجية مؤثرة على المصالح المصرية، أخطرها مشروع القرن الأفريقي الكبير. الذي يستهدف تدمير الدرع اليمنى لحوض النيل، وتمزيق السودان بغرض النفاذ منه إلى قلب القارة وأقاليمها المائية للهيمنة على أهم موارد القارة الطبيعية الكفيلة بتوليد طاقة مائية هائلة، وهذا المشروع يشكل قيدا على الحركة المصرية في مجاليْها الحيويين، العالم العربي والقارة الأفريقية.
* طرحت الولايات المتحدة كذلك فكرة بعث مشروع استعماري بريطاني قديم هو اتحاد شرق أفريقيا (كينيا وأوغندا وتنزانيا). وفي التصور الأميركي فإن ذلك الاتحاد يمكن أن يضم دولة مقترحة في جنوب السودان، وقد عقد عدة دورات في السنوات الثلاث الماضية على مستوى القمة. ومن شأن إقامته أن يتم شق تجمع «كوميسا» وإضعاف دور مصر فيه، وبصفة خاصة إذا انضمت إليه إثيوبيا، وفي حال انفصال جنوب السودان فإن ذلك الاتحاد، سيكون بمثابة شرخ محتمل في العلاقات العربية الأفريقية، لا يعلم إلا الله تداعياته ومآلاته.
"
تتبنى الولايات المتحدة مشروعات إستراتيجية مؤثرة على المصالح المصرية، أخطرها مشروع القرن الأفريقي الكبير, الذي يستهدف تدمير الدرع اليمنى لحوض النيل، وتمزيق السودان بغرض النفاذ منه إلى قلب القارة وأقاليمها المائية
"وما لم تقم مصر باختراق كبير، فإن علاقة مصر والسودان مع الاتحاد الجديد ستشهد توترات عدة. وفي ظل احتمال انضمام إثيوبيا إليه، وإزاء غياب الدولة الصومالية، فإن أزمة مياه النيل والعلاقة مع دول الحوض ستصبح أزمة أفريقية/أفريقية وأفريقية/عربية في ذات الوقت.
* تبنت الولايات المتحدة كذلك مشروع خليج غينيا، وهو يرمي إلى حصد البترول المكتشف مؤخرا في دول غربي أفريقيا ووسطها، وتستهدف الولايات المتحدة من خلاله أن توفر في عام 2015 نحو ربع احتياجاتها من النفط من هذه المنطقة، خاصة نيجيريا وتشاد والسنغال وأنغولا، وهي لم تكتف بذلك، بل استخدمت تلك الدول ركيزة للتدخل في جوارها، وبعض تطورات أزمة دارفور تمكن قراءتها في إطار هذا المشروع.
* نتيجة لهذه المشروعات الأميركية صار السودان عرضة للاختطاف والتناوش والنهش من الشرق (في إطار مشروع الشرق الأوسط)، ومن الغرب (في إطار مشروع خليج غينيا)، ومن الجنوب (في إطار مشروع اتحاد شرق أفريقيا)، بل وصار عرضة للتقسيم الكامل في إطار مشروع القرن الأفريقي الكبير، وهو ما يهدد مصالح مصر الثابتة في مياه النيل بمخاطر شتى.
* إذا أضفنا لذلك كله ذلكم المشروع الوليد للقيادة العسكرية الأميركية لأفريقيا (أفريكوم) لأدركنا أن هذه المشاريع الأميركية ليست برامج تنموية طوباوية تحدث في فراغ إستراتيجي، بل يظاهرها تجييش للجيوش وحشد للقوى، وربما نشهد يوما تكون فيه جيوش الدول الأفريقية التي لا تتوقف زيارات المسؤولين الأميركيين لها (السنغال ونيجيريا وغانا في غربي القارة، وجنوب أفريقيا في جنوبيها، وكينيا وأوغندا وإثيوبيا في شرقيها) تدخل في إطار المشروعات الأميركية، على نحو ما حدث من تدخل إثيوبيا في الصومال، وقيادة أوغندا للقوات الأفريقية هناك، الأمر الذي يعني أننا بصدد برامج خطيرة تهدد أمن مصر القومي، لا تمس مصالحها فحسب، ولكنها تتجاهل أنها موجودة أصلا.





(3)


في الوقت الراهن، ومن الناحية العملية، لا مفر من الاعتراف بأن موقف مصر ضعيف، لا لأنها لا تملك أوراقا، ولكن لأنها لم تستخدم أوراقها وتجاهلتها طويلا، ولكي تدافع مصر عن حقوقها فمطلوب منها بذل جهد مضاعف، لسبب جوهري هو أن الساحة الأفريقية أصبحت تكتظ باللاعبين الوافدين إليها من كل صوب، فإلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، ثمة حضور مشهود للصين وفرنسا وألمانيا واليابان والهند وإيران، وصولا إلى ماليزيا.


وفي حدود علمي فإن تركيا بدورها أصبحت تتطلع للنفاذ إلى الأسواق الأفريقية، حتى إنها قامت بتعيين أحد أهم رجال الأعمال سفيرا لها في نيروبي، ولابد أن يلفت نظرنا في هذا السياق أن المنظمات الأهلية التركية أصبحت تمارس نشاطا ثقافيا واسعا في مختلف دول القارة، بحيث لم تعد هناك دولة أفريقية إلا وأقيمت فيها مدرسة تركية على الأقل.
"
لكي تدافع مصر عن حقوقها فمطلوب منها بذل جهد مضاعف، لسبب جوهري هو أن الساحة الأفريقية أصبحت تكتظ باللاعبين الوافدين إليها من كل صوب، فإلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، ثمة حضور مشهود للصين وفرنسا وألمانيا واليابان والهند وإيران، وصولا إلى ماليزيا
"لقد تلقيت رسالة بخصوص إمكانيات الدور المصري من المدير السابق للجنة الإغاثة باتحاد الأطباء العرب الدكتور جمال عبد السلام طرح فيها سؤالين هما: لماذا لا تستحدث مصر وزارة لشؤون أفريقيا، كما سبق أن خصص الرئيس عبد الناصر وزارة للسد العالي (عين لها المهندس صدقي سليمان وزيرا)؟.
السؤال الثاني هو: لماذا لا تستعين الجهود الحكومية في ترميم ومد الجسور مع الدول الأفريقية بالمنظمات الأهلية ذات الخبرة العريضة في مختلف مجالات الخدمات، وفي مقدمة تلك المنظمات جمعية الهلال الأحمر ولجان الإغاثة بالجمعية الشرعية ونقابة الأطباء المصرية واتحاد الأطباء العرب.
يذكرنا الدكتور جمال عبد السلام بأن العالم العربي ومصر خاصة أقرب إلى أفريقيا من كل تلك البلدان التي تقاطرت عليها، وأن مدرسة واحدة أقامتها الكويت في جوبا، جعلت شعب جنوب السودان يخرج في مظاهرات صاخبة احتجاجا على غزو العراق للكويت، في حين أن الموقف في الشمال كان ملتبسا، كما أن إقامة مدرسة جمال عبد الناصر في مقديشو، والبعثة الأزهرية التي تم إيفادها إلى الصومال (كانت الأكبر في القارة الأفريقية) أحدثتا تغييرات جوهرية في أجواء البلاد، لمسها الوفد الإغاثي الذي أرسلته الجامعة العربية إلى هناك في بداية التسعينيات.
من ناحية أخرى فإن الأنشطة التي قامت بها القوافل الإغاثة العلاجية ولجان مكافحة العمى في بعض الدول الأفريقية كانت لها أصداؤها الإيجابية القوية، حين زارت جيبوتي والصومال وتشاد والنيجر.





(4)


حتى تأخذ المصارحة مداها، يتعين علينا في النهاية أن نسجل عدة أمور أحسبها ضرورية لانتقال مصر من موقف المتفرج إلى اللاعب في ساحة حوض النيل، هذه الأمور هي:

1- إن الفشل النسبي للمفاوضات مع دول الحوض وثيق الصلة بتراجع الدور المصري وغياب إستراتيجية واضحة للتعامل مع العالم الخارجي، فالعلاقة مع دول حوض النيل مثلا، لا تنفصل عن العلاقة مع دول منطقة القرن الأفريقي، بل مع محيط دول الاتحاد الأفريقي.
2- إن مصر لم تتصرف حتى الآن باعتبارها جزءا من أفريقيا، وأعطت انطباعا بأنها ضيف عليها ومضطر إليها، وذلك وضع يحتاج إلى تصحيح بحيث تنضم الهوية الأفريقية إلى مفردات الهوية الأخرى للإقليم، المصرية والعربية والإسلامية والمتوسطية.. إلخ. ورغم أن بعض المسؤولين المصريين دأبوا على الحديث عن تضحيات مصر من أجل أفريقيا (في أزمنة سابقة) فإن الأفارقة لم يجدوا ما يبرهن على ذلك في زماننا. ولك أن تقدر مشاعرهم مثلا عندما يجدون أن مصر أعادت الحياة إلى شبكة كهرباء لبنان مرة واثنتين إثر العدوان الإسرائيلي، في حين لا يجدون أثرا يذكر لدورها التنموي في بلادهم.
3- حين نتحدث عن دور العوامل أو الدسائس الخارجية التي باعدت بين مصر وبين دول الحوض، ينبغي ألا يمنعنا ذلك من تفهم مشاعر الأفارقة إزاء مصر. ذلك أن منهم من يلمس استعلاء مصريا غير مبرر في التعامل معهم.. ومنهم من لا يستطيع أن يتحلل من مشاعر الاستياء والحساسية حين يجدون أن مياه النهر تمر على بلدانهم التي تعانى التخلف والفقر والمرض، لتصل إلى حياضنا لنزرع بها ونروي. ومن حقهم في هذه الحالة أن يطالبوا بمردود يمتص مشاعرهم تلك ويرطب من جوانحهم.
"
الإسهام المصري في تنمية مجتمعات دول حوض النيل وتوفير ما يمكن توفيره من خدمات طبيعية وتعليمية لهم لا يبدد المشاعر المضادة فحسب ولكنه أيضا يوفر لمصر نفوذا ناعما يرجح من كفتها في مثل المواقف الخلافية
"ولا شك أن الإسهام المصري في تنمية تلك المجتمعات وتوفير ما يمكن توفيره من خدمات طبيعية وتعليمية لهم لا يبدد تلك المشاعر فحسب ولكنه أيضا يوفر لمصر نفوذا ناعما يرجح من كفتها في مثل المواقف الخلافية التي نحن بصددها.
4- ثمة انطباع مغلوط يشيع بين بعض النخب في الدول الأفريقية خصوصا بعد توقيع اتفاقية كامب ديفد يدعي أن التنسيق قائم بين مصر والولايات المتحدة وإسرائيل في المشرق العربي والقرن الأفريقي، ولا أعرف علاقة هذه الشائعة بفكرة معسكر «الاعتدال» الذي يروج له في العالم العربي وتتصدره الدول الثلاث، لكن الذي لا أشك فيه أن هذه السمعة أفقدت الدور المصري «الغائب» رصيده الوطني والمستقبل في القارة.
ولأن التحدي كبير، فالجهد المطلوب أيضا كبير، وهو ما يتطلب قرارا سياسيا على أعلى مستوى، يستصحب عزيمة صادقة ونفسا طويلا. وتلك مشكلات عويصة لا أعرف هل سنحلها في الأجل المنظور أم لا.

مشراف
27-04-2010, 03:17 PM
الصعود التركي ليس معجزة


لثلاثاء 27/12/1430 هـ - الموافق 15/12/2009 م (آخر تحديث) الساعة 2:04 (مكة المكرمة)، 23:04 (غرينتش)

http://www.aljazeera.net/mritems/images/2009/12/14/1_958803_1_34.jpg



الشق السهل في المسألة أن نتحلى بقليل من التواضع وكثير من التجرد لكي نفسر الصعود التركي الذي خطف الأبصار وأسر القلوب، أما الشق الصعب حقا فهو أن نتعلم منه.

(1)
حين كتب زميلنا رئيس تحرير صحيفة "الحياة" اللندنية غسان شربل مقالة تحت عنوان "لا تتركنا أوغلو" (عدد 2/11/2009) فإنه عبر عن الإحباط الذي ينتاب المثقف العربي إزاء الفشل في التعامل مع مختلف الملفات المطروحة في الساحة العربية. وقتذاك كان وزير الخارجية التركي الدكتور أحمد داود أوغلو في زيارة أربيل عاصمة كردستان العراق، وقد وصل إليها قادما من الموصل حيث افتتح قنصليتين في المنطقتين العربية والكردية.
فكتب صاحبنا موجها إليه كلامه قائلا: "قتلتني الغيرة حين شاهدت صورتك مع البارزاني. منذ شهور ونحن نتحرق لنرى ودا مشابها في صورة تجمع محمود عباس وخالد مشعل". تحدث أيضا عن أزمة لبنان الذي كان تشكيل حكومته متعثرا منذ خمسة أشهر، ثم ختم مناشدا الدكتور أغلو أن يتدخل لإنقاذ الموقف استنادا إلى مهارته في حل الخلافات، وإلى كون تركيا أصبحت ذات كلمة مسموعة في الإقليم.
"
إنجازات الخارج التركي ما كان لها أن تتم إلا بعد اجتياز امتحان الداخل بدرجة عالية من النجاح, وهو ما يسوغ القول بأن ما تحقق في الداخل من نجاحات كان الأساس الذي انطلقت منه إنجازات الخارج
"كثيرة هي الكتابات المماثلة التي تحدثت عن النجاحات التي حققتها السياسة الخارجية التركية، حتى إن بعضها تحدث عن دخول الشرق الأوسط إلى "العصر التركي" (بول سالم مدير مركز كارنيجي للشرق الأوسط ببيروت- الحياة 29/9). وقد لفت صاحب المقال الأنظار إلى المتحولات الإستراتيجية المهمة في المنطقة التي أسهم فيها الموقف التركي. فأشار إلى أنه طيلة معظم القرن العشرين كانت إسرائيل وتركيا وإيران في معسكر واحد، لكن الثورة الإسلامية في إيران غيرت من تلك الحقيقة. وجاء الموقف التركي الأخير ليجعل إسرائيل خالية من أي تحالفات إقليمية للمرة الأولى منذ تأسيسها.
في هذا المعنى سجل الصحفي التركي البارز جنكيز شاندار ملاحظة مهمة في مقالة نشرتها له صحيفة "راديكال" (عدد 22/10)، قال فيها إن تركيا سعت يوما ما إلى استمالة أميركا عن طريق التقرب من إسرائيل، لكن الموقف اختلف الآن بحيث أصبحت إسرائيل تسعى إلى استمالة تركيا عن طريق وساطة واشنطن. وختم هذه النقطة قائلا: "إن إسرائيل وواشنطن مدعوتان إلى إدراك أن من يحاول التقرب من إسرائيل لخطب ود واشنطن سيلقى مصير محمود عباس، أي إنه سيحكم على نفسه بالإعدام".
الذين يتابعون الشأن التركي من الخارج قدروا إنجازات حكومة حزب العدالة والتنمية على ذلك الصعيد، وهذا التقدير مستحق لا ريب، لكن كثيرين لا ينتبهون إلى أن إنجازات الخارج ما كان لها أن تتم إلا بعد اجتياز امتحان الداخل بدرجة عالية من النجاح. وهو ما يسوغ لى أن أقول إن ما تحقق في الداخل من نجاحات كان الأساس الذي انطلقت منه واتكأت عليه الإنجازات المتلاحقة التي تحققت في الخارج.
(2)
في زيارتي الأخيرة لأنقرة تناولت الغداء مع أحد الأصدقاء في مطعم أقيم فوق تلة تطل على واد فسيح مليء بالخضرة التي توزعت على سلسلة من الحدائق البديعة المنظر. وحين وجدني الصديق مأخوذا بالجو المحيط، بادر إلى القول إن ذلك الوادي الفسيح كان قبل سنوات قليلة "مقلبا" لقمامة العاصمة. ولكن يد البلدية امتدت إليه وأحدثت فيه ذلك الانقلاب، ضمن السياسة التي اتبعتها لمضاعفة مساحات الخضرة في المدينة، وتوفير فرص أوسع لتجميلها وللترويح عن السكان في الوقت ذاته. أضاف محدثي قائلا: إن البلدية حرصت على أن تخصص في كل حديقة ركنا متميزا زودته بلعب الأطفال، بحيث أصبحت الأسر التركية ترتاد تلك الحدائق وهى مطمئنة إلى أن أطفالها سيجدون فيها ما يمتعهم طول الوقت.
قال الصديق الخبير إن قصة مقلب القمامة تعد رمزا للانقلاب في ساحة الخدمات التي عرفتها الساحة التركية، وإن النجاح الحقيقي لحكومة حزب العدالة تمثل في أنها استطاعت أن تقنع الناس بأنها جاءت لتلبي احتياجاتهم وترفع مستوى الخدمات المقدمة إليهم. وهذه المهمة تتصدى لها بالدرجة الأولى 81 بلدية عامة بالمحافظات، غير آلاف البلديات الفرعية بالأحياء السكنية والقرى. وهذه صلاحياتها تتجاوز الاهتمام بالمرافق العامة، لتشمل مختلف الأنشطة الأخرى الاجتماعية والتعليمية والثقافية والسياحية.
"
حين تقوم البلديات التركية بالعديد من الجهود المتنوعة في مختلف المرافق فلا بد أن تكسب ثقة الناس وتأييدهم, وبوسع الحكومة المنتخبة في هذه الحالة أن تتحرك في الخارج وهي مطمئنة إلى أنها مؤمنة الظهر في الداخل
"إننا إذا ضربنا مثلا ببلدية إسطنبول -الأكبر في تركيا- سنجد أنها خلال خمس سنوات في الفترة ما بين عامي 2004 و2009 استثمرت مبلغ 22.6 مليار دولار في العديد من الأنشطة المتعلقة بخدمة الناس، منها على سبيل المثال: مد 28 كيلومترا لخطوط الترام والمترو (60 كلم أخرى تحت الإنشاء)، شق عشرة أنفاق وإقامة مرائب تسع خمسة آلاف سيارة وإضافة 3278 كلم لشبكة المجاري والصرف الصحي وألف كيلومتر لشبكة المياه، وزيادة 55% للمساحات الخضراء، وافتتاح ثمانية شواطئ صيفية، وتجميل 18 ميدانا عاما، وجمع 15 مليون طن نفايات يوميا، وإسكان 30 ألف عائلة.
إضافة إلى هذا الجهد المتعلق بالمرافق، فإن بلدية إسطنبول أنجزت في الفترة ذاتها ما يلي:
أنشأت 18 مركزا ثقافيا وقاعة للمؤتمرات، و11 مكتبة عامة، وقامت بترميم 81 أثرا تاريخيا.
كما أنشأت 32 مركزا للعناية الصحية والطبية و18 بيتا للمسنين و17 مركزا للتأهيل الصحي و17 مركزا رياضيا و14 مركزا اجتماعيا. علاوة على تزويد 220 حديقة عامة بالآلات الرياضية المجانية وبناء 120 مدرسة متنوعة ومشروع إنترنت مجاني بالأماكن العامة. وأقامت معسكرات صيفية لعدد 73 ألف شاب وفتاة، و146 مركزا للتدريب والتثقيف المجاني. كما تولت توزيع 550 ألف أطلس جغرافي على الطلاب، وقدمت 187 منحة دراسية مجانية للشباب، وتولت مساعدة 170 ألف أسرة فقيرة، وقامت بإنتاج 1.7 مليون رغيف خبز يوميا بسعر رخيص.
حين تقوم البلديات بمثل هذه الجهود المتنوعة فلا بد أن تكسب ثقة الناس وتأييدهم. وبوسع الحكومة المنتخبة في هذه الحالة أن تتحرك في الخارج وهي مطمئنة إلى أنها مؤمنة الظهر وواقفة فوق أراض صلبة ومتماسكة.
(3)
الإنجاز في الداخل عنصر مهم في نجاح النموذج التركي، لكنه ليس العنصر الوحيد. ذلك أن هناك عناصر أخرى أسهمت بأدوار مختلفة في صناعة ذلك النموذج. فالمجتمع التركي يتمتع بحيوية خاصة جعلته حاضرا ومساهما بشكل فعال في محاولات النهوض وصناعة التقدم في البلد. وكان لنظام الوقف الإسلامي دور المحرك لتلك الحيوية التي لازمت التاريخ التركي في مراحله الثلاث: السلجوقية والعثمانية والجمهورية، أي طوال القرون العشرة الأخيرة، إذ خلال تلك الفترات كانت للجماعات الأهلية، التي ضمت خليطا من القادة الروحيين والحرفيين والتجار، مؤسساتها الوقفية التي تمول أنشطتها، وظلت تلك هي الصيغة التي من خلالها أسهم المجتمع في تحقيق التنمية بصورة مستقلة عن الحكومة، وإن كانت مكملة ومعينة لها.
وكان النجاح الذي حققه الوقف على ذلك الصعيد حافزا للأوروبيين لكي يقتبسوا نظامه من الدولة العثمانية إلى بلادهم ويطوروه، تماما كما فعلوا مع نظام "الملل" الذي ابتدعه العثمانيون في تطبيقهم للشريعة، ونقل إلى الغرب ليكون أساسا لفكرة التعددية التي لم تكن معروفة لديهم من قبل.
في تركيا الآن ما بين 50 إلى 60 ألف جمعية خيرية تمولها الوقفيات (البعض يرتفع بالرقم إلى 90 ألفا)، وهذه الجمعيات تغطي كل مجالات النشاط الإنساني، من الأنشطة الخيرية التقليدية إلى ميادين العلوم والفنون والبيئة وحقوق الإنسان ورجال الأعمال. وحسب رئيس اتحاد المنظمات الأهلية فتحي جونجور فإن ميزانية تلك الجمعيات بلغت 7 مليارات دولار في سنة 2007، بل إن جماعة النور التي أسسها الشيخ فتح الله جولن قدر رأس مالها بخمسة مليارات دولار، وتدير مشروعات في داخل تركيا وخارجها تشمل المدارس والجامعات والشركات وتملك مجموعة صحف ومجلات ومحطات تلفزيونية وإذاعية. وقد أسست ألف مدرسة في 140 دولة خارج تركيا.
إنك إذا ضممت الدور الكبير الذي تقوم به المؤسسات الوقفية إلى جانب الهمة العالية التي تعمل بها البلديات، فستجد أن الجهد كله يصب في وعاء عافية المجتمع ورصيد نهضته.
"
الإنصاف يدعونا لأن نقرر أن قادة حزب العدالة والتنمية حققوا ما حققوه حينما ساروا على الطريق الذي مهده لهم الرئيس الأسبق تورجوت أوزال، الذي يعد أستاذهم في مجال الإصلاح السياسي والاجتماعي
"وإلى جانب تلك الخلفية ذات الجذور الضارية في عمق التاريخ التركي، فإننا لا نستطيع أن ننسب النجاح الراهن إلى جهود حكومة حزب العدالة والتنمية وحدها التي تولت السلطة في العام 2002، ذلك أن الإنصاف يدعونا لأن نقرر أن قادة الحزب حققوا ما حققوه حينما ساروا على الطريق الذي مهده لهم الرئيس الأسبق تورجوت أوزال، مؤسس حزب الوطن الأمم، الذي تولى رئاسة الحكومة ثم رئاسة الجمهورية في الفترة ما بين 1983 و1993 (الشائع أنه مات مسموما). وهو ما يدعونا إلى القول بأنه إذا كان مؤسس حزب الرفاه ذي الخلفية الإسلامية البروفيسور نجم الدين أربكان هو الأب الروحي لقادة حزب العدالة والتنمية، فإن تورجوت أوزال هو أستاذهم في مجال الإصلاح السياسي والاجتماعي. إذ يعزى إليه الفضل في إطلاق محاولات بناء الجمهورية التركية الثانية، المتحررة من هيمنة العسكر، والمنفتحة سياسيا واقتصاديا على الداخل والخارج.

(4)
هناك عاملان آخران لا نستطيع أن نتجاهل دورهما في نجاح النموذج التركي، الأول يتمثل في تطبيق النظام الديمقراطي، الذي ساعد على نمو دور المجتمع الأهلي وعلى إنضاج خبرات المشتغلين بالعمل السياسي، وأتاح فرصة إخضاع السلطة للحساب والتداول بناء على قرار الجماهير في الانتخابات العامة. وكان الالتزام بمبادئ الممارسة الديمقراطية وراء تقليص دور العسكر في القرار السياسي، الأمر الذي جعل إرادة الشعب هي المرجعية الأهم في صناعة ذلك القرار وحمايته.
البعض يحاول نسبة ذلك الإنجاز إلى العلمانية، وذلك فيه الكثير من التبسيط والتغليط.
ذلك أن التجارب أثبتت أن الربط ليس حتميا بين الديمقراطية والعلمانية، علما بأن أكثر النظم العلمانية في العالم العربي هي أقلها ديمقراطية، ثم إن العلمانية التي فرضها كمال أتاتورك في تركيا أخضعت البلاد لحكم العسكر وعرضتها لانقلاباتهم، وعمدت إلى سحق الأكراد، ولم يحسن من صورتها سوى إصلاحات تورجوت أوزال. وإذا كان النموذج التركي قد أثبت أن في العلمانية تطرفا قمعيا وإقصائيا واعتدالا ديمقراطيا ومتسامحا مع الآخر، فإن ذلك ينفي فكرة "الحتمية" التي سبقت الإشارة إليها. فضلا عن أنه يضع العلمانية على قدم المساواة مع غيرها مع الأفكار المطروحة، التي يتوزع أنصارها أيضا بين جناحي التطرف والاعتدال.
العنصر الثاني المهم في نجاح النموذج التركي هو وضوح الرؤية الإستراتيجية لدى النخبة الحاكمة. وهذا الوضوح لم يكن من نصيب الأهداف فحسب، وإنما انسحب على الوسائل أيضا.
"
أدرك أوغلو منظر ومهندس سياسة تركيا الحالية أنها لا تستطيع أن تقوم بدورها إلا إذا نجحت في أمرين أساسيين هما: تحويل تركيا إلى دولة قوية ومستقرة في الداخل، ومتصالحة مع كل محيطها في الخارج
"ولم يعد سرا أن منظر ومهندس هذه المرحلة من التاريخ التركي هو وزير الخارجية الحالي والمستشار السياسي الأول الدكتور أحمد داود أوغلو، الذي كان يحلم في مؤلفاته منذ كان أستاذا للعلوم السياسية بأن تصبح تركيا دولة محورية في المنطقة، وأدرك أنها لا تستطيع أن تقوم بذلك الدور إلا إذا نجحت في أمرين أساسيين هما: تحويل تركيا إلى دولة قوية ومستقرة في الداخل، ومتصالحة مع كل محيطها في الخارج. ومن هذين المبدأين انطلقت سياسات تعزيز التصالح مع المجتمع بجميع فئاته -خصوصا الأكراد- والتقدم على طريق الإصلاح السياسي، والسعي الحثيث لتعزيز القدرة الاقتصادية.
وفي ظل هذا المسعى الأخير أصبح الاقتصاد التركي يمثل المرتبة السابعة عشرة في العالم الصناعي. وهم يتطلعون إلى إيصاله إلى المرتبة العاشرة في العام 2022، في ذكرى مرور مائة سنة على تأسيس الجمهورية. وكانت تلك هي الرؤية التي تبنت سياسة "زيرو" مشاكل، التي بمقتضاها حلت تركيا مشكلاتها مع كل جيرانها حتى أوصلتها إلى درجة الصفر، الأمر الذي فتح لها الطريق لكي تنتقل من دول "الجسر" الهامشية في المنطقة، لتصبح دولة مركزية مؤهلة للعب دور محوري في الساحتين الإقليمية والدولية.
ليس في كل ذلك سر، ولكن بمقدور كل أحد أن يحقق ذلك إذا أخذ بالأسباب واستوفى شروط اللياقة والجدارة، وأولها توفر الإرادة المستقلة التي أصبحنا في العالم العربي نفتقدها ونسمع عنها فقط، تماما كالغول والعنقاء والخل الوفي، التي تحدث عنها بعض شعراء العرب.

مشراف
27-04-2010, 03:26 PM
حوار مع أردوغان


الثلاثاء 20/12/1430 هـ - الموافق 8/12/2009 م (آخر تحديث) الساعة 0:26 (مكة المكرمة)، 21:26 (غرينتش)

http://www.aljazeera.net/mritems/images/2009/12/7/1_957180_1_34.jpg


عشية سفره إلى واشنطن قال رجب طيب أردوغان إن الوضع في غزة ضمن جدول أعمال زيارته، مشيرا إلى أن الوضع في القطاع لا ينبغي السكوت عليه. كما أعرب عن أمله في أن تكون الزيارة التي سيقوم بها الرئيس حسني مبارك إلى أنقرة يوم 15 ديسمبر/كانون الأول الحالي بمثابة نقطة تحول في علاقات تركيا ومصر. وتمنى في حديث مطول تطرق فيه إلى أمور عدة أن ينتهي الانقسام العربي حتى تتمكن الأمة العربية من الاحتشاد لمواجهة التحديات الكبيرة التي تواجهها.

(1)
كان ذلك هو لقائي الثاني مع الرجل، إذ التقيته في المرة الأولى عام 1994 حين انتخب رئيسا لبلدية إسطنبول ممثلا عن حزب الرفاه. وجرى الحوار آنذاك حول مشكلات المدينة ومحنتها، بعد أن شاع الفساد في إدارتها وتدهورت مرافقها. لم يكن يتحدث كعمدة منتخب فحسب، وإنما كعاشق للمدينة وحافظ لشوارعها التي اضطرته ظروفه العائلية في سنه المبكرة لأن يتجول فيها بائعا للبطيخ والسميط والمياه الغازية كي يوفر مصروفات تعليمه التي عجز أبوه عن تحملها، إذ كان الأب الذي ينحدر من أصول جورجية يعمل جنديا بسيطا في خفر السواحل، وهي المهنة الوحيدة التي أجادها منذ نزحت أسرته من شواطئ البحر الأسود كي تستقر في إسطنبول بعدما قتل الجد عام 1916 أثناء صد الحملة الروسية والأرمينية التي استهدفت أراضي الدولة العثمانية في سنوات أفولها.
"
اضطر أردوغان لظروفه العائلية أن يتجول في إسطنبول بائعا للبطيخ والسميط والمياه الغازية كي يوفر مصروفات تعليمه التي عجز أبوه عن تحملها, إذ كان الأب يعمل جنديا بسيطا في خفر السواحل
"ولا أعرف إن كان لقب الأسرة له علاقة بهذه الخلفية أم لا، ولكن صاحبنا "الطيب" ظل يعرف طوال الوقت باسم "أردوغان" الذي يعني في اللغة التركية "الفتى الشجاع" ("أر" تعني القوي أو الشجاع، و"دوغان" تعني الطفل).
استطاع الطيب أن يكمل تعليمه حتى التحق بإحدى مدارس الأئمة والخطباء، شأنه في ذلك شأن غيره من أبناء الأسر المتدينة. لكنه تخصص في الاقتصاد وإدارة الأعمال، وتخرج من المعهد العالي الذي صار الآن جامعة مرمرة، ثم ألقى بنفسه في خضم العمل السياسي، تاركا ملاعب كرة القدم التي لمع نجمه فيها، وتحول إلى عنصر ناشط في حزب الرفاه الإسلامي الذي أسسه أستاذه نجم الدين أربكان، الأمر الذي أوصله إلى منصب عمدة إسطنبول، وقاده بعد ذلك إلى السجن عام 1998 حيث أمضى فيه ستة أشهر بعد اتهامه بالإساءة إلى العلمانية.
15 عاما مضت بين اللقاءين الأول والثاني، تحول فيها من عضو ناشط في حزب الرفاه وعمدة إسطنبول إلى زعيم لحزب آخر باسم "العدالة والتنمية" وعمدة لتركيا كلها، وأول "باشبكان" (رئيس الوزراء) للجمهورية التركية الثانية ("باش" تعني الرأس و"بكان" تعني الوزير).
ذكرته بلقائنا الأول فابتسم ابتسامة خفيفة تليق بمقام باشبكان بلغ من العمر 55 عاما، ورد بالعربية قائلا "أهلا وسهلا" وكأنه بذلك دعاني إلى الدخول في الموضوع.

(2)
كنت أعلم أن مستشاريه وأجهزة وزارة الخارجية منهمكون منذ أيام في التحضير لزيارته إلى واشنطن، فسألته عن الهدف منها، وعما إذا كانت زيارته قبل أسابيع معدودة إلى إيران وباكستان لها علاقة بهذه الرحلة؟ فقال إن تركيا الحالية ليست مشغولة بشؤونها الداخلية وعلاقاتها الثنائية بالولايات المتحدة فحسب، ولكنها أيضا مشغولة بمحيطها وثيق الصلة بانتمائها وعمقها الإستراتيجي.
وهذا الانشغال جعلها حاضرة في العديد من الملفات الإقليمية والدولية، فهى حاضرة في ملفات الشرق الأوسط، وهي موجودة في أفغانستان وترأس القوات الدولية هناك، ثم إنها معنية بموضوع إيران وتداعيات برنامجها النووي الذي يثار حوله لغط شديد في الساحة الدولية. ولكي تنجح علاقاتها مع أرمينيا أصبحت تركيا وثيقة الصلة بحل المشكلة القائمة بين أرمينيا وأذربيجان بخصوص النزاع حول إقليم "ناغورني قره باغ" الذي اجتاحته القوات الأرمينية قبل سنوات قليلة. كما أن الوضع في قبرص يدخل في صميم اهتمامنا ليس فقط بسبب قبرص التركية، ولكن أيضا لأنه مطروح في سياق علاقتنا باليونان. وإضافة إلى كل ذلك، موضوع علاقتنا مع الاتحاد الأوروبي له مكانة في جدول الأعمال.
قلت له إن من بين تلك العناوين المهمة تحتاج ملفات الشرق الأوسط إلى بعض التفصيل، خصوصا ما تعلق منها بفلسطين وإسرائيل وإيران. هز رأسه موافقا وقال إن أكثر ما يقلقه في الشأن الفلسطيني حاليا هو وضع قطاع غزة الذي تحول إلى سجن كبير مفتوح، يقف الجميع متفرجين عليه وغير مكترثين به، وهو أمر لا ينبغي السكوت عليه ليس فقط من جانب دول المنطقة، بل أيضا من جانب العالم المتحضر الذي يحترم حقوق الإنسان.
"
أردوغان:
ما يقلقني في الشأن الفلسطيني حاليا هو وضع قطاع غزة الذي تحول إلى سجن كبير مفتوح، يقف الجميع متفرجين عليه وغير مكترثين به، وهو أمر لا ينبغي السكوت عليه
"فقد كان العدوان على غزة جريمة ضد الإنسانية بكل المقاييس، استخدمت فيها القوات الإسرائيلية الفوسفور الأبيض ضد المدنيين العزل. وبعد العدوان الذي أدى إلى تدمير القطاع وقتل 1500 من سكانه وإصابة خمسة آلاف بجراح، عقد اجتماع شرم الشيخ الذي اتفق فيه على إعمار ما تم تدميره، وخصصت لذلك ملايين الدولارات، إلا أن القرار لم ينفذ، وبقيت خرائب غزة كما هي.
والأدهى من ذلك أن الحصار استمر بحيث قطعت عن القطاع الحاجات الأساسية للناس، وقد سمعت أنهم اضطروا لاستخدام الأنفاق لتهريب الأغنام في الاحتفال بعيد الأضحى. فهذا الوضع البائس وغير الإنساني يتطلب بذل جهد خاص لعلاجه، ولذلك كان من الطبيعي أن يدرج على قائمة جدول أعمال الزيارة.
أضاف السيد أردوغان قائلا: هناك أمران آخران يشغلاننا في هذا السياق، الأول وقف الاستيطان من جانب إسرائيل الذي يعد شرطا ضروريا للعودة إلى مفاوضات السلام، والثاني أننا نقوم بدورنا في التوسط بين إسرائيل وسوريا، وقد عقدت حتى الآن خمس جولات من المفاوضات بين الطرفين. وحين قلت له إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال إنه لم يعد مطمئنا إلى وساطة تركيا في هذا الصدد ويفضل وساطة فرنسا، علق قائلا: إننا توسطنا بناء على رغبة الطرفين، وإذا تلقينا هذه الرغبة مجددا فسنستجيب لها، وإذا لم نتلقها فلن نقوم بأي مبادرة من جانبنا.
(٣)
الحديث جرنا إلى الوضع الراهن للعلاقات التركية الإسرائيلية، وقرار أنقرة منع إسرائيل من المشاركة في مناورات "نسر الأناضول" السنوية مع الجيش التركي، فقال إنه لم يكن معقولا أن تجتاح إسرائيل غزة وتفتك بشعبها ثم نقول لجيشها تعال تتدرب عندنا، ذلك أننا حكومة منتخبة جئنا بإرادة شعبنا ولا نستطيع أن نتحدى مشاعر الشعب التركي الذي صدمه ما جرى أثناء العدوان على غزة. ولقد كان لاحترام هذه المشاعر دوره الحاسم في خلفية قرارنا، وفي الوقت ذاته أردنا به أن نبلغ الإسرائيليين بأنهم لا يستطيعون تحت أي ظرف أن يستخدموا علاقتنا بهم ورقة في عدوانهم على أي طرف ثالث، فنحن في هذه الحالة لن نقف محايدين أو مكتوفي الأيدي.
قلت إن لدي معلومات تشير إلى أن إسرائيل اخترقت الأجواء التركية كي تقوم بعملية تجسس ضد إيران، وأن هذه الخطوة استفزت القيادة التركية، وكان لهذا الغضب دوره في قرار إلغاء اشتراكها في المناورات. وقد علق على هذه الملاحظة قائلا: إن المعلومة غير صحيحة، وبصوت حاسم أضاف: لو أن إسرائيل فعلت ذلك فإنها ستتلقى منا ردا مزلزلا.
سألته عن نتائج زيارة وزير التجارة والصناعة الإسرائيلي بنيامين بن أليعازر الذي اصطحب معه 20 من كبار رجال الأعمال الإسرائيليين، وذكرت له أن بن أليعازر حين كان قائدا لإحدى وحدات الجيش في حرب عام 1967 أمر بقتل 70 من الأسرى المصريين بعد اعتقالهم، وكانوا خليطا من الضباط والجنود.
"
إيران هي المصدر الثاني الذي تعتمد عليه أنقرة في الغاز بعد روسيا، لذلك فإن استقرار إيران أمر مهم للغاية، وتوتر علاقاتها بالولايات المتحدة والغرب لا بد أن يقلق تركيا
"رد الباشبكان قائلا: إن الرجل زارنا باعتباره وزيرا، وما فعله أثناء حرب ١٩٦٧ أمر يخص الحكومة المصرية، وقد تمت الزيارة في إطار الاتفاقيات المعقودة بين البلدين، وبعض هذه الاتفاقيات لم تنفذها إسرائيل. سألته عما إذا كانت هذه الاتفاقات قد تمت في عهد حكومة حزب العدالة والتنمية، فقال إن حكومته عقدت اتفاقية واحدة مع إسرائيل خلال السنوات السبع الأخيرة، وهي خاصة بشراء طائرات بغير طيار، وهذه لم تف بها حكومة تل أبيب وقد اضطررنا إلى استئجار تلك الطائرات لحاجتنا إليها، وأمام إسرائيل مهلة بقي منها 40 يوما (ابتداء من الخميس 3/12)، إذا لم تنفذ الاتفاقية خلالها فإنها ستفسخ، أما الاتفاقات الأخرى فكلها عقدت قبل عام 2002.
كنت قد علمت أن مستشار الأمن القومي الإيراني ورئيس وفدها لمباحثات البرنامج النووي سعيد جليلي قد وصل إلى أنقرة حاملا رسالة إليه، ولأن وزير الخارجية الدكتور أحمد داود أوغلو كان في طهران قبل أيام معدودة فقد استنتجت أن الأمر له علاقة برحلته إلى واشنطن، وحين سألته في هذه النقطة قال إن العلاقات الوثيقة بين تركيا وإيران ليست جديدة، وقد وثقتها اتفاقية "شيرين" التي عقدت بين البلدين عام 1939، إذ بيننا تاريخ مشترك في الثقافة والفنون إضافة إلى علاقاتنا الإيمانية (لاحظ أنه لم يذكر الإسلامية ربما تحسبا للمحاذير القانونية التي يستخدمها غلاة العلمانيين ضده).
وأضاف أنه فضلا عن ذلك فالشأن الإيراني أصبح من صميم عناصر الأمن القومي التركي، وإضافة إلى مشروعها النووي الذي نؤيده في استخداماته السلمية، فهي موجودة في العراق وأفغانستان ومطلة على باكستان ودول آسيا الوسطى (التي تصنف سياسيا ضمن العالم التركي)، في الوقت ذاته إيران هي المصدر الثاني الذي نعتمد عليه في الغاز بعد روسيا، لذلك فإن استقرارها يهمنا للغاية، وتوتر علاقاتها بالولايات المتحدة والغرب لا بد أن يقلقنا. ولذلك فمن الطبيعي أن يستمر التشاور والتفاهم بيننا، ولا غرابة في أن يكون الملف الإيراني مدرجا ضمن جدول أعمال زيارة واشنطن.

(4)
كان السيد أردوغان قد صرح في مؤتمر صحفي عقب زيارته لإيران بأن تعاون البلدين قادر على أن يملأ الفراغ في المنطقة، وحين طلبت منه إيضاحا لذلك قلت إن هذا الجهد يظل غير كاف ما لم تنضم إليه مصر، لتصبح الضلع الثالث في مثلث القوة في الشرق الأوسط.
وهو يعقب على كلامي قال إن التفاهم بين تركيا وإيران قطع شوطا بعيدا في احتواء أمور كثيرة محيطة بالبلدين، علما بأنهما أصبحا هما الأكثر تأثيرا في المنطقة، وحجم التبادل التجاري بيننا 10 مليارات دولار الآن، نأمل أن يصل إلى 30 مليارا خلال فترة وجيزة. وما أقصده أن البلدين في وضع يسمح لهما بالقيام بدور كبير في الشرق الأوسط، دون أن يتدخل أي منهما في شؤون الآخر الداخلية.
أما مصر -أضاف- فهي الدولة العربية الكبرى التي لا غنى عن دورها، وثمة تفاهم طيب بيننا كان له إسهامه في وقف العدوان على غزة، ولدينا تعاون اقتصادي جيد معها، لكننا نتطلع إلى زيارة الرئيس مبارك يوم 15 ديسمبر/كانون الأول الحالي، وأملنا كبير في أن تحقق تلك الزيارة طفرة نوعية تنقلنا إلى عهد جديد في مسيرة التعاون التركي العربي.
"
أردوغان:
مصر هي الدولة العربية الكبرى التي لا غنى عن دورها، وثمة تفاهم طيب بيننا كان له إسهامه في وقف العدوان على غزة، ونتطلع إلى زيارة الرئيس مبارك كي تحقق طفرة نوعية في مسيرة التعاون التركي العربي
"عند هذه النقطة قطع أردوغان كلامه وقال إنه بعد زيارته الأخيرة إلى ليبيا أدرك أن الخلافات العربية استفحلت لدرجة أصبحت معها بحاجة سريعة إلى الاحتواء، وأن الأمل معقود على الدول العربية الكبيرة كي تلعب دورا في هذا الصدد.
عندئذ قلت: بعد إلغاء تأشيرات الدخول مع سوريا أولا ثم الأردن وبعد ليبيا وألبانيا، ما هي خطوتكم التالية في هذا الاتجاه؟
في رده قال إن تركيا أمضت عقودا وهي غير قادرة على مخاطبة جيرانها، وقد اختلف الأمر تماما بما يعادل 180 درجة، حيث مدت جسورها وأياديها إلى الجميع وحلت كل مشاكلها المعلقة مع الجيران، ونحن نتطلع إلى يوم نتفق فيه على تأشيرة واحدة إلى كل الدول العربية، كما حدث مع أوروبا التي تسمح تأشيرة "شنغن" لزائرها بأن يتجول في كل بلدان القارة باستثناء إنجلترا.
قلت: هل هذا التوجه من إفرازات سياسة "العثمانية الجديدة"؟
قال: هذا المصطلح مغلوط ولا أحبذ استخدامه، فضلا عن أنه تعبير خاطئ يبتسر الماضي وينتقص من قدره، كما أنه يستدعي إلى الذاكرة مرحلة اندثرت ولا سبيل إلى إحيائها، وإن جاز لنا أن نتعلم دروسها ونستفيد منها. ونحن لا نسعى إلى إقامة مستقبل رومنسي يدغدغ مشاعر الناس، لكننا نسعى إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من التعاون الاقتصادي والتجاري المشترك، لأن تبادل المصالح على نحو متكافئ يفتح الباب لاستقرار التعايش والسلام بين الشعوب، وهذه السياسة هي التي مكنت تركيا من تجاوز الأزمة الاقتصادية العالمية لأنها لم تكن تعتمد على جهة واحدة في تعاملاتها وإنما وزعت أنشطتها على دائرة واسعة في الدول فتنوعت أسواقها ومن ثم تنوعت مواردها الاقتصادية.

(5)
كنت قد بعثت مسبقا إلى مكتبه بالمحاور التي وددت أن يدور حولها الحديث، وأوردت محورا يتعلق بعلاقة حكومته بالجيش الذي ظل يعد القوة الحقيقية صاحبة القرار في تركيا منذ وصول الكماليين إلى السلطة وإلغاء الخلافة الإسلامية في عشرينيات القرن الماضي، وهي العلاقة التي أصبحت محل لغط في العام الأخير بعد اكتشاف ضلوع بعض قياداته في منظمة أرغينكون السرية، وهي التي كانت وراء الكثير من الاغتيالات وأعمال الفوضى في البلاد، خصوصا أن وثيقة عثر عليها مؤخرا تحدثت عن الإعداد لحملة اغتيالات ومظاهرات استهدفت إسقاط حكومة حزب العدالة.
كذلك كنت أعلم أن السيد أردوغان بصدد عقد اجتماع مع قيادات الجيش لمناقشة تطورات الموضوع بعد استدعاء بعض قادة أسلحته السابقين للشهادة أمام محكمة مدنية لأول مرة في التاريخ التركي المعاصر، لكن كبير مستشاريه قال لي إنه يخشى أن يساء فهم الكلام في هذا الموضوع الحساس، وقد يظن البعض أن السؤال موحى به من قبل فريق أردوغان للتأثير على مسار الأحداث. وقد قدرت حساباتهم الدقيقة وسألت رئيس الوزراء عن ملف منظمة أرغينكون فرد بإجابة مقتضبة قال فيها إن الأمر كله أمام القضاء، ولا يجوز له قانونا أن يعلق على قضية معروضة على القضاء قبل أن يفصل فيها.
"
طويت أوراقي وانصرفت مؤجلا بقية أسئلتي إلى لقاء ثالث أرجو أن لا يتأخر عن العام ٢٠١٢ حين يرشح أردوغان نفسه لرئاسة الجمهورية التركية, وهي المعلومة التي أصبحت أكبر سر معلن في أنقرة
"حاولت أن ألتف حول الموضوع فسألته عن عدد مرات محاولات الاغتيال التي تعرض لها (معلوماتي أن إحداها كشفت في الشهر الماضي)، فقال إن الذي لا يعرفه من تلك المحاولات أكثر من الذي يعرفه، وإن الذي يعرفه لا يذكر عدد المرات فيه.
غيّرت الموضوع في النهاية وسألته عما إذا كان متفائلا بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي رغم أن القوى المعارضة لذلك تتزايد في أوروبا، فقال إن حكومته سمعت الكثير من الملاحظات خلال السنوات السبع الماضية، لكن ذلك لم يثنها عن المضي في الإصلاحات السياسية، ومن ثم فغاية ما يمكن أن يقوله إنه متفائل بحذر.
كنت قد تجاوزت التسعين دقيقة التي خصصت لي ونبهت إلى أن معاوني الباشبكان ينتظرونه في حجرة مجاورة لإتمام مناقشة ملفات الرحلة إلى واشنطن، ولاحظت أنه بدأ ينظر إلى ساعته، فطويت أوراقي وانصرفت مؤجلا بقية أسئلتي إلى لقاء ثالث أرجو أن لا يتأخر عن العام ٢٠١٢ حين يرشح أردوغان نفسه لرئاسة الجمهورية التركية، وهي المعلومة التي أصبحت أكبر سر معلن في أنقرة

مشراف
27-04-2010, 04:48 PM
http://www.aljazeera.net/mritems/images/2006/9/4/1_641568_1_34.jpg

وفاق لاغنى عنه


فهمي هويدي (http://www.aljazeera.net/NR/exeres/4926492F-DD8C-4611-AD53-730C1BA8DB82.htm#0)

لا مفر من الاعتراف بأن مثلث القوة في الشرق سيظل فكرة مجهضة، طالما بقي العرب خارجه، محتفظين بمسافات متباعدة إزاء الأتراك والإيرانيين.

(1)

أذكر بأن مصطلح "مثلث القوة" أطلقه الدكتور جمال حمدان في مؤلفه "إستراتيجية الاستعمار والتحرير" في ستينيات القرن الماضي. لكن النظر إلى الكيانات الثلاثة (العرب والأتراك والإيرانيين) باعتبارها كتلة إستراتيجية واحدة فكرة متداولة بين الباحثين الغربيين سواء الذين أرخوا للشرق، أو المخططين العسكريين الذين تطلعوا إلى بسط هيمنتهم على المنطقة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

ثم عملوا على تفكيكها وتمزيقها بعد الحرب العالمية الأولى، في بدايات القرن العشرين. وتم توثيق جيد لهذه المرحلة في الكتاب المهم الذي صدر ضمن المشروع القومي للترجمة بعنوان "الشرق الأوسط – محاولة للفهم" (حررته ديبورا جيرنر وترجمه أحمد عبد الحميد).

"
مركز الجزيرة للدراسات دعا إلى تأسيس "منتدى المشرق" لإدارة حوار عربي تركي إيراني وهي المرة الأولى التي تتاح فيها الفرصة لمثقفي هذه الدول لأن يجلسوا وجها إلى وجه ويديروا بينهم حوارا حول كيفية تحقيق حلم الوفاق
"
أدري أن الكلام عن وفاق عربي تركي إيراني يبدو الآن طموحا يتجاوز السقوف المعتمدة، على الأقل فيما يخص العالم العربي، الذي هو الضلع الثالث في المثلث.

ذلك لأن الأتراك إذا كانت لهم دولة واحدة، وكذلك الإيرانيون، فالأمر ليس كذلك في العالم العربي، الذي تبدو مشكلته أكثر تعقيدا، فهو يضم 22 دولة ليست على وفاق فيما بينها، لأسباب سياسية بالدرجة الأولى، إذ هي منقسمة بين دول موافقة وأخرى ممانعة وثالثة بين بين. ناهيك عن أن الوفاق الوطني داخل القطر الواحد غائب في بعض الأحوال (لبنان والعراق واليمن نموذجا).

أدري كذلك أن طريق الوفاق المرجو بين العرب وتركيا وإيران ليس مفروشا بالورود؛ لأنه مسكون بمشاعر عدم الاكتراث إزاء الأتراك وعدم الثقة في الإيرانيين، الأمر الذي يضع عقبات لا يستهان بها أمام تحقيق الوفاق المنشود.

أدري أيضا أن ذلك الوفاق لن يلقى ترحيبا من جانب قوى الهيمنة في العالم، التي إذا كانت قد أشهرت "الفيتو" على مجرد المصالحة بين فتح وحماس، فما بالك بالمصالحة بين العرب والأتراك والإيرانيين، في الوقت الذي تحاول تلك القوى حشد بعض العرب ضد إيران.

(2)

لا أحد يستطيع أن يتجاهل تلك الخلفيات. لكن الكلام عن الوفاق، الذي يعني مد جسور التفاهم مع فتح الأبواب لتبادل المصالح، لا يستلزم اتفاقا في كل شيء، وإنما يمثل دعوة إلى حسن إدارة الاختلاف.
وهو ما أشرت إليه في الأسبوع الماضي. فإنشاء جامعة الدول العربية بوصفها إطارا للتعبير عن الأمة العربية، لم يمنع الخلافات الحدودية بين السعودية من جانب وكل من اليمن والإمارات من جانب آخر، كما لم يمنع الخلافات بين الجزائر والمغرب أو مصر والسودان، أو سوريا ولبنان، أو الكويت والعراق.

بل إن المرء يستحي أن يقول إنه إذا سوغت بعض الدول لنفسها أن تقيم علاقات مع إسرائيل قفزا فوق الجراح العميقة وتلال الجثث والأشلاء وبحر الدماء الذي يفصل بيننا وبينهم، فإن هذه الدول ينبغي ألا تتمنع على المصالحة مع بقية الدول العربية، أو على الوفاق مع الأتراك والإيرانيين. هذا إذا كنا نحتكم في التقدير إلى المصالح العليا وأمن المنطقة.

في الوقت ذاته، فإنه إذا كان العقلاء في كل مكان بالكرة الأرضية يصطفون جنبا إلى جنب للدفاع عن مصالحهم وأمنهم، فلا أعرف لماذا نُستثنَى نحن منهم، بحيث تظل حسابات القوى الأجنبية في صياغة منظومتنا الإقليمية مقدمة على حسابات المصلحة العليا لدول المنطقة؟

على صعيد آخر، فإنه في الوقت الذي تتحول فيه تركيا إلى قوة سياسية واقتصادية مركزية، كما أن إيران بصدد التحول إلى قوة نووية يعمل لها الحساب وهي لاعب أساسي في المنطقة، فإنه ليس معقولا ولا مقبولا أن يقف العرب ممزقين ومتفرجين أمام ما يجري حولهم، محتمين بالمظلة الأميركية ومراهنين على قواعدها وضغوطها.http://www.aljazeera.net/Studies/KEngine/imgs/top-page.gif

"
منطقة غرب آسيا مرشحة لأن تصبح البؤرة الأساسية للصراعات الدولية في نصف القرن الحالي، بسبب كونها الساحة الرئيسية للصراعات الدولية حول منابع الطاقة ووسائل نقلها ولموقعها من الجسر اليوروآسيوي، وبسبب الصراع العربي الإسرائيلي
"ثمة اعتبار أهم من كل ما سبق هو أن هذه المنطقة التي نعيش فيها بغرب آسيا مرشحة لأن تصبح البؤرة الأساسية للصراعات الدولية في نصف القرن الحالي، سواء بسبب كونها الساحة الرئيسية للصراعات الدولية حول منابع الطاقة ووسائل نقلها (أوروبا –الصين -الهند) أو بسبب موقعها من الجسر اليوروآسيوي، أو بسبب الصراع العربي الإسرائيلي. وهذه ليست وجهة نظر شخصية، بل نقطة اتفاق بين كثير من الباحثين في الشؤون الإستراتيجية، وللدكتور سمير التقي مدير مركز الشرق للدراسات الدولية في دمشق دراسة وافية في هذا الصدد.

إذا صح ذلك كله، فإن أي عقل رشيد مهموم بمستقبل الأمة ومحب لها سيدرك أن التوافق بين الكيانات الثلاثة ضرورة لا غنى عنها لتحقيق المصالح المشتركة ولمواجهة التهديدات الخارجية، وإن شئت فقل إن الوفاق باب وحيد لتحقيق الأمن الإقليمي، الذي يعد الأمن العربي جزءا منه.

(3)

هذا الموضوع لم يغب عن بال بعض الباحثين في العلوم السياسية ومراكز البحوث المعنية بالمستقبل العربي. وفي حدود علمي فإن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت اهتم بموضوع الحوار العربي الإيراني، ولا يزال يسعى لإدارة حوار عربي تركي. كما بادر مركز الدراسات الإستراتيجية والبحوث في بيروت عام 1996 إلى تنظيم ندوة حول المثلث الإسلامي. ورتب مركز الدراسات الإستراتيجية بالأهرام أكثر من مؤتمر حول العلاقات المصرية الإيرانية.

كما أن برنامج حوار الحضارات التابع لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة نظم أكثر من ندوة حول العلاقات العربية الإيرانية والعربية التركية. كذلك فإن لمجلتي "شؤون الأوسط" الفصلية اللبنانية وشهرية "السياسة الدولية" المصرية اهتماما خاصا بمتابعة الموضوع.

لكن يحسب لـ"مركز الجزيرة للدراسات" أنه دعا إلى تأسيس "منتدى المشرق" لإدارة حوار عربي تركي إيراني. وعقد لذلك لقاء بالدوحة في أوائل يونيو/حزيران الماضي اشترك فيه نخبة من مثقفي الدوائر الثلاث، وكانت هذه خطوة متقدمة على سابقاتها. http://www.aljazeera.net/Studies/KEngine/imgs/top-page.gif

"
أيّ عقل رشيد مهموم بمستقبل الأمة ومحب لها سيدرك أن التوافق بين الكيانات الثلاثة التركي والعربي والإيراني ضرورة لا غنى عنها لتحقيق المصالح المشتركة

"
ذلك لأنها المرة الأولى التي تتاح فيها الفرصة لمثقفي هذه الدول لأن يجلسوا وجها إلى وجه ويديروا بينهم حوارا حول كيفية تحقيق حلم الوفاق.

ولأن الحيز المتاح لا يتسع لعرض الأفكار التي دارت في تلك المناسبات أو المطبوعات، التي تابعت معظمها، فإنني سأحاول أن أستخلص منها أبرز النقاط التي سلطت الضوء على الموقفين الإيراني والتركي بوجه أخص.

ففيما يخص إيران كانت الملاحظة الجوهرية التي أبداها المثقفون الإيرانيون في ندوة مركز الجزيرة أنه باستثناء المرحلة الناصرية، فإن الموقف العربي كان أكثر قبولا للشاه، لكنه تغير بعد نجاح الثورة الإسلامية عام 1979. حدث ذلك في حين كان نظام الشاه يمثل قاعدة للسياسة الأميركية، ومؤيدا لإسرائيل، ومعاديا للعروبة إلى حد محاولة تطهير اللغة الفارسية في مفرداتها، ثم إن الشاه هو الذي ضم الجزر الثلاث التي هي موضوع نزاع حتى الآن.

كما أنه كان هناك سكوت على برنامجه النووي الذي وقّع اتفاقا بصدده مع واشنطن عام 1975، وفي عام 1978 وافق الرئيس كارتر على إقامة ما بين 6 و8 محطات للطاقة النووية بقيمة عشرة مليارات دولار. وكانت أميركا هي التي أقامت أول منشأة لتخصيب اليورانيوم في إيران آنذاك.

وبعد الثورة، حين ركزت الإستراتيجية الإيرانية على المحيط الإقليمي، فوقفت ضد إسرائيل وعارضت السياسة الأميركية وأيدت المقاومة (متبنية في ذلك خطا أقرب إلى السياسة الناصرية)، حينئذ توترت العلاقات بين أغلب الأنظمة العربية وإيران، وأصبح الشك هو قاعدة التعامل، في حين أصبحت الثقة استثناء في مجرى علاقات الطرفين.

"
في حوارات منتدى المشرق كان الاتفاق واضحا على أن النظام العربي لم يبذل جهدا ملموسا لكسب تركيا وإيران إلى منظومة الأمن العربي، رغم إلحاح المتطلبات الإستراتيجية، والحماس البادئ والأيدي الممدودة من أنقره وطهران نحو العواصم العربية
"
وبمضي الوقت وفي ظل ضيق قنوات الحذر أو انقطاعها تراكمت عدة قضايا على الجانبين، فالعرب أصبحوا مقتنعين بأن المظلة الأميركية توفر لهم الأمن، في حين وجد الإيرانيون أن ذلك يهدد أمنهم. في الوقت ذاته تعددت مصادر الشك العربي في الإيرانيين نتيجة عوامل عدة في مقدمتها ما يلي: فكرة تصدير الثورة إلى خارج إيران –الموقف من قضية فلسطين –الجزر الثلاث –أمن الخليج –مستقبل العراق –مستقبل لبنان –التشيع في العالم العربي.


هذه المشكلات المتراكمة لم تحل دون إقامة علاقات اقتصادية قوية مع دول الخليج بوجه أخص، رغم استمرار النزاع حول الجزر الثلاث، حتى بلغ عدد الشركات الإيرانية التي تعمل في الخليج 7200 شركة، أغلبها في دولة الإمارات (إمارة رأس الخيمة وحدها بها أكثر من 330 شركة، وهناك 20 مليار دولار استثمرها الإيرانيون في دبي عام 2006).

الموقف التركي أقل تعقيدا، وإلى جانب الحوارات التي دارت بصدده في ندوة الدوحة، والتي شارك فيها الدكتور أحمد داود أوغلو كبير مستشاري رئيس الوزراء التركي طيب أردوغان، فإن مجلة "السياسة الدولية" نشرت في عدد يوليو/تموز 2008 دراستين مهمتين حول هذا الموضوع، إحداهما للدكتور إبراهيم البيومي غانم أستاذ العلوم السياسية الخبير في الشؤون التركية. والدكتور محمد نور الدين مدير مركز الدراسات الإستراتيجية ببيروت.

خلاصة ما قيل في الدراستين أن العلاقات التركية العربية تجاوزت مرحلة الانسلاخ المتبادل "التي سادت بعد إلغاء الخلافة وخلال المرحلة الكمالية" (التي بدأت سنة 1923)، وتحسنت في أواخر القرن الماضي، لكنها شهدت منعطفا مهما مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002، وكان طلب تركيا الانضمام إلى الجامعة العربية بصفة مراقب تجسيدا لذلك التحول. وبذات القدر فإن الفتور الذي قوبل به الطلب جاء تعبيرا بليغا عن حقيقة الموقف العربي.

وحتى الآن فإن العلاقات الاقتصادية بين تركيا والعالم العربي أفضل كثيرا من العلاقات السياسية، رغم أن مسار تلك العلاقات لا تتخلله العقبات أو المشكلات التي تعترض مسار العلاقات العربية الإيرانية.

(4)


في حوارات منتدى المشرق كان الاتفاق واضحا على أن النظام العربي لم يبذل جهدا ملموسا لكسب تركيا وإيران إلى منظومة الأمن العربي، رغم إلحاح المتطلبات الإستراتيجية، ورغم الحماس البادئ والأيدي الممدودة من أنقره وطهران نحو العواصم العربية.

وهي أياد ليست ممدودة للعناق وإنما للتفاهم حول الأمن المشترك والقضايا المعلقة، ولأن السياسيين لم ينجحوا في هذه المهمة، فربما كان تواصل المثقفين مفيدا ومطلوبا، لا لحل المشكلات ولكن للاتفاق على كيفية إدارة الخلاف حولها. الأمر الذي قد يحرك المياه الراكدة في المجرى السياسي بما يتجاوز حالة الفتور الراهنة، ولأن الله يضع سره أحيانا في أضعف خلقه، فربما قدر للمثقفين أن ينجزوا شيئا على هذا الصعيد، إن لم يكن لتحقيق التفاهم، فعلى الأقل لتعميق الفهم وإبراء الذمة.

_________________
كاتب ومفكر من مصر. المقالة نشرت في صحيفة الشرق القطرية الصادرة يوم 4 سبتمبر/أيلول 2008.

المتفائلة
05-06-2010, 12:35 AM
انتصار آخر لغزة


ينبغي أن نتوجه بالشكر إلى الذين نظموا رحلة أسطول الحرية لأنهم أيقظونا من سباتنا وغيبوبتنا، وذكرونا بقطاع غزة والحصار الإجرامي المضروب عليه، بعدما كاد كثيرون منا ينسون الموضوع في ظل التعتيم والتشويه الذي يتعرض له منذ ثلاث سنوات. ذلك أن ما جرى أعاد فضيحة الحصار إلى عناوين الصحف وصدارة قنوات الأنباء في أنحاء العالم. بقدر ما أنه فضح الصمت الإعلامي الرسمي العربي، الذي اشترك في الحصار، جنباً إلى جنب مع الإسهام في الحصار على الأرض، من خلال إغلاق معبر رفح وهدم الأنفاق وبناء السور الفولاذي الذي أريد به قطع الطريق على وصول أي إمدادات إلى غزة.

هو أمر لا يفسر إلا بمفارقات الأقدار وسخرياتها. ذلك أن الجهد الذي بذل خلال السنوات الثلاث الأخيرة بوجه أخص، لاعتبار الحصار أمراً عادياً وأسلوب حياة مقبولاً وغير مستغرب في العالم العربي، كما اعتبر تقديم العون للمحاصرين تهمة يلاحق البعض بسببها فيعتقلون وتلفق لهم القضايا. أما الذين عبروا عن تضامنهم مع المحاصرين فإن «جريمتهم» كانت من الجسامة بحيث قدم بعضهم إلى المحكمة العسكرية، كما حدث مع زميلنا الأستاذ مجدي حسين الذي ينفذ الآن عقوبة السجن لثلاث سنوات بسبب اقترافه تلك «الجريمة»، ليس ذلك فحسب، وإنما جرت محاولة تعبئة الرأي العام لكي يستقبل حديثاً عن استئناف مسيرة السلام. ولكي يقتنع بأن "إسرائيل" لم تعد خطراً يهدد العالم العربي، وأن قنابلها النووية ليست سوى قنابل «صديقة». في حين أن الخطر الحقيقي والدائم مصدره إيران ومشروعها النووي الذي لا يزال جنيناً في بطن الغيب.

ذلك كله انهار وانفضح الكذب والإفك فيه، دون أن يكون للعرب فيه يد. إذ شاء ربك أن يقوم العجم بما نسيه العرب. وأن يحمل النشطاء الشرفاء في العالم الغربي الأمانة التي فرط فيها «الأشقاء» في العالم العربي. فيعلنون رفض الحصار ويعتبرون إقامته أو الإسهام فيه جريمة أخلاقية وإنسانية قبل أن تكون سياسية - ويتنادون فيمن بينهم لكي يحملوا بسواعدهم وعلى أكتافهم كل ما قدروا عليه من مؤن وأدوية ومستلزمات لاستئناف الحياة - ثم لكي يسعوا إلى كسر الحصار الذي ألفناه ولم نعد نكترث به. عوضوا انكسارنا واستخذاءنا بما تمتعوا به من شجاعة ونبل. ولم يأبهوا باستسلامنا وانهزامنا، فركبوا سفنهم وقرروا أن يتحدوا غطرسة "إسرائيل" واستعلاءها.


وحين باغتتهم بهجوم الفجر الدامي، الذي قتلت فيه قواتهم بعض النشطاء وجرحت آخرين واعتقلت الجميع، فإن سخرية الأقدار بلغت ذروتها. إذ انفضح القبح الإسرائيلي وانكشفت الدمامة فيه ليس فقط أمام العرب وحدهم، وإنما أمام العالم أجمع. ولم يكن الإسرائيليون وحدهم الذين سقطوا، وإنما سقط معهم كل «المعتدلين» الذين تحالفوا معهم وراهنوا عليهم، وساعدوهم على تسويف أكذوبة الصديق الإسرائيلي والعدو الإيراني!

صحيح أن العربدة الإسرائيلية ليست جديدة علينا، ولكن الغباء الإسرائيلي هو الذي فاجأنا، ذلك أنهم حين انقضوا على السفينة «مرمرة»، وفعلوا ما فعلوه ظناً منهم أنهم أجهضوا المسيرة وسحقوا جموع الناشطين، فإنهم عمموا الفضيحة وخسروا معركتهم سياسياً وإعلامياً. ذلك أنهم لم ينقضوا عليهم ويقتلوهم في المياه الدولية فحسب، ولم يفتكوا بهم وهم المدنيون العزل فحسب، ولكنهم أعلنوها حرباً ضد الشرفاء والنشطاء في العالم بأسره، أولئك الذين قدموا من 40 دولة لمواساة المحاصرين ونصرتهم.

كأن الغرور أعمى الإسرائيليين. فدفعهم إلى الإقدام على عملية انتحارية خرجوا منها خاسرين بالكامل. في حين كسبت القضية الفلسطينية مزيداً من الأنصار، وعادت غزة إلى صدارة الأخبار، وأصبح فك الحصار عليها مطلباً دولياً ملحاً، وبذلك فإنها حققت انتصاراً آخر أهدته الأقدار إليها رغماً عن الجميع، ثم إنهم باستهدافهم السفينة «مرمرة» دون غيرها فإنهم خسروا تركيا أيضاً، التي أصبحت النصير الأكبر للقضية الفلسطينية في وقت خلا فيه مقعد «الشقيقة الكبرى» ــ غدا لنا كلام آخر في الموضوع.

المتفائلة
11-06-2010, 01:01 AM
يريدون مسلمين بغير إسلام


10/6/2010

البعض يريدون مسلمين بغير إسلام، يرحبون بالناس وينفرون من المعتقد والقيمة. يعتبرون ان استحضار الإسلام يعقد الأمور ويستدعى مشكلات نحن فى غنى عنها، حجتهم فى ذلك أن إظهار الهوية الإسلامية يثير الحساسية ويمثل عنصرا طاردا للآخرين.

ثم انه يختزل القضايا الكبرى فى رموز دينية ضيقة. ويفتح الباب لحروب دينية استئصالية ضد «اليهود» تقوض امكانية التعايش السلمى معهم. والحل يتمثل فى إخراج الإسلام من الموضوع، وتنقية الصراع من «شوائبه»، وتنحية ما هو دينى لصالح ما هو إنسانى وعلمانى.

هذا الكلام قرأته فى كتابات نشرت مؤخرا، جاءت فى سياق حملة مطاردة حضور الإسلام فى المجال العام، التى يقودها نفر من المثقفين، إذ حذرت تلك الكتابات من فكرة «أسلمة الصراع»، التى قصد بها الانطلاق من المرجعية الدينية فى مواجهة العدو.

ثمة ملاحظتان جوهريتان على هذا الخطاب الأولى أنه ينطلق من رؤية استشرافية نافرة من الإسلام بالأساس. وهى معنية بإقصائه عن الصراع بأكثر من عنايتها بالصمود فى مواجهة العدو أو كسب الصراع. ذلك انهم حين يعتبرون الإسلام مؤديا إلى استبعاد الآخرين وليس متصالحا معهم أو قادرا على استيعابهم، فإنهم يصدرون حكما متأثرا بأجواء التعبئة السياسية والإعلامية الراهنة، التى اختزلت الإسلام فى أداء بعض جماعات التطرف والإرهاب. بمعنى أنه حكم يخص بعض المسلمين ولا شأن للإسلام به.

وهذا القصور فى النظر يضعف الموقف العربى ولا يخدمه، فالغيورون والمخلصون حقا يحرصون على لملمة الصفوف وتوسيع دائرة الاحتشاد فى مواجهة العدو، ولا يلقون بالا لمعايير الخصم والاقصاء، وأبسط مبادئ الاحتشاد تدعو إلى التركيز على وحدة الهدف مع القبول بتنوع المنطلقات الفكرية والسياسية.

بحيث يصطف المشاركون استنادا إلى منطلقاتهم الوطنية جنبا إلى جنب مع أصحاب المنطلقات القومية أو الدينية أو الإنسانية، أما أن تطالب أى جماعة بالتنازل عن منطلقاتها، بعضها أو كلها، فذلك مما ينطبق عليه قول الجاحظ أنه سقم فى العقل وسخف فى الرأى، لا يتأتيان إلا بخذلان من الله سبحانه وتعالى.

الملاحظة الثانية لا تخلو من مفارقة، ذلك أن هذا الكلام يصدر فى حين تتصدر القوى الإسلامية صفوف المجاهدين المناضلين فى ساحة الصراع. وهى التى تدفع الثمن الأكبر فى ساحة المواجهة. ذلك ينسحب على حركتى حماس والجهاد الإسلامى فى فلسطين، وحزب الله فى لبنان، ومقاومة الاحتلال الأمريكى فى العراق.

هم المقاتلون والمحاصرون والشهداء والأسرى. صحيح أن هناك جماعات وطنية شريفة تقف إلى جوارهم فى الساحة، لكن أحدا لا ينكر أن القوى الإسلامية تقف فى الصف الأول كما أنها تتحمل العبء الأكبر وتدفع الثمن الأكبر.

ولا أعرف كيف يمكن لعاقل أن يطل على ساحة الصراع، ليدعو تلك القوى الإسلامية لأن تتنازل عن منطلقها الجهادى بدعوى عدم إثارة حساسيات الآخرين. كما أننى لا أعرف كيف يمكن أن ندعو الشباب إلى الجهاد والموت فى سبيل القضية، إذا لم نقل لهم إنهم حين يقدمون أرواحهم فداء لوطنهم ودفاعا عن قضيته العادلة، فإن ذلك يعد جهادا فى سبيل الله وبابا للفوز بجنته ورضاه.

المدهش فى الأمر أن الذين يأنفون من ذكر المرجعية الدينية فى الصراع، لا يقدمون بديلا ينهض بمسئولية مواجهة العدو، فى حين ينشغلون بتجريد القوى الإسلامية من أمضى أسلحتها وأكثرها فعالية. وبدلا من دعوتهم إلى توثيق العرى مع القوى النضالية والمنظمات الإنسانية الأخرى، فإنهم يسعون إلى تعميق الفجوة بين الطرفين، وإعطاء انطباع بأن خطاب القوى الإسلامية يقوض التصالح والتوافق، ويثير التناقض والتعارض.

إن خطاب مناهضة الاتكاء على الهوية الإسلامية يغيب تماما الحس التاريخى. ويتجاهل خبرة الإسلام فى التعامل مع العالم طوال 14 قرنا، فى حين حاكموه بما تنشره الصحف عن بعض جماعاته وما تروجه تقارير مباحث أمن الدولة. ثم إنه يتسم بخفة نلحظها فى الادعاء بأن خطاب الأسلمة لا يدرك الفرق بين اليهود والصهاينة، وانه حين يتطرق إلى تحرير المقدسات فهو لا يعنى إلا تحرير المساجد والأضرحة والزوايا، إلى غير ذلك من القرائن الدالة على أن الكاتبين خاضا فى أمر يجهلان

كنهه، وقدما مرافعة فى قضية لم يدرسا ملفها جيدا، حيث قرآ عنها ولم يقرآ فيها.

مشراف
16-06-2010, 07:42 AM
فتنة الحصار حيا الله من أيقظه

افهمي هويدي (http://www.aljazeera.net/NR/exeres/78C755A5-39FC-48B0-AF73-3909EEF1A191.htm)
http://www.aljazeera.net/mritems/images/2010/6/14/1_998021_1_34.jpg

صحيح أن قافلة الحرية لم تكسر الحصار المفروض على غزة، لكن الأهم أنها كسرت جدار الصمت المضروب حول جريمة الحصار ذاتها، فنجحت في تعرية وجهه وأيقظت فتنته من منامها، حتى رأينا في قسماته الكثير مما كان مستورا ومخفيا.
(1)
تذكر كثيرون أن الحصار جريمة مسكوت عليها، فقالت نافي بيلاي مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إن الحصار غير قانوني ويجب رفعه. وأعلنت أن القانون الإنساني الدولي يحظر تجويع المدنيين كوسيلة حرب.. كما يحظر فرض عقوبة جماعية على المدنيين، وهي الفكرة التي رددها البروفيسور الإسرائيلي في جامعة أوكسفورد البريطانية آفي شلايم، حين انتقد «الهجوم المجنون» الذي قام به الجيش الإسرائيلي ضد السفينة مرمرة. وقال إن الحصار عقاب جماعي يحرمه القانون الدولي.
"
الغتيت:
القواعد الدستورية الدولية حاسمة في اعتبار فرض الحصار وإغلاق المعبر من جرائم الحرب الموجهة ضد الإنسانية، والحصار محكوم باعتبارات السياسة وحساباتها، ولا علاقة له بالقانون الذي يدين ويؤثم كل ما يتم اتخاذه من إجراءات
"وترددت على ألسنة العديد من السياسيين وفي كتابات المعلقين المحترمين فكرة عدم شرعية الحصار. كما ارتفعت أصوات أساتذة القانون الذين ذكروا الجميع بأن حصار المدنيين جريمة حرب موجهة ضد الإنسانية، وأنه طبقا لاتفاقية جنيف الرابعة فإن الدول المجاورة ملزمة بأن تفتح حدودها لتزويد الشعب المحاصر بجميع احتياجاته، وفي حالة امتناعها أو تقصيرها في ذلك، فإنها تعد شريكة في ارتكاب تلك الجريمة.
وأعادت بعض مواقع الإنترنت نشر مقاطع من حكم محكمة العدل الدولية بشأن الجدار العازل «صدر في شهر سبتمبر/أيلول عام 2004»، الذي لم تكترث به الدول العربية أو السلطة الفلسطينية، رغم أنه يعد أقوى وثيقة قانونية معاصرة تنصف الفلسطينيين وتدافع عن حقوقهم، وترفض حصارهم، وتقضي بهدم الجدار وإزالة المستوطنات التي أقيمت فوق الأرض المحتلة والمغصوبة.
لأستاذ القانون والمحامي الدولي الدكتور علي الغتيت الكثير مما يقوله في عدم شرعية الحصار، وبطلان الأسس والذرائع القانونية التي تم الاستناد إليها في إغلاق مصر لمعبر رفح. وهو يرى أن القواعد الدستورية الدولية حاسمة في اعتبار فرض الحصار وإغلاق المعبر من جرائم الحرب الموجهة ضد الإنسانية، ويعتبر أن كل ما هو حاصل الآن بخصوص محاصرة القطاع والمعبر محكوم باعتبارات السياسة وحساباتها، ولا علاقة له بالقانون الذي يدين ويؤثم كل ما يتم اتخاذه من إجراءات. وكانت تلك خلفية الدعوى التي رفعها أمام القضاء المحامي الدولي والسفير السابق إبراهيم يسري ومعه ٢٢٠ من الناشطين، لفتح معبر رفح -شأنه في ذلك شأن بقية المعابر المصرية- والتي يفترض أن يصدر الحكم فيها يوم 29 يونيو/حزيران الحالي.http://www.aljazeera.net/KNOWLEDGEGATE/KEngine/imgs/top-page.gif (http://www.aljazeera.net/NR/exeres/4F0205C3-0A42-43B6-9C7E-F7B3B16C4BDA.htm#)
(2)
استخدمت القناة الخامسة للتلفزيون الفرنسي في نشرة أخبار الساعة الخامسة مساء يوم الأحد 6/6 مصطلح «الحصار الإسرائيلي المصري لقطاع غزة». وكانت تلك من المرات النادرة التي تمت فيها الإشارة بهذا الوضوح إلى اشتراك مصر في الحصار. وفي مساء الخميس 10/6 سمعنا ورأينا على شاشات التلفزيون وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنر وهو يقول إن مصر طلبت من فرنسا ألا تجري اتصالات مباشرة مع حركة حماس التي تدير حكومتها المنتخبة القطاع. وهي إشارة تكاد تؤيد ادعاء المسؤول في وزارة الدفاع الإسرائيلية عاموس جلعاد ذات مرة أن القاهرة تعتبر حركة حماس «عدوا وتهديدا لنظامها» (هآرتس 27/1/2009)».
في هذا السياق، لم تكن مصادفة أن يمنع وزير الصحة في حكومة غزة الدكتور باسم نعيم من دخول مصر عبر معبر رفح في الأسبوع الماضي، رغم أنه بحكم اختصاصه مسؤول عن الحالات الإنسانية التي يفترض السماح لها بالمرور. ولم يكن لذلك من تفسير سوى أن الحظر شمله باعتباره عضوا في حركة حماس.
"
150 شخصا من عناصر جهاز «الأمن الوقائي» -الذي أسسه محمد دحلان- يوجدون في مدينة العريش منذ أن هربوا إليها في عام 2007, ويقومون برصد عناصر حركتيْ حماس والجهاد الإسلامي التي تحاول المرور من معبر رفح وإبلاغ الجهات المعنية بأسمائهم
"جدير بالذكر في هذا السياق أن نحو 150 شخصا من عناصر جهاز «الأمن الوقائي»، الذي أسسه محمد دحلان ضمن أجهزة السلطة الفلسطينية في غزة يوجدون في مدينة العريش منذ هربوا إليها في عام 2007، بعد أن حسمت حكومة حماس الموقف لصالحها. وهم يتقاضون رواتبهم الشهرية من حكومة رام الله «300 دولار في الشهر تقريبا»، ويؤدون مهام متعددة، من بينها رصد عناصر حركتيْ حماس والجهاد الإسلامي التي تحاول المرور من خلال معبر رفح، وإبلاغ الجهات المعنية بأسمائهم.
يفيدنا في تصور الوضع في معبر رفح أن نستعيد ما قاله الرئيس حسنى مبارك بخصوصه، في حديث بثه التليفزيون المصري ونشرته جريدة الأهرام في 3 يناير/كانون الثاني عام 2009. إذ ورد في الكلام المنشور النص التالي: بالنسبة لمعبر رفح، استطعنا بالتفاهم مع إسرائيل أن نفتحه، وهناك كاميرات إسرائيلية «ومونيتور» (جهاز للمراقبة) لمراقبة الحركة عليه. ولابد من إخطار إسرائيل بمن يدخلون منه. وفي حالة وجود مخالفات، هناك من يراقبون الوضع ويبلغون الجانب الإسرائيلي. وعما إذا كان المعبر سيظل مفتوحا طالما تطلب ذلك الوضع الإنساني، قال الرئيس مبارك: نحن نفتح المعبر للحالات الإنسانية، ونخطر إسرائيل قبل المرور، حتى لا يساء الفهم أو يزعمون أننا نسمح بدخول أسلحة أو ذخائر أو ممنوعات.http://www.aljazeera.net/KNOWLEDGEGATE/KEngine/imgs/top-page.gif (http://www.aljazeera.net/NR/exeres/4F0205C3-0A42-43B6-9C7E-F7B3B16C4BDA.htm#)
(3)
حين أيقظت قافلة الحرية فتنة الحصار وسلطت الأضواء على عناصرها، حظي معبر رفح بالنصيب الأكبر من الاهتمام والاتهام. إذ اعتبر الإدارة التي استخدمت لإحكام الحصار ومنع اتصال فلسطينيي غزة بالعالم الخارجي بعيدا عن السيطرة الإسرائيلية. ولم يعد سرا أن فتح المعبر تم بناء على اتصالات مصرية إسرائيلية برعاية أميركية. وأن ذلك الفتح كان بهدف الاستجابة للضغوط التي مورست لتخفيف الحصار، وامتصاص الاستياء والغضب اللذين سادا في مختلف أنحاء العالم جراء ما جرى.
الذين تحدثت إليهم من المسؤولين في غزة والعريش عن وضع المعبر في الوقت الراهن تكلموا بصراحة بعدما اشترطوا ألا أذكر أسماءهم، وأوردوا في إفاداتهم المعلومات التالية:
* إن انفراجة نسبية حدثت في المرور بالمعبر، إذ بعد أن ظل يفتح لأيام معدودة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة كل شهرين أو ثلاثة، فإن مدة فتحه طالت بعد أزمة قافلة الحرية، ولم يعلن أنه سيظل مفتوحا باستمرار.
* إن قواعد المرور لم تتغير، إذ يسمح فقط بإدخال بعض وليس كل الأدوية منه، أما الأغذية ومواد البناء وبقية الاحتياجات المعيشية الأخرى فإنها تمنع، أو تحول إلى معبر العوجة «نيتزانا» الذي يتحكم فيه الإسرائيليون. ولا تفسير لذلك إلا أنه من قبيل الاستجابة للإسرائيليين الذين يريدون التحكم في دخول كل ما يتعلق بمتطلبات إعاشة الفلسطينيين.
"
حدثت انفراجة نسبية في المرور بمعبر رفح، إذ بعد أن ظل يفتح لأيام معدودة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة كل شهرين أو ثلاثة، فإن مدة فتحه طالت بعد أزمة قافلة الحرية، وإن لم يعلن أنه سيظل مفتوحا باستمرار
"صحيح أنه تم إدخال حمولة البطانيات والأدوية و20 مولدا كهربائيا في بداية الفتح هذه المرة، لكن ذلك كان استثناء تم تحت ضغط لحظات الحرج الأولى، علما بأن هذه السلع كانت مخزنة في إستاد العريش منذ أكثر من عام، فالبطانيات المخزنة منذ شتاء العام الماضي وصلت مهترئة، والأدوية أصبحت منتهية الصلاحية أما المولدات التي تبرعت بها سلطنة عمان فقد ترك للفلسطينيين أمر تشغيلها.
* الفئات التي يسمح لها بالمرور لم تتغير فإخطار إسرائيل بأسماء المارين متفق عليه كما ذكر الرئيس مبارك. وتلك الفئات تضم المرضى الذين يتم تحويلهم بعد اعتماد أوراقهم من جانب وزارة الصحة في رام الله. وأصحاب الإقامات في مصر أو في أي دولة أخرى، والطلاب المقيدون للدراسة في الخارج، الفئة الثالثة يطلق عليها اسم «التنسيقات»، ويقصد بهم أولئك الذين يمكنون من العبور من خلال التنسيق بين أفراد في غزة وآخرين على المعبر أو في العريش. وكل واحد من هؤلاء عليه أن يدفع مقابل ذلك ما بين ألف وثلاثة آلاف دولار، حسب الحالة.
* إضافة إلى الكاميرات والأجهزة التي تنقل إلى إسرائيل الحاصل في المعبر، وإلى عناصر أجهزة الأمن الوقائي التي تراقب المارين، فإن ثلاثة أجهزة أمنية مصرية تعمل هناك، وهذه الأجهزة تتصل بقياداتها في القاهرة للتحقق من شخصيات وهويات المارين، وهو ما يطيل ساعات الانتظار أمام نوافذ المعبر ويضاعف معاناة العابرين.
(ملحوظة: رفضت سلطة حماس تسلم ما عرضه عليها الإسرائيليون من معونات قافلة الحرية التي تمت مصادرتها على السفينة مرمرة، وقال ممثلوها إن تلك المعونات أصبحت ملوثة بدم الأتراك. خصوصا أنهم لاحظوا أن الإسرائيليين نزعوا البطاريات من المقاعد الكهربائية التي حملها الناشطون معهم لاستخدام المقعدين من ضحايا العدوان على غزة).http://www.aljazeera.net/KNOWLEDGEGATE/KEngine/imgs/top-page.gif (http://www.aljazeera.net/NR/exeres/4F0205C3-0A42-43B6-9C7E-F7B3B16C4BDA.htm#)
(4)
العواصم الغربية تتحدث الآن عن تخفيف الحصار وليس رفعه. وكانت تلك هي الوسيلة التي لجأت إليها الحكومات المعنية لامتصاص آثار فضيحة الانقضاض الإسرائيلي على قافلة الحرية. ومصطلح «التخفيف» تعبير مهذب عن الاحتيال على الحصار مع استمرار الإبقاء عليه. [للعلم: نشرت صحيفة «هآرتس» في 13/6 الحالي أن أبو مازن حين التقى الرئيس أوباما يوم الأربعاء الماضي 9/6 طلب منه عدم رفع الحصار عن غزة حتى لا يعد ذلك انتصارا لحماس، وقال إن تخفيف الحصار ينبغي أن يتم بصورة تدريجية لذات السبب]. ذلك أن الفشل الذي مني به الحصار حتى الآن دفع الأطراف المشاركة في العملية إلى التفكير في اتجاهين متوازيين، أولهما التصرف على أساس أن صمود حركة حماس في غزة مستمر إلى أجل غير منظور، بما يمثله ذلك من انحياز إلى فكرة المقاومة ورفض التسوية أو التصفية السلمية للقضية. الاتجاه الثاني مبني على الأول، وخلاصته أنه طالما أن حماس أصبحت حقيقة في غزة، فإن ذلك يستدعي ترتيبات معينة على الجانب المصري من الحدود لإقامة منطقة عازلة بين قطاع غزة وسيناء.
صحيح أن الحصار حقق نتائج عكسية إلى الآن، ثبتت من أقدام حركة حماس وضاعفت من شعبيتها. وكان ذلك على حساب أبو مازن وجماعته، الذين أثبتت الأيام أنهم يقفون في المعسكر الآخر. ورغم استمرار التعتيم على الحصار لمدة ثلاث سنوات فإن النشطاء القادمين من الغرب خصوصا قافلة الحرية الأخيرة فضحوا القبح والدمامة فيه، وسببوا إحراجا شديدا للولايات المتحدة الأميركية، الراعي الرسمي للحصار، ولكل من مصر وإسرائيل اللتين تنفذان الحصار على الأرض. ليس ذلك فحسب، وإنما أحدثت حملات فك الحصار تغيرات مهمة في خريطة الشرق الأوسط سنتحدث عنها في وقت لاحق، لكن أبرزها خروج تركيا من التحالف مع إسرائيل، مما عزز موقف معسكر الصمود في العالم العربي.
"
الفشل الذي مني به الحصار حتى الآن دفع الأطراف المشاركة في العملية إلى التفكير في اتجاهين متوازيين، أولهما التصرف على أساس أن صمود حماس في غزة مستمر, والثاني أنه طالما أن حماس أصبحت حقيقة في غزة، فإن ذلك يستدعي إقامة منطقة عازلة بين غزة وسيناء
"فيما يخص الاتجاه الأول من الواضح أن الحصار سوف يستمر باتفاق أطرافه الثلاثة، ومحور الاتصالات الراهنة، كما ذكرت صحيفة هآرتس يوم الجمعة الماضي 11/6، هو حدود «التخفيف» والمقابل الذي يفترض أن يدفع لقاء ذلك. وإلى جانب عملية التخفيف فإن رئاسة السلطة في رام الله رفعت من وتيرة الحديث عن فك الحصار. لإنقاذ شعبيتها المتدهورة، إلى جانب لجوئها إلى ما يمكن تسميته «هجوم المصالحة» الذي يراد به صرف الانتباه عن الموضوع الأساسي والإيحاء بأن حماس رافضة لإعادة اللحمة ووحدة الصف.
بالنسبة لموضوع عزل القطاع عن سيناء. فإن السور الفولاذي الفاصل بين الجانبين. والذي أشرف الأميركيون على إقامته تم الانتهاء من بناء عشرة كيلومترات منه، ولم يبق سوى ثلاثة كيلومترات ونصف متر توقف العمل عندها، لأنها مأهولة بالسكان (يعيش فيها حوالي 18 ألف نسمة) ومطلوب إخلاء هذه المنطقة لإحكام الإغلاق النهائي للحدود مع إقامة بوابات إلكترونية تدار من خلال غرفة للتحكم في المعبر. وإلى أن يتم ذلك فقد غادر المنطقة وعاد إلى القاهرة الخبراء الأميركيون الذين يتبعون مكتب التعاون العسكري في السفارة (يديره أميركي من أصل لبناني اسمه وليد ناصر).
على صعيد آخر، ثمة لغط يدور في العريش بخصوص إعادة تخطيط عمراني لمنطقة رفح والشيخ زويد، لتحويلها إلى منطقة استثمارية حرة تشكل العازل المطلوب. وقد ثار ذلك اللغط حين قدم إلى العريش بعض الأشخاص الذين قدموا أنفسهم باعتبارهم يمثلون جهات سيادية في مصر. وهؤلاء ناقشوا مع شيوخ القبائل بوجه أخص إمكانية بيع الأراضي للمستثمرين بدعوى النهوض الاقتصادي بالمنطقة.
اللافت للنظر أن كل تلك الاستحكامات والمخططات استهدفت الحدود على قطاع غزة التي هي بطول 13.50 كيلومترا، أما الحدود بين مصر وإسرائيل التي هي بطول 250 كيلومترا فهي مفتوحة وهادئة. وقد قيل لي إن مسؤولا كبيرا في المحافظة سئل عن دلالة هذه المفارقة، فكان رده أن ثمة اتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل، وذلك ليس حاصلا مع قطاع غزة!.

عبد العزيز
16-06-2010, 06:54 PM
ان شاء الله تشهد مصر تغييرا قريبا بزوال نظام فرعون

المتفائلة
19-08-2010, 05:41 PM
رسالة من روسيا


من مفارقات الأقدار وسخرياتها أنه فى حين كانت الصحف المصرية تنشر مقالات الهجوم على حضور الدين فى مناهج التعليم، فإن روسيا قررت إدخال دروس الثقافة الدينية إلى المدارس المتوسطة، وكذلك السماح لرجال الدين بالعمل بين أفراد القوات المسلحة الروسية.

ليست بعيدة عن الأذهان تلك الحملة الشرسة التى نددت فى مصر بما سموه «تديين التعليم».

وتواصلت حلقاتها فى مقالات عدة استهدفت شيئا واحدا هو إقصاء الدين عن مناهج الدراسة، و«تطهير» الكتب المدرسية من الإشارة إلى مرجعية أو حتى مصطلح له علاقة بالدين. حتى عبارة «السلام عليكم» استنكرها أحدهم فى كتب المطالعة، وطلب حذفها بدعوى أنها محملة بإيحاءات موصولة بالانتماء الدينى.

وبدا أن ثمة رسالة خبيثة مطلوب تعميمها تقول إن الأقباط فى مصر لن يهدأ لهم بال طالما بقى للدين الإسلامى أثر فى المجال العام بالبلد. وهى رسالة بالغة الخطورة، ليس فقط لاستحالتها من الناحية العملية ولإضرارها الجسيم بوضع الأقلية، ولكن أيضا لأنها تضرب أساس التعايش وتحول الحساسيات العارضة إلى عاهات دائمة، الأمر الذى يهدد الاستقرار فى البلد ويخل بأمنه القومى.

الخبر الروسى ليس جديدا تماما، لأن قرار الرئيس ميدفيديف الخاص بإدخال دروس الثقافة الدينية إلى المدارس صدر فى 12 يوليو من العام الماضى، لكن أحدا لم يسمع به آنذاك.

وقد وقعت عليه فى عدد أخير تلقيته من صحيفة «الإسلام فى روسيا»، حيث تصدر الخبر الصفحة الأولى مع بعض التعليقات والإيضاحات، التى وصفت القرار بأنه «خطوة ثورية»، هى الأولى من نوعها فى التاريخ الروسى، سواء فى عهد روسيا القيصرية أو المرحلة السوفييتية.

وكما معلوم فإن تلك المرحلة الأخيرة أعلنت الحرب على الأديان جميعها، وقررت «الإلحاد» مادة تدرس فى جميع مراحل التعليم، الأمر الذى أحدث فراغا روحيا هائلا فى روسيا الاتحادية كانت له سلبياته العديدة التى ظهرت جلية خلال العقدين الأخيرين.

ذكرت الصحيفة التى يصدرها المجلس الإسلامى الروسى أنه حين غاب الدين تعرض المجتمع الروسى لأعراض التفكك والانحراف إضافة إلى الخلل الذى أصاب منظومة القيم السائدة فيه. فشاع التحلل الاجتماعى وانتشر بشكل مخيف الإدمان على الخمور والمشروبات الكحولية، وتراجع النمو السكانى على نحو مؤرق. وشاعت الأنانية التى اقتربت بالسلوك الاستهلاكى المنفلت والجشع، كما برزت مظاهر التطرف القومى، التى هددت فكرة التعايش المشترك بين بلد اتسم بتعدد أقوامه.

(فى روسيا الاتحادية 182 عرقا، منهم 57 عرقا مسلما). وهى الملابسات التى استدعت اتخاذ مجموعة من الإجراءات من جانب السلطة، كان من بينها تشجيع الانبعاث الدينى. فى هذا الصدد استشهدت الصحيفة بقول أحد أبطال رواية ديستوفيسكى، أديب روسيا الشهير، أنه إن لم يكن هناك إله، فكل شىء يصبح جائزا.

قرار الرئيس الروسى لم يكن منفصلا عن أجواء التهدئة والتفاهم التى سادت العلاقات بين الحكومة ومسلمى الاتحاد الروسى (نحو 40 مليونا). وهى الأجواء التى فتحت الأبواب لترميم المساجد والتوسع فى إنشائها.

إضافة إلى السماح بفتح المدارس والجامعات (96 مؤسسة تعليمية دينية و7 جامعات إسلامية). والاتجاه إلى إنشاء قناة تليفزيونية إسلامية، وقبول روسيا كعضو مراقب فى منظمة المؤتمر الإسلامى. وفى سياق هذه العلاقة الإيجابية قام الرئيس ميدفيديف بزيارة جامع موسكو الشهير، لأول مرة فى تاريخ مسلمى روسيا.

لقد انتقلت روسيا خلال ربع القرن الأخير من مرحلة العداء للدين تحت الحكم الشيوعى إلى طور فصل الدين عن الدولة فى ظل «البريسترويكا»، ثم تقدمت خطوة إلى الأمام بحيث أصبحت الصيغة الراهنة كالتالى: الدين منفصل عن الدولة وليس عن المجتمع.

إن الفرق بين دعاة مناهضة التدين فى بلادنا وبين أولئك الذين يستدعونه فى روسيا، هو ذاته الفرق بين أناس تحركهم مراراتهم وحساباتهم الخاصة، وآخرين يحركهم الصالح العام، أو قل إنه بين أناس يدافعون عن عقدهم وأهوائهم وآخرين يدافعون عن أوطانهم.

أحمد
07-10-2010, 02:42 PM
جددوا الفضيحة وستروا القاتل
[ 05/10/2010 - 08:53 ص ] فهمي هويدي


هما فضيحتان وليست واحدة، الأولى أن السلطة الفلسطينية تواطأت مجدداً على تمكين "إسرائيل" من الإفلات من العقاب على ما ارتكبته من جرائم في عدوانها على غزة. الثانية أن الإعلام العربي تستّر على الجريمة، وأحاطها بجدار من الصمت والتجاهل.
(1)
وقعت الواقعة في الأسبوع الماضي أثناء انشغال الجميع بالمفاوضات المباشرة وإحباطاتها. إذ نقلت وكالة الأنباء الفلسطينية من جنيف خبراً مفاده أن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تبنى يوم الأربعاء 29/9 قراراً طالب الأمين العام والمفوض السامي لحقوق الإنسان بالاستمرار في متابعة تنفيذ توصيات تقرير القاضي الدولي ريتشارد غولدستون، حول ما جرى أثناء العدوان "الإسرائيلي" على غزة، على أن يعرض الأمر على المجلس بعد خمسة أشهر، في مارس/ آذار من عام 2011.
هكذا تمت صياغة خبر الفضيحة التي أعنيها. وهي صياغة مسكونة بالتدليس والمراوغة، بمعنى أنها أعطت انطباعاً بأن أمراً عادياً حدث، محوره مطالبة الأمين العام لمجلس حقوق الإنسان بمتابعة تنفيذ توصيات تقرير غولدستون، وتأجيل إصدار قرار بشأنها إلى إشعار لاحق، وإمعاناً في التدليس تحدث القرار عن ترحيب المجلس بتقرير اللجنة الدولية القانونية المستقلة حول نتائج التحقيقات التي قامت بها الأطراف. وأشاد بتعاون السلطة الوطنية مع تلك اللجنة، في حين دان عدم تعاون "إسرائيل" وإعاقة جهودها، وحث المجلس في قراره السلطة الوطنية على استكمال تحقيقاتها بخصوص ادعاءات لجنة تقصّي الحقائق المتعلقة بقطاع غزة، كما حث "إسرائيل" على أن تقوم بما تمليه عليه واجباتها لإتمام التحقيقات في ما يخصها من الانتهاكات الخطرة للقانون الدولي التي أوردها تقرير غولدستون.
لا أستطيع أن أفترض حسن النية في صياغة الخبر على ذلك النحو، خصوصاً إذا لاحظنا أن تلك الصياغة صدرت عن وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) الخاضعة للسلطة الفلسطينية، التي وقفت وراء القرار. لذلك لا أتردد في القول إنها نموذج للتستر على الفضيحة التي ارتكبت، واستهدفت تمكين "إسرائيل" من الإفلات من المثول أمام المحكمة الجنائية الدولية، لمحاسبتها على الجرائم التي ارتكبتها أثناء عدوانها على غزة، وهو ذات الموقف المدهش الذي تبنته السلطة الفلسطينية منذ اللحظات الأولى لعرض تقرير غولدستون على مجلس حقوق الإنسان في شهر أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي (2009). ولذلك قصة مخزية ينبغي أن تروى.
(2)
في البدء كانت فضيحة "إسرائيل" التي كشف عنها تقرير لجنة تقصّي الحقائق التي شكلت بتفويض من الأمم المتحدة برئاسة القاضي اليهودي الدولي ريتشارد غولدستون (من جنوب إفريقيا). إذ دان التقرير "إسرائيل" في عدوانها الذي استمر 22 يوماً على غزة (آخر عام 2008 وبدايات عام 2009)، ومارست خلاله انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي، كان أبرزها استخدام الفوسفور الأبيض الذي يلتهم الجلد البشري فور تعرضه للأكسجين. وهو العدوان الذي أسفر عن قتل 1400 فلسطيني، وإصابة (5000 آخرين). في ذات الوقت فإن التقرير الذي وقع في 575 صفحة سجل عدة انتهاكات بحق السلطة المختصة في القطاع. وأوصى بأن تحول نتائجه إلى المحكمة الجنائية الدولية إذا فشلت "إسرائيل" وحماس في إجراء تحقيقات ذات مصداقية في ما نسب إلى كل منهما. وقد رفضت "إسرائيل" التقرير واعتبرته منحازاً، كما رفضت التعاون مع لجنة تقصّي الحقائق الدولية.
هذا التقرير كان يفترض أن يعرض على مجلس حقوق الإنسان في شهر أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي، تمهيداً لاتخاذ إجراءات المضي في الالتزام بتوصياته. ولكن مفاجأة لم تخطر على بال أحد وقعت وقتذاك في جنيف، حين تبين أن السلطة الفلسطينية طلبت من مندوب منظمة التحرير لدى مجلس حقوق الإنسان أن يدفع بتأجيل مناقشة التقرير إلى الدورة التالية للمجلس في شهر مارس/ آذار ،2010 ولم يكن هناك من تفسير لذلك المطلب سوى أنه يهدف إلى رفع الحرج عن "إسرائيل" وإخراجها من المأزق الذي وقعت فيه، وهو موقف صدم الجميع وأثار غضباً عارماً في الأوساط الفلسطينية والعربية على الأقل. الأمر الذي دفع السلطة إلى التراجع عن قرارها، فسحبت طلب التأجيل وعرض التقرير على مجلس حقوق الإنسان (الذي يتمتع فيه العرب والمسلمون ودول العالم الثالث بأغلبية كبيرة). وكانت النتيجة أن المجلس تبنى تقرير غولدستون وتوصياته وأحال الأمر إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2009، التي أيدت بدورها التقرير (بالتصويت)، وأعطت مهلة لكل من "إسرائيل" والفلسطينيين لإجراء تحقيقات عادلة في شأن ما نسب إلى كل منهما، ترقى لمعايير العدالة الدولية.
شكلت الأمم المتحدة لجنة من الخبراء المستقلين لرصد وتقييم التحقيقات الداخلية التي قامت بها "إسرائيل" والجانب الفلسطيني، وقبل الاجتماع الأخير في جنيف قدمت اللجنة تقريرها إلى مجلس حقوق الإنسان، وذكرت على لسان رئيسها البروفيسور كريستيان توموشات أن التحقيقات التي تجريها "إسرائيل" تفتقد إلى الشفافية والنزاهة، مشيراً إلى أن الحكومة "الإسرائيلية" فشلت في التحقيق مع من خططوا وأشرفوا على الهجوم. ذكرت اللجنة أيضاً أن الجانب الفلسطيني فشل بدوره في إجراء التحقيقات الداخلية الخاصة بها. وكان تقرير غولدستون قد أوصى بإحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية إذا فشل الطرفان في إجراء التحقيقات اللازمة فيما نسب إلى كل منهما.
كان مقرراً أن ينتهي الطرفان من تحقيقاتهما في شهر مارس/ آذار من العام الحالي. ولما لم يحدث ذلك مددت الأمم المتحدة المهلة إلى شهر يوليو/ تموز، ولما لم يقع أي تقدم في هذا الجانب، كان على مجلس حقوق الإنسان أن يحسم الأمر المعلق. علماً بأن الولايات المتحدة و"إسرائيل" ظلتا تطالبان طول الوقت بإغلاق الملف ودفن تقرير غولدستون بشكل نهائي اكتفاء بالتحقيقات التي أجريت، بزعم أنها لم تنته إلى نتائج ملموسة. ولذلك اتجهت الأنظار إلى الاجتماع الأخير الذي عقد في جنيف يوم 29 سبتمبر/ أيلول الماضي، حيث توقع الناشطون في مجال حقوق الإنسان أن تأخذ الإجراءات مسارها الطبيعي، بحيث يقرر المجلس إحالة الملف إلى مجلس الأمن، لكي يوجهه بعد ذلك إلى المحكمة الجنائية الدولية. ولكن ما حدث لم يكن في حسبان أحد.
(3)
صحيفة عربية سربت الخبر، إذ نشرت صبيحة يوم الأربعاء 29/9 خبراً ذكرت فيه أن "مصادر حقوقية فلسطينية كشفت النقاب عن فضيحة جديدة للسلطة الفلسطينية، تتعلق بطلبها تأجيل إحالة تقرير غولدستون إلى الأمم المتحدة. مجددة بذلك موقفها في شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي الذي تبنى الدعوة إلى إرجاء النظر في التقرير. وهو ما أثار انتقادات حادة. وكانت له نتائجه الخطرة على الوضع الفلسطيني برمته. وكشفت المصادر عن أن البعثة الفلسطينية لدى مجلس حقوق الإنسان في جنيف تقدمت بمشروع قرار إلى المجلس يسهل إفلات "إسرائيل" من العقوبات التي يمكن أن تواجهها جراء الحرب العدوانية على قطاع غزة. الأمر الذي يعد فضيحة كبرى جديدة، وحذرت المصادر من خطورة التصويت لمصلحة القرار، الذي من شأنه إجهاض تقرير القاضي الجنوب إفريقي ريتشارد غولدستون، الذي أشار إلى ارتكاب "إسرائيل" جرائم حرب أثناء عدوانها على القطاع".
في الخبر المنشور عرضت الصحيفة خلاصة لمشروع القرار الذي تقدم به ممثل منظمة التحرير قبل أيام قليلة إلى مجلس حقوق الإنسان، وكانت أخطر فقراته مادة نصت على أن "يطلب المجلس من المفوض السامي لحقوق الإنسان أن يقدم تقريراً عن تطبيق القرار إلى مجلس حقوق الإنسان في جلسته السادسة عشرة في شهر مارس/ آذار عام 2011".
في التعليق على هذه الخطوة نقلت الصحيفة عن المصادر الحقوقية الفلسطينية قولها إنه طالما أن "إسرائيل" رفضت بإصرار إجراء تحقيقات مستقلة ونزيهة في العدوان على القطاع، فهذا يلقي الكرة إلى ملعب المجتمع الدولي لإجراء مثل هذا التحقيق، وليس التسويف والمماطلة والبحث عن مخارج لها من قبل السلطة الفلسطينية".
في مساء اليوم نفسه، في الساعة السادسة والنصف مساء، بثت وكالة الأنباء الفلسطينية من مقرها في رام الله الخبر بعد صياغته بالصورة الملتبسة التي أشرت إليها، حيث استهلته بالجملة التالية: تبنى مجلس حقوق الإنسان قراراً مهماً قدمته المجموعة العربية والمجموعة الإسلامية، يطالب الأمين العام والمفوض السامي لحقوق الإنسان بالاستمرار في متابعة تنفيذ التوصيات الواردة في تقرير غولدستون. أخفى الخبر أن القرار قدم بإيعاز من ممثل السلطة في المجلس، ولم يشر إلى أن موضوعه الأساسي هو الحيلولة دون إحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، ما قد يعرض "إسرائيل" للعقاب.
المدهش أن الخبر لم يحدث أي صدى في العالم العربي، على الرغم من الصدى العنيف الذي حدث في المرة السابقة. إذ باستثناء بيان أصدره مركز القاهرة لحقوق الإنسان مع منظمات حقوقية فلسطينية أخرى، ندد بالتواطؤ العربي على دفن تقرير غولدستون، فإن عملية التعتيم على القرار لم تتح لأحد أن يتابع ما جرى في جنيف، وبالتالي فقد تم تمرير ودفن القرار في هدوء ومن دون أن يشعر أحد.
(4)
لم ينتبه كثيرون إلى الفضيحة التي حدثت في جنيف، ليس فقط جراء الصياغة الملتبسة التي قدمته بها الوكالة الفلسطينية، ولكن أيضاً لأن القرار قدم وحسم وسط أجواء ضجيج الحديث عن أزمة المستوطنات التي عوقت المفاوضات المباشرة، وعن تداعيات أزمة "أسطول الحرية" التي قتل "الإسرائيليون" فيها تسعة أتراك، وأخبار تحرك "قافلة شريان الحياة"، التي انطلقت من إنجلترا في طريقها إلى غزة. ولا بد أن يلفت نظرنا في هذا السياق أنه في الوقت نفسه الذي طلبت فيه السلطة الفلسطينية تأجيل إحراج "إسرائيل" وعقابها أطلقت أخبار معطرة عن تجدد جهود المصالحة بين فتح وحماس، ولا أعرف ما إذا كان ذلك قصد به صرف الانتباه عما حدث في جنيف أم أن التزامن مجرد مصادفة.
من المفارقات أنه في الوقت الذي قدمت فيه السلطة هذه الهدية إلى "إسرائيل"، فإن رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو تعامل معها بمنتهى الصلافة والاستعلاء، حين رفض أن يتراجع خطوة واحدة، ولو على سبيل التمثيل، عن موقفه بشأن استمرار بناء المستوطنات.
حين وقعت الفضيحة الأولى في شهر أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي، كتب الدكتور عزمي بشارة المثقف والسياسي الفلسطيني البارز مقالين نشرا في 4 و5/9 تحت العنوان التالي "العار يمشي عارياً" تحدث فيهما عن التهديدات السياسية والاقتصادية التي وجهها نتنياهو لقيادة السلطة، وتهديدات وزير خارجيته ليبرمان بالكشف عن تورط السلطة في دعم الحرب "الإسرائيلية" على غزة، ما أدى إلى تراجع السطة علناً عن تأييد القرار. وذهب إلى أن موقف السلطة في حقيقته هو محاولة لإفشال القرار، وفي هذه الحالة، فإن صاحب الشأن حين يتراجع عن القضية، فإنه يصبح بإمكان الآخرين أن يتحرروا من العبء، لينتقل صاحب الشأن بعد ذلك إلى الاختباء وراء تحرر الآخرين من العبء.
إن الصمت العربي على ما جرى يبعث على الحيرة، ذلك أن السلطة إذا كانت قد تسترت على الجريمة "الإسرائيلية" تحت التهديد وساعدت على أن تفلت من العقاب، فإن ذلك يثير تساؤلنا حول ما إذا كان العالم العربي قد تلقى ذات التهديد، أم عواصمه الكبرى اختارت الصمت لكي تتحلل من عبء القضية وتتخلص من الصداع الذي تسببه لها. إن السلطة والأنظمة التي تقف معها أصبحت تقف علناً في صف تصفية القضية وإغلاق ملفها. وغدت الأزمة وحدها مسؤولة عن مواجهة التحدي وإدارة الصراع.
صحيفة الخليج الإماراتية

أحمد
23-12-2010, 08:31 AM
صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 15 المحرم 1432 – 21 ديسمبر 2010
قبل ان يسقط المغرب من الذاكرة المشرقية – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي



كون مشاكلنا في المشرق أكثر من الهم على القلب، لا يغفر لنا ان نسقط المغرب من حسابنا، ونتركه نهبا للطامعين والكائدين والمتفرنسين.

(1)

أتحدث عن دول المغرب، وليس المملكة المغربية وحدها التي أمضيت فيها أياما خلال الأسبوع الماضي كانت مليئة بالحوار والدهشة، مما أقنعني بأن المغرب يزداد بعدا وعزلة عن المشرق، وأن ذلك حين يتم تحت أعيننا وبرضا أو عدم اكتراث من جانبنا، فاننا نصبح بغير حاجة الى أعداء يتآمرون لاحداثه.

فتحت جريدة الصباح فوقعت عيناي على العنوان التالي:
المغرب والجزائر من يقرع طبول الحرب؟
فتحت صحيفة أخرى فصادفت حوارا لأحد قادة الحزب الاشتراكي الموحد تحدثت عناوينه عن ان الجزائر لن تعرف الاستقرار في حالة الحرب على المغرب،
وفي صحيفة ثالثة قرأت بيانا لحزب الحركة الشعبية دعا الى «استبدال خيار السلم والمهادنة والدبلوماسية مع الجزائر بخيار التصدي، وحتى المواجهة العسكرية اذا لزم الأمر».

الى جانب هذه العناوين وجدت في الصحف المغربية أخبارا أخرى عن صفقات سلاح بقيمة تجاوزت الملياري دولار عقدتها الجزائر مع روسيا، وعن صراع في الجزائر بين معسكرين، أحدها يحبذ شراء السلاح الروسي، والثاني منحاز أكثر الى شركات السلاح الفرنسي.

وكان واضحا من الاشارات ان ذلك السلاح يدخل ضمن الاستعدادات للمواجهة العسكرية، التي تتحدث عنها الصحف.
بل قرأت أيضا ان شحنات من ذلك السلاح أرسلت عبر الحدود الى جبهة البوليساريو، التي تساندها الجزائر وتدعمها.

كان ذلك السيل من الأخبار مفاجئا لي مرتين،
مرة لأنه حاصل وواصل الى تلك الدرجة المفجعة من الاحتشاد والتأهب.

ومرة ثانية لأننا لا نجد له صدى في المشرق، لا في وسائل اعلامنا ولا في دوائر «القمة»، ولا حتى في اطار جامعة الدول العربية التي يفترض ان يسارع أمينها العام الى زيارة البلدين، لاطفاء مقدمات الحريق قبل ان يتفاقم.

وجدت ان مظاهر البؤس السياسي واحدة في المشرق والمغرب.
فعندنا تحاصر مصر غزة وتخاصم دمشق، في حين تظل أبواب القاهرة مفتوحة أمام الاسرائيليين.
وعندهم تمتد الجسور بين الرباط وتل أبيب ويتدفق السياح الاسرائيليون على المغرب، في حين تغلق الحدود على الجزائر منذ نحو عشر سنوات، ولا يستطيع الشقيق ان يعبر خط الحدود في أي من البلدين ليلتقي شقيقه في البلد الآخر.

سألت، فانتقد الجميع موقف الجزائر من دعم جبهة البوليساريو الداعية الى الانفصال عن التراب المغربي، لكن الآراء اختلفت في تشخيص الأسباب وراء ذلك، فمن قائل ان هناك تطلعات الى ثروات منطقة الصحراء.

وقائل ان الجزائر التي تطل على البحر الأبيض تريد منفذا لها الى المحيط الأطلسي، ولا سبيل الى ذلك الا باختراق منطقة الصحراء،
وقائل ان التنازع بين البلدين ليس حول الصحراء فحسب، ولكنه أيضا حول زعامة منطقة المغرب العربي، كما ان الفرنسيين والأمريكيين ليسوا بعيدين عنه.

(2)

في حين كانت الصحف تتحدث عن الأزمة مع الجزائر، وجدت البرلمان المغربي هائجا على اسبانيا ومتهما وسائل اعلامها بالتزوير والتدليس، بل وارتفعت فيه أصوات داعية الى قطع العلاقات مع مدريد.

كنت أعرف ان هناك مشكلة معلقة بين البلدين لم تجد حلا منذ أكثر من خمسة قرون، أعني بذلك مشكلة سبتة ومليلية اللتين احتلتهما اسبانيا وضمتهما الى ترابها، ولا تزال ترفض الجلاء عنهما على الرغم من تعلق أهلهما المغاربة بوطنهم الأم.
وهي مشكلة تكاد تماثل قضية الجزر الثلاث، التي تسيطر عليها ايران.

والفرق ان المشرق بحكوماته ومؤسساته مشغول بالجزر الثلاث طوال الوقت، ولم يأت على ذكر سبتة ومليلية في أي وقت، حتى أصبح المغرب يقف وحيدا أمام اسبانيا، ولم يستطع ان يتوصل الى حل للاشكال حتى الآن.

لم تكن مشكلة البلدتين هي موضوع الأزمة، وانما كانتا في خلفيتها ممثلة في حالة التوتر والمرارة وسوء الظن.

وفهمت ان الأمر متعلق بموضوع الصحراء، ذلك ان هجوما من بعض الصحراويين الغاضبين وقع على بعض رجال الشرطة المغاربة في منطقة «العيون» أسفر عن مقتل 11 شخصا من عناصر الشرطة.

ولكن بعض الصحف الاسبانية قلبت الآية، ونشرت قصة مفبركة عن قمع الشرطة المغربية للصحراويين، واستشهدت في ذلك بصورتين تبرزان قسوة وبشاعة القمع الذي مارسته الشرطة.

وأحدثت التقارير التي نشرت بهذا الخصوص أثرها السريع في أوساط الاعلام الاسباني وفي موقف البرلمان الأوروبي، حيث اتجه الرأي الساند الى ادانة المغرب والتنديد بسلوكه «الوحشي» واضطهاده للصحراويين.

وتبين فيما بعد ان الصور مزورة، وأن واحدة منها كانت لجريمة قتل وقعت في الدار البيضاء، والثانية كانت لأطفال من ضحايا الهجوم الاسرائيلي على غزة.
ولم يكن لأي منهما صلة بأحداث الصحراء أو ما جرى في العيون.

وحين انفضح الأمر على ذلك النحو ثارت ثائرة المغاربة ونواب البرلمان، واحتجت الحكومة، لأنهم اعتبروا اختيار تلك الصور والتنديد بالمغرب بناء عليها تعبيرا عن سوء النية وتعمد الاساءة والتشهير.

بعد يوم من وصولي الى فاس تابعت على شاشة التلفزيون مظاهرة هائلة خرجت الى شوارع الدار البيضاء، قيل انها ضمت ثلاثة ملايين شخص، وشاركت فيها كل القوى السياسية، وقد رفعت شعارات الاحتجاج والادانة «ضد تعنت الحزب الشعبي الاسباني اليميني، الذي تعمد أسلوب التلفيق والتزوير والكذب ضد أهم القضايا الوطنية في الساحة المغربية»، كما ذكرت صحيفة الشروق المغربية في اشارتها الى قضية الصحراء.

كانت المظاهرة حاشدة حقا، وان لم أجد لها ذكرا في الصحف المصرية، لكن نجاحها لم يشف غليل بعض المثقفين، فتعددت كتاباتهم مثيرة أسئلة من قبيل:
ماذا بعدها؟
وهل يكفي الغضب لحل مشكلة الصحراء؟
وهل يتطلب الأمر مقاربة من نوع آخر تحل الاشكال مع المغرب والجزائر؟

وحدهم كانوا يتساءلون، ووحدهم كانوا يجيبون.
لكن حواراتهم ظلت محكومة بحدود المغرب ولم يكن لها صدى يذكر في فضاء المشرق.

(3)

في كل مكان ذهبت اليه كنت أرجو ممن التقيتهم ان يحدثوني باللغة العربية.

حدث ذلك في الفندق والمطعم والسوق والتاكسي وصولا الى شرطة المرور والحمالين، الذين يتزاحمون في المطار.

ولم يكن ذلك جديدا علي لأن فرنسة اللسان المغاربي كانت أهم انجاز حققه الاحتلال، الذي سحب عساكره وترك لغته لكي تبقي على الاحتلال وتكرسه.

وكانت المفارقة ان اللغة الفرنسية منيت بهزيمة نسبية،، وصارت تتراجع في مواطنها (كما تحدثت لوموند دبلوماتيك في عددها الصادر في أول ديسمبر الحالي) الا أنها مازالت ثابتة القدم ومهيمنة في المغرب وتونس والجزائر وموريتانيا على الأقل،

المتغير الذي لاحظته هذه المرة في المغرب تمثل في أمرين،
الأول ان الحديث بالفرنسية صار وباء ولم يعد مجرد مرض عارض،
والثاني ان الثقافة الأمازيغية أصبحت تحتل موقعا متقدما في لغة الخطاب العام.

والأمازيغية لهجة البربر التي كانت في الأصل منطوقة ثم تحولت الى مكتوبة، وأصبحت هناك قناة تلفزيونية ونشرات اخبارية ناطقة بها، وتولي رعاية هذا المد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.

وهو أمر لا غضاضة فيه طالما ان 30٪ من ذوي الأصول البربرية في الجمهور المغربي لا يتكلمون العربية.
الا ان المشكلة أنه في حين تتقدم الفرنسية والأمازيغية فان التراجع مستمر في حظوظ اللغة العربية حتى ظهرت جماعات دعت الى اعتماد الدارجة المغربية محل العربية الفصحى، واعتبارها لغة وطنية بدلا من الفصحى.

المدافعون عن العربية الفصحى يقاومون ما يسمونه «تسونامي» الفرنسية.
وقد نددوا بوزير التعليم حين تحدث في مؤتمر صحافي باللغة الفرنسية.

وأثاروا ضجة في وسائل الاعلام حين وجدوا ان الكلمات والخطب، التي ألقيت في عيد الاستقلال كانت كلها بالفرنسية، واعتبروا ان تلك المفارقة دليل على ان استقلال المغرب لايزال منقوصا.

وسمعت من بعضهم ان الدوائر الرسمية لا تزال منحازة الى الفرنسية في مكاتباتها، حتى ان نشرات الأخبار والبرامج الحية تقدم باللغة الفرنسية في أوقات الذروة.
أما النشرات والبرامج العربية فيتم بثها في الأوقات، التي يضعف الاقبال فيها على المشاهدة.

حين ناقشت الأمر مع من أعرف من المثقفين المغاربة أرتأى أكثرهم ان المغرب العربي كله يواجه أزمة هوية، وأن رياح التغريب والتفتيت تعصف به بقوة.

وقالوا ان انصراف المشرق واستغراقه في همومه ومشاكله ترك المجال واسعا لانطلاق كل من يريد ان يعبث بمقدرات المغرب وهويته.

سألت عن المقصود بهؤلاء، فقال أكثر من واحد ان أهم اللاعبين في المغرب العربي الآن هم الأمريكيون والفرنسيون والاسرائيليون، والعرب يأتون كأفراد سائحين للصيد أو المتعة أو الالتقاء بالسحرة وقراء الكف والمشعوذين.

وانتقد بعضهم موقف الاعلام العربي، قائلين ان:
الاعلاميين يفضلون الذهاب الى دول الخليج والنفط ولا يجدون في دول المغرب ما يجذبهم أو يغريهم.

وبسبب هذا الغياب فان منطقة المغرب أصبحت في ادراك المشارقة مهرجانات فنية وغنائية وفرقا لكرة القدم، ومشاحنات ومكايدات بين المشجعين لهؤلاء وهؤلاء،
أما المجتمعات بتحدياتها ومشاكلها وحراكها.فهي بعيدة عن ادراك المشارقة.

قلت ان تراخي المشارقة في متابعة ما يجري في المغرب قصور لا مفر من الاعتراف به، لكننا يجب ان نقر أيضا بأن ثمة ضيقا في دول المغرب بحرية الاعلام.وهو ما تمثل في اغلاق مكاتب قناة الجزيرة في تونس والمغرب والجزائر.

رد واحد قائلا ان منظمات المجتمع المدني احتجت وعارضت اغلاق مكاتب الجزيرة.
وهو ما لا ندافع بدورنا عنه.

وما دمت قد ذكرت الجزيرة فقد لاحظنا ان الحوار الأخير، الذي أجرته القناة مع الأستاذ محمد حسنين هيكل حين تطرق الى أوضاع العالم العربي، فانه لم يشر بكلمة الى بلاد المغرب، حتى المذيع محمد كريشان، وهو تونسي، فاته ان يسأله عنها، الأمر الذي جاء شاهدا على ان المغرب لم يعد حاضرا حتى في بال كبار المثقفين المشارقة.

(4)

بقيت عندي كلمتان.

الأولى ان للصورة في المغرب وجها آخر لا ينبغي تجاهله.
ذلك ان التحديات التي أشرت اليها اذا كان قد استسلم لها البعض، خصوصا فيما يتعلق بالتغريب والتطبيع، الا ان هناك أيضا من تصدى بشجاعة ونبل مشهودين.

ذلك ان في المغرب فئات ومنظمات مازالت قابضة على الجمر، ومستبسلة في الدفاع عن هوية المغرب ورافضة التغريب والتطبيع.

لكن تلك الفئات التي لا تملك الا رفع الصوت والاعراب عن الغضب، تحتاج الى دعم ومساندة نظرائها في المشرق، خصوصا المثقفين المهجوسين بهموم الأمة والحادبين على مصيرها.

الكلمة الثانية تتعلق بالمناسبة التي أتاحت لي هذه الاطلالة على المشهد المغربي.
ذلك أنني ذهبت مدعوا الى المؤتمر السنوي لمنتدى فاس حول حوار الحضارات والتنوع الثقافي، الذي شارك فيه مثقفون وخبراء من العالم العربي وأوروبا وآسيا والولايات المتحدة.

ومما قلته في المناقشات ان ثمة عملا يجب ان ننجزه قبل ان ننخرط في الحوار مع الحضارات الأخرى.
يتعلق بحوارنا الداخلي في الساحتين الوطنية والعربية.
وضربت مثلا بالقطيعة بين المغرب والجزائر.التي لا نستطيع ولا ينبغي ان نتجاهلها وننشغل بالحضارات الأخرى.

قلت أيضا ان مشكلة التنوع الثقافي أصبحت مثارة في بعض الدول الأوروبية بأكثر منها عندنا.
ونموذج فرنسا وألمانيا وسويسرا وهولندا دال على ضيق الصدر بالآخر تتسع دوائره في الأوساط الأوروبية، التي دأبت دولها على ان تلقننا دروسا في أهمية القبول بالآخر.

لم يكن ذلك أهم ما قيل في المنتدى بطبيعة الحال، لأنه تطرق الى أمور كثيرة أرجو ان يتاح لي ان أتطرق اليها في مرة لاحقة باذن الله.